|
|
لماذا الألم في حياتنا
الحياة دون الله هي في الغالب حياة مؤلمة لا تفسير لها، مليئة بالعذابات والشدائد التي ليس لها من جواب .... كل يوم تحدٍّ جديد... كل يوم مصيبة ... حروب.. مرض ... وفاة... في وسط هذه الظروف والآلام كثيراً ما يُطرح سؤالٌ إنساني أساسي يمس كل شخص: لماذا يارب؟ لماذا أنا يارب؟ ماذا فعلت؟ لماذا الألم؟
لماذا أتألم ؟ يقول الانجيل أن كل ورقة تسقط من شجرة هي تحت عناية الله و ناظره فكيف بالأحرى مشاكل أولاده! إن المرض لا يأتي من إله ظالم! إن إلهنا يحب فقط، وقد خلق العالم من محبته، وهو لا يعاقب مخلوقاته، لكنه يسمح ويأذن تربوياً بوقوع المرض كي يعيدنا إلى جادة الصواب، فالصلوات التي يرفعها الانسان المتألم أكثر خشوعاً وحرارةً وقبولاً، إنها تعطي السلام وتبعث على التواضع، تمنح الرجاء وصحة النفس وأحياناً قد يصير المرض الجسدي شافياً لمرض النفس، عندها سيصبح الألم بركة للإنسان، إذ خلف كلِّ ألمٍ بشريّ تخفى يدُ الله التي تبارك . إن الآلام هي بمثابة صليبٍ وزَنَهُ الله جيّداً وباركه، قبل أن يضعه فوق كتف الانسان. فلا تظن أن صليبك أثقل مما تقدر أن تتحمله. على الانسان أن ينظر جيدا في أعماق نفسه ويكتشف أن فيه قوى مجهولة ومخفية تمكنه من حمل صليبه، كما أن عليه أن يتذكر أن القيامة دائماً تأتي بعد الصليب.
هل الألم ناتج عن الخطايا ؟ إن الأمراض لا تأتي فقط من الخطايا, فقديسون عظام أيضاً أصيبوا بأمراضٍ كثيرة ومختلفة, وماتوا بسببها كالقديس باسيليوس الكبير. لكن الأمراض جعلتهم يتذكرون الله على الدوام، وهم كانوا بصبرهم عليها يزيدون على نار إيمانهم حطباً، لذلك كانوا يشكرون الرب على الدوام. فالأمراض موجودة لتقربنا من الله أكثر لا لكي تبعدنا عنه. ونحن نبدي إيماننا بالله من خلال صبرنا في التجارب والأمراض. إذ ليس هناك إنسان بدون ألم. بدون الألم أنت تملك معارف كثيرة ولكن ليس معارف حقيقية. الألم يضعنا في الميزان ويختبر محبتنا لله ويولد فينا الإحساس بآلام الآخرين ويقوينا ويبعث فينا الرجاء. ففي وسط الدموع توجد القوة. فالألم إذاً هو لغة التعزية نستطيع أن نتحدث ونعزي بها الكثير من الناس المتألمين. ما هو أشد أنواع الألم ؟ الألم متنوع : ألم جسدي, ألم نفسي, ألم الخيانة, ألم الذنوب, ألم التسلط, ألم الغيرة, ألم الحنين, ألم العشق والحب .... كل هذه ظروف صعبة تعصف بحياتنا، نستطيع تجاوزها بثبات متكلين على الله، لكن الإنسان الأكثر ألماً هو الإنسان الأهوائي الذي يعلم بأن أهواءه هي السبب لمرضه وعذابه ومع ذلك يصير لها عبداً أسيراً. هنا يجب على الإنسان أن يقوم باختيار أحد الطريقين، فاذا كانت له علاقة وثيقة مع الله يثبت في الايمان أما إذا كان بعيدا عنه يسقط في الخطيئة.
كيف نتحرر من الألم ؟ أولاً وقبل كل شيء، الإيمان القوي بالله و بمشيئته تحرر الانسان من كل آلامه. أما اذا أراد أن يتدبر أموره لوحده من دون معونة الله فسوف يشقى بما فيه الكفاية وسوف يتألم أكثر بكل تأكيد. فالألم فرصة لكي ترحل الفردية والإكتفاء بالذات, وينفتح المرء على محبة الآخرين ومساندتهم. وما الألم النفسي إلّا صرخة النفس طلباً للمعونة. فمثلما يفصح الألم الجسدي عن وجود شيء يحصل ضمن جسمنا فنذهب الى الطبيب ونجري الفحوصات اللازمة، كذلك الألم النفسي نستطيع أن نعرفه ونعالجه بالتواضع أمام مشيئة الله، وبالصلاة ومعونة الأب الروحي، واستقبال الألم كبركة من الله. عندما يطرق الألم باب حياتنا علينا ألّا نيأس ونخاصم الله وننساه ونبقى دون صلاة. على العكس يجب أن نكون واثقين بأن الله يتابع أمورنا بحرصٍ أبوي عارفين أن هذا الألم سيكون محطة تغيير هامة في حياتنا. سؤال "لماذا يارب" هو المفتاح لكل شيء، عندما يصدر كصرخةِ صلاةٍ، من قلب صادق متألم ومتواضع أمام مشيئة الرب. فالمسيح أيضاً صرخ على الصليب "إلهي لماذا تركتني" لكنه في النهاية قال "إلهي بين يديك أستودع روحي" مطيعاً حتى الموت ففرح بالقيامة، هكذا كل شخص يتزامن حضور الألم في حياته مع حضور الله ينتظر القيامة. أخيراً... سأختم موضوعي هذا بجملة للمثلث الرحمات خريستوذولس رئيس أساقفة أثينا، أدل بها عندما أخبره الأطباء بأن مرض السرطان قد تفشّى في معظم جسده ولا أمل له بالحياة من بعد:"... لم تأتِ الساعة الأخيرة بعد، كل تجربة وكل صعوبة يرسلها الله لنا في هذه الحياة لها هدف وغاية، وهي لا تتجاوز طاقاتنا البشرية. لا أشك ولم أشك أبداً بأحكام الله. إن المرض الذي حلّ بي مؤخراً هو بالنسبة لي الكنزٌ الأثمن في حياتي"
صديقة الدير ماري يازجي 27-12-2009 |
|