|
|
التهيئة لاستقبال العيد غداً تبدأ الكنيسة فترة التهيئة لعيد الميلاد، هذه الفترة تستمر 40 يوماً، بدءً من الخامس عشر من تشرين الثاني وحتى الـ 24 من شهر كانون الأول. يتأهب فيها كل مسيحي ويستعد روحيّاً وجسديّاً كي يتذوق حلاوة المعجزة التي جرت تحت النجم، معجزة ميلاد ربنا يسوع المسيح بالجسد. إنه لمن المؤسف أن تغدو فترة التهيئة المباركة زمناً روتينيّاً لا قيمة له، ويصير عيد الميلاد، هو بامتياز اليوم الذي نعيّد فيه دون الله، أي ننسى الله فيه، حيث نملئ الطرق والمنازل بالزينة والإضاءة المُكلِفة، نضع شجرة العيد في كل حي ومنزل، نترقب عطلة العمل، ظاهرة بابانويل منتشرة في كل مكان، هدايا، أغاني، موائد طعام، زيارات عائليّة وينتهي عيد الميلاد. المعدة مملوءة والقلب فارغ أما المسيح فغائب عن مذود قلوبنا، يمضي الميلاد دون أن نعيشه. هل هذا هو الميلاد الذي نترقب؟ بالطبع لا.هل يجب أن نقوم بشيءٍ ما مختلف كي نعيش الميلاد ونملئ نفوسنا من فيض نعمه؟ الجواب تعطينا إياه الترتيلة التي نرتلها في الفترة التي تسبق عيد الميلاد "هلموا يا مؤمنون لنرتقِ بالروح ولنعاين تنازلاً إلهياً في بيت لحم، ونسبق فنهيّئ مداخل عيد الميلاد مطهّرين عقولنا بالسيرة الحسنة ومقدمين الفضائل صارخين: المجد لله في العلى". هذه الترتيلة تدعونا أولاً للارتقاء عن الأرضيات لنعاين تنازل الكلمة، وهذا يتم بتزيين سيرتنا بالفضائل وأذهاننا بالعفّة لننتشي بنشوة العيد. عيد الميلاد ليس فقط عيد نزول الله إلينا، بل هو أيضاً عيد ارتقائنا إليه. مالذي تقدمه لنا الكنيسة إذاً في هذه الفترة المباركة، فترة التهيئة، كي نرتقي بالروح ونتهيّأ لنعيّد الميلاد بمعانيه الإلهية، وليس بعاداته التجارية والإجتماعيّة فقط؟ أوّلاً: سلسلة طويلة من الأعياد الليتورجيّة: التي هي بمثابة درجات لسلَّمٍ عالٍ تصعدنا بالروح خطوة فخطوة لنصل إلى العيد. هي محطات كثيرة في مسيرة الصوم، نتزوّد في كل محطة بوقودٍ يلهمنا إلى حياة البر والفضيلة لنرتقي ونعاين ميلاد الكلمة اللاهوتي. على سبيل المثال هناك عيد دخول السيدة العذراء إلى الهيكل في 22 ت2. في هذا العيد نبدأ بترتيل تراتيل الميلاد "المسيح ولد فمجدوه" لِنَلِج روحيّاً في أجواء العيد، ونتذكر هدف مسيرة التهيئة. نرتل في هذا العيد للعذراء مريم "إن الهيكل الكلي النقاوة، البتول، الخدر الكلي الشرف، والكنز الطاهر لمجد الله...). ماذا تعني هذه الكلمات؟ الهيكل هو مكان وجود الإله كما كانوا يؤمنون سابقاً، أما الآن مع ميلاد المسيح فبات الهيكل هو جسدنا كما يقول بولس الرسول "أجسادكم هياكل للروح القدس"، وهذا الهيكل (الجسد) عليه أن يكون كلي النقاوة ليلد المسيح كما كانت العذراء مريم. الخدر هو مكان العرس الذي كانت العروس تهيؤه لزواجها، وكانت العادة أن يكون هذا المكان في غاية النظافة. وهكذا خدر جسدنا يجب أن يكون شريفاً طاهراً لتستقبل فيه النفس عريسها المسيح. هكذا يجب علينا أن نفتح آفاق أذهاننا لنتعلم أن العيد في الكنيسة، ليس واجب ولا عادة أو تقليد إجتماعي، إنما هو نموذج روحي لسمو حياتنا مع الله.
ثانياً: صوم الطعام: حيث يمتنع المؤمنون خلال هذه الفترة عن أكل المنتجات الحيوانيّة. صوم الميلاد هو صوم بهج تسمح فيه الكنيسة بأكل السمك، وهو لا يحمل قساوة صوم الفصح الأربعيني الذي تُكثّف فيه الصلوات، ويمُنع أكل حتى الزيت والسمك، بهدف التوبة. صوم الميلاد لم يوجد في الكنيسة الأولى، لكن المؤمنين أحسّوا بالحاجة إلى فترة تهيئة يستقبلون فيها حدثاً عظيماً كميلاد الرب يسوع بالجسد. شعروا بأن العيد عظيم والتقدمة البشريّة فقيرة، فوضعوا في البدء أسبوعاً كتهيئة للعيد، لكن حتى هذا بدا لهم متواضعاً، وهكذا حتى قرّروا مدة أربعين يوماً كفترة ثابتة لاستقبال العيد. فإذا ما قارنّا ضمائر أولئك الأبرار الذين كلّما قدموا للرب شيئاً من حياتهم وحاجاتهم شعروه متواضعاً، مع ضمائرنا التي تميل في أغلب الأحيان إلى الاختصار والتخفيف، شعرنا بأننا مقصرون إلى أبعد حد. أولئك الناس أيقنوا بصيامهم بأن الروحيات تسمو على الدنيوات، وبأن "الحاجة إنما هي إلى الواحد" ، وهذا ما تركوه لنا كميراثٍ لا يقدر بثمن. فأنّا لمتسلق الجبال أن يتذوق حلاوة القمة، إذا لم يشعر بتعب التسلق من الهاوية إلى القمة. ولأننا شعب كثير النسيان، يبقى الصوم ناقوس لنا، يدق ليذكرنا دائماً بتفوق الروح على المادة. فالصوم ليس هو امتناعاً عن الطعام بقدر ما هو عرفان جسدنا البشري بالجميل تجاه تنازل الكلمة وتجسده من أجلنا.
ثالثاً: صوم الأهواء: بالإضافة إلى صوم الطعام الذي هو صوم الجسد، هناك أيضاً صوم الأهواء، الذي هو صوم النفس. رحلة إلى أعماق الذات تكشف لنا الكثير من الأهواء المعشعشة في داخلنا. غالباً ما نظن بأننا أناس جيدون، لأننا نتردد على صلوات الكنيسة، ونصوم عن الطعام، لكننا عندما نغوص إلى أعماق ذواتنا، ونراقب سلوكنا مع الآخرين نكتشف كم من الأنانية نملك، وكم نحن قساةٌ مع أصدقائنا. الصوم الحقيقي ليس فقط في أن نأكل سمكاً بدلاً من اللحم أو نباتاً بدل من الجبن، الصوم الحقيقي في أن نقطع أيضاً كبرياءنا الذي يعذبنا ويضايق مَن حولنا. هذه الرحلة إلى الذات تتم بواسطة سر الإعتراف مع الكاهن. في هذه الفترة فلنذهب إلى الإعتراف لكي نرمي بعيداً أثقال خطايانا. لنذهب إلى الإعتراف ليس لأنه يجب، أو روتينيّاً، بل لأن نفسنا المتعبة بحاجة لأن تتكئ على نعمة بطرشيل الكاهن، وترمي بتواضع خطاياها أمام الله قائلة: "هكذا أعيش، لا أستطيع مسامحة الآخر، أدين بشكل مستمر، أغار من نجاح أصدقائي، أكذب بسهولة، أفكاري سلبية دائماً، أثرثر على إخوتي، إيماني ضعيف، صلاتي فاترة، يعتريني الكسل في الصلاة....". وهكذا تغدو النفس رقيقة عفيفة، متحرّرة من ثقل الخطايا المُحبط الذي يعيقها من الارتقاء الروحي. إن ما يساعدنا أيضاً على معرفة أهوائنا وذلاتنا هي المطالعة الروحيّة، فمن الجيد أن يطالع المرء في هذه الفترة كتاباً روحيّاً، ليرى كيف يُترجم هذا الكتاب في حياته الشخصيّة، وماذا يجب عليه أن يعمل ليغيّر إنسانه العتيق. إنه لمن الجيد أيضاً أن نرمي مع ثقل خطايانا، أثقال همومنا، ولنتكل على الله. إن عالمنا اليوم مليء بالهموم والمشاغل التي تجعلنا ننسى الله، ظانين أننا بالتفكير الكثير سنجد الحل، لكننا ننسى بأن الله ليس قريب من المفكرين بل من المصلين.
رابعاً: الإحسان: لكم من الرائع في هذه الفترة أن نفكر في قريبنا الفقير، الذي لم تعطه ظروف الحياة كرامة العيش التي مُنحناها نحن. فبدل أن نقول "الله سيساعده" أو "لا بأس سيساعده شخصٌ آخر"، فلنتحرك ولنقل "سيساعده الله من خلالي"، ولنكن أدوات لله سادّين حاجة قريبنا من وفرة جيوبنا. كم هو مبارك أن نحمل أثقال الآخر الماديّة، ولكم من الرائع بدل أن نصرف على الهداية والزينة والموائد الزائدة، أن نقدم بثمنها قرباناً لإخوتنا المحتاجين. فلنجرب هذه المرة أن نعيش عيد الميلاد ببساطة، ليس بفقر، مائدتنا فلتكن عامرة، ولكن دون تبذير. بدل الهدايا، المكتفي يهدي المكتفي، فلنقم بالإحسان ولنقدم شيئاً للآخر. إذا كنا لا نملك المال، فلنخصص بعض الوقت، لخدمة بعض الناس أو لزيارة المرضى أو حتى المساجين، وهكذا سنقدم الهدية الأكبر للمسيح الذي أوصانا قائلاً ""كنت جائعاً فأطعمتموني، وعطشاناً فسقيتموني، عرياناً فكسوتموني، ومريضاً فزرتموني وسجيناً فجئتم إلي" متى (35:25). هذه الفترة المباركة التي تقدمها لنا الكنيسة، فترة التهيئة للعيد 40 يوماً، هي فرصة لنفتح أعين ذهننا، ونقتنص الفرص الروحية لكي نعيّد الميلاد في بيت لحم السماوية، ويصير كل واحدٍ فينا مجوساً يأتي من بعيد لزيارة المسيح والسجود له، بدل أن نكون كواحد من سكان بيت لحم الأرضية الذين أتى المسيح وولد في مدينتهم دون أن يشعروا بشيء سوى ضجة الحدث. بدل أن نزين الشوارع بأضواء العيد، فلنزيّن أنفسنا بفضائل العيد، لأنه من المؤلم أن تكون شوارعنا مليئة بالزينة ونفوسنا فارغة.... فلنستقبل العيد وقلوبنا مليئة بالنعمة وبيتنا مضاءً ببساطة المسيح ولنهلّل معاً: "المسيج يولد فمجدوه... المسيح يأتي من السموات فاستقبلوه .... المسيح على الأرض فارتفعوا... رتلي للرب أيتها الأرض كلها .... ويا شعوب ابتهلوا ... لأننا به قد تمجدنا... آمين"
الأرشمندريت رومانوس داؤود 13-12-2009 |
|