|
|
يارب، ماهي مشيئتُك في حياتي؟
سؤال يطرحه أكثرنا نحن الشباب، ليعرفوا أو يقرأوا ما هي إرادة اللّه في حياتهم. فالعازبون يريدون معرفة مشيئته أيتزوجون أم لا؟ وإن أشار عليهم أحدٌ بضرورة ذلك يطرحون سؤالاً آخر: ممّن يتزوجون؟ أمّا أولئك الذين يشعرون بدعوة اللّه لهم للتفرغ للخدمة الكنسيّة أو التكريس فيريدون أن يعرفوا متى وكيف وأين؟ نحن في إطارِ شبابٍ مضطرب، نعيش حالة تخبط وعدم استقرار، ننفعلُ لأيّ سببٍ كان، ونتساءل في كلّ وقت: هل نحن ضمن نطاق مشيئة اللّه لنا، أم لا؟ من الخطأ تمامًا على أيّ شخص يريد أن يطيع الربّ أن يعيش في هكذا اضطرابٍ، فهو يؤثر على الآخرين بتصرفات قد تكون معثرة، محاولاً بذلك تمييز إرادة اللّه. إنّه لمدهش ورائع أن تحاول أن تميّز وتطيع مشيئة اللّه وتخضع لإرادته! لكن من الخطأ أن تصيب نفسك بجنونٍ محاولاً أن تميّز مشيئته. فالرسول بولس الذي عرف أسراراً خفية كثيرة وصعد حتى السماء الثالثة عندما كان يدرس مشيئات الله وأحكامه شعر بدوار وكأنه ينظر إلى هاوية وعندما كان يحاول البحث عن عمق حكمة الله ومعرفته اندهش وأوقف البحث فوراً صارخاً (مَن عرف فكر الرب؟ ما ابعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء). فكيف نتعب نحن عبثاً محاولين البحث عما لا يبحث فيه؟ هنالك حادثة جرت مع القديس انطونيوس الكبير فها هو رغم وصوله إلى درجات روحية عليا يسأل الله (يا رب لماذا يوجد غني وفقير ولماذا يوجد مرضى وأصحاء حروب وأحزان؟) فأجابه الله (إنها إرادتي ولا تستطيع أن تفهمها) "طرقكم غير طرقي وسبلكم غير سبلي". كيف نفهم إرادة الله مثلاً: عندما يكون هناك شخص مريض فنصلي لكي يشفى من المرض لكن الله أراد أن يموت هذا الشخص بالمرض. فهل نكون قد تدخلنا في إرادة الله أو عارضنا إرادته؟ أو هل الله لم يسمع صلاتنا؟ الحقيقة أن الله يريدنا أن نحب بعضنا البعض ويفرح بصلاتنا لبعضنا البعض فعندما يموت هذا الشخص هذا لا يعني أن الله لم يستمع لصلاتنا أو أننا نعارض إرادته. لكن الله أراد لهذا الشخص إما أن يتقدس بالآم المرض لينال الأكاليل أو ليتطهر بالآم من خطاياه. إذا كان كل شيء يتم بإرادة الله، ولا شيء يحدث على وجه الأرض إلا بأمره وحده، إذن فلماذا لا يمنع الله الشر قبل أن يقع؟ فمن الخطأ أن نقول إنه لا يحدث شيء على الأرض إلا بأمره. فعلى الأرض تحدث أحياناً أخطاء وشرور، وجرائم ومظالم، فهل هذه كلها بأمره؟! حاشا … على الأرض يحدث قتل وزنى وسرقة وغش وكذب … فهل أمر الله بكل هذا؟ كلا طبعاً. وهل يريد الله؟ هذا كلا طبعاً … إذن عبارة "كل شيء يتم بإرادة الله" هي عبارة خاطئة لاهوتياً. لأن "كل شيء" تتضمن الشرور أيضاً. والشرور لا يمكن أن تتم بإرادة الله، فالله لا يريد الشر. الله لا يريد إلا الخير. "يريد أن الجميع يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون". فكل الخير الذي يتم علي الأرض، للناس ، أو من الناس، إنما يتم بإرادة الله. أما الشر فلا. فما هو موقف الشر إذن من إرادة الله؟ الله الذي أعطي الإنسان حرية إرادة، يسمح له بأن يفعل ما يشاء، خيراً كان أم شراً، وإلا صار مسيراً. فالخير الذي يفعله بإرادة الله. والشر الذي يعمله، إنما يكون بسماح من الله، وليس بإرادته. وهناك فرق بين إرادة الله وسماحه. إرادته كلها خير. أما السماح فيتفق مع حرية الإرادة الذي وهبها الله لبعض مخلوقاته، فكلما اعتمد الإنسان على إرادته وقع في الخطأ والخطيئة, من سقوط ادم إلى الآن. ويسمح أن نجرّب لكي ننتفع روحيًّا. غالباً ما يدبر الله الأشياء هكذا للنفوس الحسنة العبادة بحيث أن أحداث مؤلمة تنتهي نهاية سعيدة (قصة يوسف – أيوب). فعندما نواجه صعوبات وتجارب لا يتدخل الله في الحال لمساعدتنا. بل يتركنا نعاني لبعض الوقت وبعد ذلك يقوم بأعجوبته, وذلك لكي يحمينا من الجحود ونكران الجميل فنحن عندما تنتهي المصاعب ننسى مرارتها وننسى الله الذي خلصنا منها. لذلك يسمح الله أن تؤلمنا التجارب أولاً ثم بعد ذلك يأتي ليخلصنا, وعندما يرى الله أن عبء التجارب يفوق طاقتنا يبسط يده ويخفف عنا الحمل الثقيل لكن إن رأى أننا لا نبالي بخلاصنا يتركنا دون مساعدة. فكل الصالحات تتولد بتأزر إرادتنا الحرة ونعمة الله فكيف يتم ذلك؟ يبدأ الإنسان بنية حسنة وغيرة إلهية بالجهاد لأجل إحدى الفضائل وإذ يرى الله براءة نواياه وإخلاص رغبته يؤهله لاكتساب الفضيلة. فليس من اللّه أنّك تعيش هذا الخوف والاضطراب النفساني، وأنت بذلك تسبّب دمارَك الروحي غائبًا عن ذهنك مشيئة اللّه وإرادته. فسرّ معرفة اللّه في حياتنا هو سرّ رغبتنا الداخلية بأن نطيع إرادته، وأن يكون هذا سرَّا. فأولاً وقبل كلّ شيء لا نستطيع أن نلبي رغبة إطاعة إرادته في لحظة معينة، فطاعة اللّه لا يمكن الوصول إليها عن طريق التعلّم أو الدراسة وما إلى هنالك. بل نتمّنى هذه الرغبة عندما نقضي وقتَ صلاةٍ مع اللّه، وهو سيعلمنا أن ندرك أنّ المكان الذي نحن فيه هو بالضبط المكان الذي يريدنا فيه مادمنا في سلام وهدوء داخلييَن، وحيث نحن؛ هذا ما يريده. فتوقفْ عن التشكيك والتردّد وقرّر بصدق وجديّة خطوة خيّرة لحياتك. مشكلتُنا أو مشكلة معظمنا الحقيقيّة هي أنّنا نرغب سرَّا أن يلبّي الرّب رغباتنا، فان الله يعطينا ما ينفعنا وليس ما نطلبه إلا إذا كان الذي نطلبه هو نافع لنا لكن كثيراً ما نطلب ما لا ينفعنا. فنحن نتوق ونتلّمس من اللّه أن يبارك أعمالنا وقراراتنا. نتكلم علنًا ونطلب من مرشدينا الحكمة والإرشاد بأن يعمل اللّه فينا وأن نعمل إرادته، لكن بالحقيقة أنّ كثيرين منّا يريدون فقط أن يبارك اللّه أعمالهم. وهم لا ينتقلون من مرشدٍ إلى آخر ليسمعوا صوتَ اللّه بل صوتهم، وهذا تنقّل بلا وعي وخاطئ. واللّه من خلال المواقف الصعبة يحقّق قصدًا معينًا في حياة الناس؛ يعلّمهم دروسًا لا تصدق، يهذّب العقول، يدرّب، يختبر، يصقل. فاللّه يرشدنا ولا يطيعنا. اللّهُ سيدٌ، يمسك بزمام الأمور ، وليس من يتحكم به، فاللّه سيدُنا وهو من يحرّك الأشياء في حياتنا إتمامًا لقصده ولخيرنا. لقد شرح أمورًا كثيرة في الكتاب المقدس لا تحتاج إلى تأويلات. فالكتاب لا يقول من تتزوج؟ لكنّه، بكلّ وضوح، يقول أن تحفظ نفسك طاهرًا إلى أن تتزوج، وبعد الزواج ينهيك عن الزنى. الكتاب لا يقول لك أن تتخذ مجرى معينًا لحياتك دراسيًّا كان أم مهنيًّا، بل يقول لك أن لا تكذب، ولا تسرق، ولا تؤدّي مهنة قد تؤذي بها الناس. أمّا هذا الاضطراب في اتخاذ قرار معين في حياتنا، هو عدم قدرتنا على صنع ذواتنا؛ المشكلة الحقّة والأساسيّة. فلنبدأ في التحدّي، ونحن بذلك قادرين، ولدينا كلّ إمكانية للتحليق في دائرة القدرة، من هنا سنصل. فالناجح لا يحمل في خارطته الذهنيّة فشلاً، بل يعرف ما هي التجربة! - ونحن نمشي في غمام التجارب - فلننظر إلى حياتنا من الزاوية المشرقة، فإن استطعنا أن نمتلك هذه النظرة، نصنع ذواتنا بنعمة ومشيئة اللّه، فنحن من يقرر، "فالذي يقف اليوم ولا يتحدث؛ سيقف غدًا ويتحدث". هنالك قول جميل هو: "ما احترقَ لسانٌ بقوله نارٌ، ولا اغتنى فقيرٌ بقوله ألف دينار". فلن نحصل على شيء إن وقفنا ننتظر مشيئة اللّه دون أن نعمل لنحقق ذواتنا. لكن فلنقل فكرتنا ونهذبّها ونسأل عنها، وننطلق لنعمل بها سائلين اللّه بها مشيئته ونعمته. فالحياة تجربة، وعملنا فيها إما نجاحٌ أو فشل. أمّا صِناعة الذات فهي فكرة تخلق الأمل الذي يحذوه العمل. هكذا نصنع ذواتنا ونحوّل الدقائق الميتة إلى دقائق مثمرة، ونحوّل مشكلتنا وحيرتنا إلى تفاؤل. فإرادة اللّه هي قداستنا (رو1:12-2)، ولا تتأتى القداسة من العلم ودراسة اللاهوت، بل هي منهجٌ وطريقةُ حياةٍ فضلى مسيحيّة. وكلّ ما يعوقنا في التقدّم في القداسة ليس إرادة اللّه لنا. فلننفض الأوساخ عنّا ولنقم من روح عدم الاستقرار ، فلقد فتح اللّه لنا الباب واسعًا. ومهما نفعل علينا أن لا ننسى أنّ اللّه خالق العالم؛ إلهُ العهدين وحافظُ كلّ البرايا وحافظ نفوسنا. ونحن بنعمة اللّه نستطيع أن نستخدم أخطاءَنا كأحجارٍ نخطو عليها لكي نحقق قصد اللّه بها، فرحلتنا طويلة وعلينا أن نطلب مساعدته لننتقل من دائرة المشكلة إلى الحلّ، ولنسمع ما يقوله الانجيليّ يوحنا في رسالته الثالثة: "ليس فرحٌ أعظم من هذا أن أسمع عن أولادي أنّهم يسلكون بالحقّ" (3يوحنا4). وأخيراً لنصلي كصلاة يسوع في البستان قبل أن يُسلم (يا ابتاه إن شئت أن تعبر عني هذه الكأس لكن لتكن إرادتك لا إرادتي) "لوقا42:22-43" ولننطلق مع الرسول بولس في فكر المسيح بقوله (ليكن فينا فكر المسيح) "كورنثوس الاولى11:2" لكي ندرك حكمة الله. طبعاً بمعونته.
صديقة الدير ريتا حنا 27-12-2009 |
|