|
معنى كلمة سر:
كلمة سر كما أتى
بها الكتاب المقدس هي
كلمة يونانية وتعني
الشيء
«المخفي أو المستور» الذي لا يمكن للإنسان من ذاته أن يدركه.
الله يعلن معنى السر:
ويفيدنا معجم الاصطلاحات الكنسية بأنه عندما يستأمن الله قديسيه ليعرِّفهم،
ويعلن لهم أسراره، يظل هذا الإعلان إعلاناً قلبياً داخلياً يحسمه القلب،
وبالكاد يستوعبه العقل استيعاباً جزئياً، فهناك مثلاًَ: "سر الإنجيل"
(أف19:6). "سر ملكوت الله" (مر11:4) "سر الإيمان" (تيمو9:3) "سر المسيح"
(أف8:3 و9)...إلخ، ولكي نصل إلى مضمون السر ومعناه نستعين لفهمه بقول بولس
الرسول التالي: "... سمعتم بتدبير نعمة الله الموهوبة لي لأجلكم: كيف كُشف
لي السر عن طريق الوحي... أن تدركوا اطلاعي العميق على سر المسيح. ذلك السر
الذي لم يطلع عليه بنو البشر في الأجيال السابقة، مثلما أُعلن الآن بوحي
الروح لرسله القديسين وأنبيائه" (أف2:3-5) إذاً، إعلان السر هو بالروح
القدس، وهو إعلان قلبي داخلي، يمكن للعقل أن يعبر عنه في حدود ضيقة، ولكن
يظل الإعلان إعلاناً خفياً مستوراً، ليظل السر سراً. فمثلاً
«سر الإنجيل»
أو
«سر ملكوت الله»
أو قدرتنا على إدراك الولادة الجديدة من الله بالماء
والروح، وكذلك سر الأفخارستيا، وباقي الأسرار أيضاً. فهل بإمكاننا أن نصل
إلى معنى السر بصورته الكاملة أو استيعابه؟ فقط عن طريق الإيمان الداخلي،
ومن ثم على قدر ما نستطيع صياغته بكلماتنا بشكل قانوني. نحن بهذا نصل
لإمكانية التعبير عنه وليس لاحتوائه
بصورة
كاملة.
مدى دور الإنسان في الكشف عن السر:
وكَشْفُ معنى
السر يختلف أيضاً بين شخص
وآخر.
فإذا كان الله بالروح يكشف لنا معنى السر، فالذي بعون المسيح، ينفذ إلى
أعماق الله، يصل على قدر ما يستطيع التحلي
بالحكمة
الإلهية، ليكون "وكيل أسرار الله" (1كو1:4)
حينها
"يعبر عن الأمور الروحية بعبارات روحية"
(1كو13:2). أما من يكتفي بما عنده من الحكمة البشرية التي هي بُعد الإنسان
النفسي حسب قواه الطبيعية، فمثل هذا الإنسان لن يصل لإدراك معنى السر.
تعليم الكنيسة عن
مضمون
السر:
والدراسات التي
قدمها لنا آباؤنا القديسون، والتي
هي تعليم كنيستنا المقدسة، لا تقوم كثيراً على تفسير قانوني أو منهجي. بل
علمتنا الكنيسة من خلالهم: أن السر هو
حياة إلهية، وفعل إلهي فائق على الإدراك،
أودعه الله في الكنيسة لمنفعة المؤمنين وخلاصهم.
لهذا نجد أن
الكنيسة تحدثنا عن الأسرار من داخل
ليتورجيتها. لأن الليتورجيا هي حياة
الكنيسة وإيمانها. فالسر الكنسي ملتحم بالليتورجيا. فالشركة في الحياة
الليتورجية في
الكنيسة هي الضمان الوحيد لتفسير السر تفسيراً اختبارياً معاشاً.
ونضيف أيضاً: أن
بولس الرسول يوحد بين العروسين فيقول: "فيصير الاثنان جسداً واحداً. هذا
السر عظيم، أعني به المسيح والكنيسة" (أف 31:5-32). إذن عمل الروح في هذا
السر هو بنيان الكنيسة، لأن العلاقة الزوجية توحد الاثنين سرياً، ليكونا
متوحدين كما المسيح
والكنيسة،
وأيضاً من أجل الكنيسة.
فمثلاً
«سر الإنجيل»، لا يُستعلن إلا من داخل الكنيسة، عند
الاشتراك
بعبادتها وصلواتها. وما عدا ذلك يبقى الإنجيل محمولاً بمعرفة عقلية، بعيداً
عن العمق الذي
نصل
إليه خلال حياة شركة فعلية
نحياها
في الكنيسة المقدسة،
بأسرارها وليتورجيتها معاً.
على صعيد آخر
نسعى لمعرفة السر، على قدر يتحقق لنا من
حضورٍ
لله في حياتنا. أما معرفتنا الكاملة لسر حضوره، فلن يكون إلا بعالم الملكوت
هنا نرى
الله بكونه "الكل في الكل" (1كو12:13).
سر التجسد الإلهي يقودنا لرؤية الله:
أعظم سر هو
قدرتنا لرؤية الله، الذي
كان محتجباً قبل
الميلاد، إلا أنه مع تجسد الابن ليس فقط صارت معاينة الله ممكنة، بل سعي
الإنسان للتأله صار
ممكناً
أيضاً
لأن
عمانوئيل =
«الله معنا»
"سكن بيننا" (يو14:1). لأنه يمكن رؤية الله في يسوع
المسيح: "من رآني رأى الآب" (يو8:14).
الحياة بالمسيح تكشف لنا سر الاتحاد بالله:
وهنالك معانٍ
ومواقف كثيراً تدخلنا في سر الله، لتعيدنا إلى
الحضن
الأبوي. فالإنسان بالخطيئة لم يعد على صورة الله، فكيف يمكن أن يعود إلى
مثاله
في الله؟ ولكن الحياة في
المسيح قادرة أن تعيدنا إلى المثال الأصلي
لأن الحياة في المسيح، هي الاتحاد به. فالمسيح هو الذي يتمم عودتنا للآب.
وابن الكنيسة
البار ريمون رزق في كتابه الحياة في المسيح يضعنا
أمام هذه
المعاني المستقاة من خبرة الكنيسة وكتابات آبائها، ونقتبس أيضاً بعضاً مما
استفاض به، فالقديس اسحق السرياني يؤكد أن الله هو دوماً
«بانتظار اللقاء»،
فليس مهماً أن نتكلم عن الله، بل أن نتحول به ومن أجله.
وأيضاً القديس
سمعان اللاهوتي الجديد يرى أننا "بالاتحاد
بالمسيح
فقط يبلغ الإنسان ملء كيانه، ويجد كمال طبيعته وكليتها فبالمسيح وحده
يستطيع الإنسان أن
يكون
إنساناً كاملاً،
ويحقق
طبيعته الحقيقية بكل أبعادها".
وكثيراً من
المعاصرين عبَّروا عن هذا الإتحاد، من بينهم الأب ستانيلواي الروماني في
كتابه "الله محبة" بقوله: "أن الإنسان يغيّر وجهه في المسيح، يصبح
هو
وجهاً
للمسيح، ومسكناً
له. وأكثر
من ذلك، يعكس المسيح، ليصير هو المسيح. لأنه مسيح ليس فقط بما هو إلهي في
داخله، بل أيضاً بما هو مخلوق ومتحد بغير المخلوق، كما المسيح هو نفسه ليس
فقط الإله غير المخلوق، بل أيضاً الإنسان المخلوق. إذ أن هاتين النقطتين لا
تنفصلان".
خلاصة ما تقدم:
في ما قدمناه
تحدثنا مطولاً عن
«السر»
بمواضيع كثيرة منها:
«سر
الإنجيل»،
وأيضاً
«سر
الاتحاد بالله»
وكذلك
«سر
الكنيسة»
وغيرها ولكننا لم نذكر أسرار الكنيسة السبعة التي تم
إقرارها
رسمياً. وذلك
لأننا سنتحدث لاحقاً عن كل سر على حدى. لكن هذه المقدمة تفيدنا لمعرفة أن
حياتنا سر هي، وإيماننا بالله أيضاً هو سر، وعودتنا إليه بعد مصالحتنا
معه
تحمل وجهاً
أسرارياً،
كل هذا وغيره يضعنا أمام مجال للسر أوسع وأرحب. فكم بالحري إذاً أدخلنا: سر
الثالوث الأقدس وسر أقنوم الابن في طبيعتين إلهية وإنسانية.
وكثيراً ما تحدث
بعض
آباء
الكنيسة
عن الموت
على أنه
سر للانتقال إلى الحياة الأبدية الخالدة، وكذلك الرهبنة هي سر يقود للتأله.
لذا أردنا تقديم أحداث
يدخل
السر
فيها
لنبقى
في جهاد السعي
لمتابعة المسير على درب المسيح بفرح نيل التجددات غير المحددة التي ينتعش
فيها
إنسان الروح فينا، علَّنا نصل إلى ملء قامة المسيح. |