رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

دَيريْ القديس جاورجيوس والشيروبيم - صيدنايا - ......................جديد الموقع: صفحة نشاطات الدير - آب :رياضة روحية مدارس الأحد الأرثوذكسية  فرقة القديس يوسف الدمشقي(فرع جديدة عرطوز) ...........................صفحة صوت الديرين: حديث الأسبوع 8 آب :أنا في فكر الله(الأرشمندريت يوحنا التلي)................... صفجة صوت الراعي: عظة لصاحب الغبطة من كتاب "الكنيسة هي أنتم".....................صفحة  صنارة روحية: صدى أسرار قلب (الأخت ماريا)...........................صفحة سؤال وجواب: من هي مريم المجدلية؟........................... صفحة ملتيميديا: قصص للأطفال (الراعي المحب).................................صفحة مساهمات القراء: موضوع للأخ شادي رزق "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل"- تأمل للأب فادي هلسة "في عيد التجلي"

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

المسيحيَّة والمناخ الثقافي العام

 

 يهدف هذا المقال إلى إعادة النَّظر بفحوى المادّة التي يقدِّمها الخطاب التَّربوي المسيحي العام، وهذا مرتبط بالرُّؤية (vision) التي ينطوي عليها هذا الخطاب، ووظائفيَّته (function)، أي الدَّور الذي يلعبه في سياق المناخ الثَّقافي المحلي والعالمي. لذلك فالدُّخول إلى لب هذا المناخ الثَّقافي المحلي والعالمي، ومن ثمَّ تشريحه وتشخيصه واستيعابه، سوف يُلهمنا في عملية تقويم رؤية ووظائفيَّة هذه الخطاب في هذا المناخ.

إنَّ سياق هذا المناخ الثَّقافي قد وُسِمَ بـ"الصَّيرورة والتغيُّـر". ولقد ألهمت جدليَّة "الصَّيرورة والتغيُّـر" و"الثَّبات"، العديد من الفلاسفة والمفكرين. فلقد حاولت الكثير من الفلسفات القديمة (الأفلاطونية، الأفلاطونية المحدثة،...) أن تقهر الصَّيرورة، وتقاوم وتتغلب على "التغيُّـر"، ولم تكن تُعد الزَّمان سوى صورة ناقصة متحرِّكة للأزليَّة الثَّابتة. لكن هناك بالمقابل فلاسفة، كالفيلسوف الفرنسي برجسون، نقد هذه التصوُّرات التي تفترض دائماً أنَّ في السَّاكن أكثر مما هو في المتحرِّك، وأنَّ المرء ينتقل من "السَّاكن" إلى "المتحرِّك" كما ينتقل من "الكامل" إلى "النَّاقص". ولكنَّ هذا الفيلسوف يؤكِّد أنَّ الوجود هو تغيُّـر محض وصيرورة مستمرِّة وحركة دائمة، وهذا ما تُظهره الفلسفة. وليست مهمَّة الفلسفة أن تفسِّر التغيُّـر بجوهر ثابت، أو أن تعلِّل الحركة بمحرِّك ساكن، بل إنَّ مهمَّتها تنحصر في النَّفاذ إلى صميم الصَّيرورة الكونيَّة، حتَّى ندرك عن طريق الحدس (intuition) كيف تصبح الأشياء ما هي.

هذا "الصَّيرورة والتغيُّـر"، التي تحدَّثنا عنها سابقاً، لم تعد ملكاً لتيَّار فلسفي دون آخر أو لثقافة دون أخرى، بل هو اليوم أصبح جزءاً لا يتجزَّأ من المناخ الثَّقافي العالمي اليوم. هذا المناخ الذي رافق انبلاج عصر ما بعد الحداثة قد أرَّخ (1) لنهاية عصر الأيديولوجيات، وشهد (2) ردَّة كبيرة إلى المقدس، وتمخَّض عنه (3) ظاهرة العولمة. وسوف أتناول بالتحليل والمعالجة لطبيعة هذه المتغيرات، وكيفيَّة تعديل فحوى الخطاب اللاهوتي التربوي المسيحي انطلاقاً وبناءً عليها.

 

إنَّ الحديث عن العولمة هو في العمق الحديث عن التغيُّرات التي طرأت على المناخ الثَّقافي والسياسي والاجتماعي على الصَّعيد العالمي. إذ إنَّنا نشهد تزايد وتعاظم  في العلاقات الاجتماعيَّة (stretched social relationships)، وذلك من خلال انبلاج شبكة من الاتصالات (network of communication) على مختلف الأصعدة، الثقافيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة. حيث تمَّ الانتقال من صعيد العلاقات الإقليميَّة (regionalisation) إلى العلاقات على مستوى الأقاليم والقارات (transcontinental and interregional relations)، وهذا الانتقال ترافق بكثافة في الاتِّصالات والتفاعل عبر العالم (intensification of flows)، بحيث يمكن تحسُّس آثار الأحداث والمتغيِّرات بشكل أقوى وعلى صعيد عالمي. الأمر الذي خلق إشكاليَّة العلاقة ما بين المحلي والعالمي (local and globle)، ذلك أنَّ التداخل في المستويات الاقتصاديَّة الاجتماعيَّة سوف يخلق نوع من التداخل الثقافي والاجتماعي على المستوى المحلي، وكمثال على ذلك الـ"McDonalds" و"Hollywood movies"، بكل ما يترافق معه من تصدير لنماذج من التصرَّفات والسُّلوكيَّات، ومن تأسيس لشخصيَّة ثقافيَّة جمعيَّة تستمد مادتها من الثقافات الغالبة، الأمر الذي يطرح قضيَّة الامبرياليَّة الثقافيَّة. كما أنَّ هذا المناخ من الكثافة في التواصل قد أسَّس لنوع من البنية التحتيَّة العالميَّة (globle infrastructure)، وهي بمثابة منظومة مؤسساتيَّة ضروريَّة لعمل الشبكات العالميَّة، مثل الأسواق العالميَّة، بكل ما يترافق معه من تهديد حقيقي لـ"sovereignty of the nation-state " .

لا شك، إنَّ ابستيمولوجيا العولمة لم تختمر فلسفيَّاً بعد، لكن هذه الظَّاهرة امتزجت مع مفاهيم أخرى متعدِّدة، كالتَّدويل (internationalization) أو شبكة الاتِّصال العالميَّة (internet) أو الذيوعيَّة (diffusionism) التي تقول بأن الإنسانية تتطور من خلال استعارات ثقافية متتالية من الثقافة الغالبة. ولكن يبقى أنَّ هذه الظَّاهرة خلقت جواً من التَّداخل على أصعدة متعدِّدة، إن كانت ثقافيَّّة أو سياسيَّة أو اقتصاديَّة. ولكنَّها من جهة ثانية خلقت وأشعلت العديد من الإشكالات، الأول هو إشكاليَّة الموروث والجديد أو التُّراث والحداثة. ولقد تمخض عنها ثلاث تيارات، الأول يأخذ بمعطيات التَّحديث وإلغاء الذَّات، والثَّاني يتفاعل مع الحداثة بما يغني الذَّات، والثَّالث ينغلق على ذاته وكأنَّ التَّاريخ لا يتطوَّر. هذا من جهة ومن جهة ثانية، فالعولمة تثير إشكاليَّة الخصوصيَّات الثقافيَّة والدينيَّة بكل ما رافقها من هُتافات هنا وهناك، عن حوار أو صراع الحضارات والثَّقافات والأديان (صموئيل هنتنغتون، فرنسيس فوكوياما). ولكنَّنا نسينا أن قطبي العولمة التَّقانة والحداثة لا يشكِّلان موطني خطر، بل طاقتين إيجابيتين، إن نحن أحسنَّا استعمالهما. العولمة واقع يمكن أن نوظِّفه في الاتِّجاه الإيجابي، إن نحن أدركنا دورنا فيها ولم نترك أنفسنا على هامشها وبذلك نساهم في أنسنة وجه العولمة.

ويكثر اليوم الحديث عن "العولمة الثقافيَّة"، وهي ظاهرة جديدة برزت في التِّسعينات من هذا القرن. تستمد هذه الظَّاهرة خصوصيَّتها من انفتاح الثَّقافات العالميَّة المختلفة وتأثيرها على بعضها البعض. وهذا الانفتاح لا يتضمَّن بالضَّرورة ذوبان الثَّقافات أو الحضارات في بعضها البعض، بل ينبغي فيه الحفاظ على الخصوصيَّات الثقافيَّة لأنَّه مصدر ثراء للمشروع الثَّقافي العالمي. والهدف النِّهائي لهذه "العولمة الثقافيَّة" هي خلق ثقافة عالميَّة واحدة، لا بل خلق عالم بلا حدود ثقافيَّة. إنَّها بمثابة نقل لمركز العطالة من المجال المحلِّي إلى المجال الدَّولي، الأمر الذي يزيد الوعي بعالميَّة العالم وبوحدة الإنسانيَّة. وهذا طبعاً لا يجب أن يؤثِّر على الهويَّات الثقافيَّة المحليَّة بحيث يهدِّدها بالفناء أو الذَّوبان، لكنَّها دعوة إلى إعادة تشكيل هذه الهويَّات أو حتَّى تطويرها لتتكيَّف مع الواقع الجديد. والحديث عن هذه الظاهرة لا يعني أنَّنا أمام حدث جديد لم يكن موجوداً من قبل، لكنَّه إلقاء الضَّوء على ظاهرة تضخَّمت وأخذت أبعاداً عالميَّةً أكثر منها ممَّا قبل، ذلك أنَّ الأفكار والمفاهيم والقيم تحمل في أحشائها بذور العولمة. وهذه القابليَّة للانتشار هي ما يقابلها لفظ (globalization) أو (mondialization) الذي يرادف الإشعاع والتَّأثير الكبيرين لثقافة ما خارج حدودها. بالتَّالي فالأفكار والمفاهيم والقيم هي عابرة للقارَّات وللحدود وقابلة للاغتناء. وإذا ما اعتبرنا الدِّين عنصراً ثقافيَّاً كما هو الحال عند الأنثروبولوجيِّين، فهو خير دليل على عالميَّة الأفكار والقيم والمعتقدات بحيث أنَّ الدِّين لا يكون حصراً على ثقافة دون أخرى. بالتَّالي فهذه الظَّاهرة هي فرصة كبيرة للمسيحيَّة لأن تقوم بعمليَّة بذر للمفاهيم المسيحيَّة في بقيَّة الثقافات مستفيدةً من طبيعتها الإرساليَّة (التي سيتم الحديث عنها في دراسة لاحقة).

إنَّ مناخنا الثَّقافي اليوم قد شيَّع كل الفلسفات والأيدلوجيات التي تقول بالحتميَّة أو الضَّرورة التاريخيَّة كما زعم كل من هيغل وماركس وشبنغيلر. ولا أثر لنهاية التَّاريخ كما ورد في تنظير الأمريكي فرنسيس فوكوياما السِّياسي (francis fokuyama الذي اقتبس فكرة الفيلسوف الألماني هيغل في أنَّ التَّاريخ سيصل في نهاية تطوُّره إلى شكل رشيد ونهائي للمجتمع. ولقد وظَّف فوكوياما هذه الفكرة ودمجها مع فكرة المفكِّر ألكسندر كوجيف، بأنَّ الدَّولة المثال تتجسَّد في السُّوق الأروبيَّة المشتركة. فاللِّيبيراليَّة برأيه هي الشَّكل النِّهائي، وهي قامت على أساس عجز الأنظمة الدينيَّة، لذلك فالحركات الدينيَّة المزدهرة لن تؤثِّر عليها . كذلك الأمر، فالحديث اليوم عن "تاريخ العالم" أو "قصة الحضارة" لم يعد بالأمر السهل، ذلك أنَّنا تجاوزنا مفهوم هيغل للتَّاريخ الشَّامل، أي سيرورة العقل الشَّامل الإلهي والمنطقي المستمر في تطور دائم نحو الغرب المسيحي، وكذلك تجاوزنا مفهوم شبنغيلر هذا الفيلسوف الألماني، الذي فهم التَّاريخ الشَّامل من خلال ثقافات تشمل الأمم، فالثََّّقافات هي كالأجهزة الحيَّة، تخضع لقانون النَّباتات الدَّوري، البذار والأزهرار والذُّبول، وهذه الفكرة التي قال بها شبنغلير هي فكرة قديمة كانت ترى دورة الحياة في مراحل الميلاد والطُّفولة والشَّباب والنُّضوج والشَّيخوخة والموت، وهي لا تنطبق على الحيوانات والنَّباتات، بل تمتد لتشمل المجتمعات والأجناس والعالم كلَّه، وهذا المذهب القديم استخدمه أفلاطون لتفسير اضمحلال وسقوط المدن اليونانيَّة والإمبراطوريَّة الفارسيَّة. وفي ذلك يقول شبنغلير: "يجب أن نؤكِّد بكل ما أوتيناه من قوَّة على أنَّ الحضارات العليا هي شيئ أصيل كل الأصالة، شيئ انبثق من أعمق أعماق الرُّوح، بينما الشُّعوب هي على العكس من ذلك بصورتها الباطنيَّة، بكل ظاهراتها المنتجة للحضارة، هي رموز للحضارات، رموز أرواح الحضارات، هي الرُّموز الأوليَّة للحضارات". ولكنَّ سبنغيلر لم يفكِّر بإمكان حدوث عصر يتجاوز عصر الحداثة، بما ينطوي عليه هذا العصر من فضاء متعدد المحاور والأديان ومتجاوز للثَّقافات. لقد فهم الثَّقافات كوحدات تاريخيَّة لكل منها روحيَّتها ونفسها ونمطها أو أُنموذجها الخاص، غير قادرة على الاتِّصال بعضها ببعض. فهو لم يرصد تنقُّل النَّماذج الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة كما لم يتمكن من استيعاب قوة الدِّيانات الكبرى الصَّامدة التي تتخطَّى الثَّقافات، القادرة على الاستمرار على الرَّغم من انهيار ثقافة قائمة ( في ثقافة أخرى أو جديدة). وهناك أيضاً المؤرِّخ والفيلسوف أرنولد توينبي الذي استعاد أفكار كلٍّ من هيغل و سبنغيلر راسماً لوحة كاملة لتاريخ ثقافات العالم موفقاً بين فكر هيغل المتطوِّر ونظرية سنبغلير الدوريَّة، منطلقاً دوماً من التَّحدي المحدَّد تاريخيَّاً من الموقف والرَّد الخاص الذي ينجم عليه (challenge and response) تاركاً بذلك تنظير هيغل في الفكر العالمي العامل في التَّاريخ الشَّامل من جهة، وحتميَّة سبنغيلر وتشاؤميَّته من جهة ثانية. لقد استطاع توينبي أن يسلِّط الضَّوء على الاتِّصال بين الحضارات زمانيَّاً ومكانيَّاً. ولكنَّه وفَّق بين النظريَّة الدرويَّة (سبنغيلر) والنظريَّة التطوريَّة (هيغل) عندما قال بأنَّ تطوُّر الإنسانيَّة الرُّوحي المتصاعد يتكثَّف في معدَّل حضارات تولد وتندثر بعضها فوق بعض. يؤكِّد تويني على الدَّور الكبير الذي ستلعبه المسيحيَّة في حال انفتاحها على بقية الأديان. وهذا هو بالذَّات ما ستحفظه الذَّاكرة التاريخيَّة في القرن العشرين.

 

ومن ناحية أخرى إذا ما أردنا أن نرسم لوحة دينية تقريبيَّة لكوكبنا، لأمكننا أن نميِّز ثلاث خزَّانات للروحانيَّة لكل خزَّان نشأته ومورفولوجيَّته الخاصَّة. هذه الدِّيانات الكبرى تخترق الحضارات والحلقات الثقافيَّة دون أن تذوب فيها بسهولة إنَّها كالأنظمة النهريَّة الكبرى التي تخترق مشاهد ثقافيَّة متنوِّعة وهذه الخزَّانات هي التَّالية: الأوَّل، الدِّيانات ذات الأصل السَّامي وهي ذات طابع نبوي، وتشمل اليهوديَّة والمسيحيَّة والإسلام، والخلاص في هذه الأديان هو منوط بالله دون إهمال الدَّور الإنساني. والثَّاني، الدّيانات ذات الأصل الهندي التي تشهد لموقف صوفي في التَّفتيش عن الوحدة في التنوُّع، وتحدِّد ذاتها من خلال الولوج إلى الذَّات. وتشمل الدِّيانة الهندوسيَّة التي يمكن تلخيص مبادئها من خلال اعتقادها بلاثنائيَّة الله وألوهيَّة الرُّوح ووحدة الوجود وتناغم الأديان. والدِّيانتين البوذيََّة والجاينيزيَّة (Jainism) اللتين لا تضعان الله في محور الصَّرح اللاَّهوتي الخلاصي لهما، فالتَّركيز في الجاينيزيَّة هو على قدرة الإنسان على تحقيق الخلاص والانعتاق دون معونة من أيَّة جهة، بالتالي فهي تقوم على الإيمان المطلق بالإنسان كسيَّد وحيد لنفسه، وفي البوذيَّة ندخل مرحلة الطَّلاق من العقل، إذ يدخل المرء في حالة من الاستغراق الباطني يفلتر فيها ذهنه من كل المفاهيم في مسيرةٍ يتلمَّسُ فيها القاع الكلِّي للوجود، أي النيرفانا . والثَّالث، الدِّيانات ذات الأصل الصِّيني، وتحمل طابعاً حِكَميَّاً كالتاويَّة والكونفوشيَّة، فلقد صاغ كل من لاوتسو (مؤسِّس التَّاويَّة) وكونفوشيوس (مؤسِّس الكونفوشيَّة) تعاليمهما بطريقة حكمويَّة بعيدة عن الأسلوب والطَّابع الذي يميِّز أصحاب الرِّسالات الدينيَّة. ولا يمكننا في هذا الإطار أن نتجاهل الاهتمام الكبير الذي لاقته بوذيَّة زن من قِبَل المحللين النفسيين، وهي مزيح من التاويَّة والبوذيَّة، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، كل من يونغ وأريك فروم الذي يرى أنَّ تصوُّف الزن هو مزيج من العقلانيَّة والتَّجريد الهنديين ومن الواقعيَّة والعيانيَّة الصينيتين. إنَّ زِنْ هو نظرية وفن في التوصُّل إلى "الاستنارة"، وهو الفكر الأكثر ملاءمة للفكر الغربي العقلي من الفكر الديني الغربي نفسه كما يرى ذلك فروم؛ إنَّه أبعد من أن يندرج تحت أي منظومة فلسفيَّة أو نفسيَّة، بحسب ما عبَّر عنه عالم تاريخ الأديان الشهير رودولف أوتو ، وهو تجربة (experience) لطالما وَصَفَها الغرب بأنَّها "دينيَّة" و"صوفيَّة"، إنَّه طريقة للخلاص الرُّوحي. إنَّ هذه التيَّارات الروحيَّة الثَّلاثة، لم تبقَ حبيسة الأماكن المجاورة لمصادرها التاريخيَّة مباشرةً، بل تعدَّت حدودها اللغويَّة واخترقت بقية القارات، فعدد البوذيِّين اليوم في العالم يقارب الكاثوليك (حوالي المليار والنصف)، وهناك ما لا يقل عن عشرين دولة آسيوية تعتبر البوذيَّة ديناً رسميَّاً لها أو عنصراً فعَّالاً في ثقافتها، وكذلك الأمر فأكبر دير بوذي موجود في سويسرا، وهو منبع لروحانيَّة الشَّرق الأقصى في المناخ الثَّقافي الأوربي. والبوذيَّة بحسب رأي أرنولد توينبي هي الخصم القوي للمسيحيَّة في هذا القرن، وخاصَّة وعصرنا يشهد نوعاً من سيطرة النَّـزعة الفرديَّة، ففي القرن الواحد والعشرين عندما سيحل الدِّين محل التكنولوجيا، فإنَّه من المحتمل أنَّ "الهند-المهزومة حاليَّاً- ستفتح فاتحيها". من هنا ضرورة أن نركِّز في خطابنا التَّربوي المسيحي العام على لاهوت الشَّخص الذي يؤكِّد على أهميَّة الآخر في عمليَّة الخلاص، والتَّركيز على الحب الفادي الذي يصلب المركزيَّة الإنسانيَّة كمحور في العمليَّة الخلاصيَّة. وليس ذلك فقط، بل أن نُظهر الأبعاد العمليَّة للصوفيَّة المسيحيَّة على أنَّها ضرب من البعث الحقيقي للذات والولادة الجديدة، ضرب من بناء الشخصيَّة وإعادة بنائها، فُطام وتقشُّف عن كل ما يدعم الأنا الوهمي والمزيَّف فينا. والجدير بالذكر أنَّ عمليَّة التطهير (purification) هذه توازي بعُرف بيير داكو سيرورات التَّحليل النَّفسي.

وفي الحديث عن ملامح المناخ الثَّقافي العالمي فإنَّنا لا نستطيع أن نغضَّ النَّظر عن الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون في حديثه عن جدليَّة "الثَّابت" و "المتحرِّك". فالمناخ الثَّقافي اليوم هو صراع ما بين الثَّابت (الاستاتيكي) والمتحرِّك (الدِّيناميكي). هذين اللَّونين يصبغان الثَّقافات ويرسمان معارج اللِّقاء فيما بينها. فبقدر ما تكون الثَّقافة ستاتيكيَّة بقدر ما يكون اللِّقاء هو تصادم وصراع. وبقدر ما تكون الثَّقافة ديناميكيَّة، بقدر ما يكون اللِّقاء هو استيعاب واغتناء.

فقد قال برجسون بوجود "أخلاق مغلقة" (morale close)، وهي أخلاق الجماعات المغلقة (وهي تلك المجتمعات التي تشبه في بعض الوجوه خلايا النحل أو بيوت النمل)، وكذلك بوجود "أخلاق مفتوحة" (morale ouverte)، وهي أخلاق مليئة بالحركة والخلق والاختراع، وعليها يتوقف مصير الإنسانيَّة لأنها هي التي تفتح أمام التطوُّر البشري أفقاً واسعاً لا نهائياً. في النَّمط الأوَّل يُجتَزئ الفرد بالخضوع للجَّماعة والامتثال لضغط المجتمع، فالفرد يجد نفسه بإزاء "ضغط اجتماعي"، بمقتضاة تلزمه الجَّماعة بأن يحترم قواعد خاصَّة، مستعينة في ذلك بمجموعة من الجزاءات الماديَّة والقانونيَّة التي تضمن تحقيق ذلك الالتزام "الذي هو في صميمه قائم على غريزة اجتماعيَّة تنحصر طبيعتها في المحافظة على التَّماسك بين أفراد المجتمع والعمل على صيانة وحدتهم ضد العدو الخارجي. ومعنى هذا بأنَّ الأخلاق لابدَّ أن تتَّخذ بادئ ذي بَدء صورة "تنظيم" اجتماعي فيه يخضع الفرد لمقتضيات الحياة الجمعيَّة، فيأتلف من ذلك "عقل جمعي" شبيه بما تصوَّره دوركهايم. إنَّ الأخلاق بحسب هذا النَّمط، ليست سوى جهاز من "العادات"، تنحصر مهمته في صيانة كيان المجتمع، فهي بمثابة ردَّة إلى حياة الغريزة (على نحو ما نجده لدى بعض الحشرات) أو هي مجرد أخلاق جمعيَّة تُعدُّ من مستوى "أدنى من العقل" (infra-intellectuelle)، أما "الأخلاق المفتوحة" فهي ليست وليدة ضغوط اجتماعيَّة، بل هي إنَّما تصدر عن "نزوع" سامٍ تتمثَّل فيه جاذبيَّة القيم. وبينما تعبِّر الأخلاق المغلقة عن خضوع الفرد لقسر الجَّماعة، نجد أنَّ الأخلاق المفتوحة تعبِّر عن استجابة الفرد لنداء الحياة الصَّاعدة. وهذه الاستجابة تكون من خلال أشخاص يدعوهم برجسون بـ"العباقرة" وهم أقرب البشر إلى مصدر الحياة وينبوع الجدَّة. وهذا يعني أنَّ "الأخلاق المفتوحة" تقوم على أكتاف عظماء البشريَّة من الأبطال والأنبياء المعلمين، وهؤلاء هم رموز الوثبة الحيويَّة ودعاة "المحبَّة" و"الايثار" ورسل القيم الروحية في كل مكان وزمان. لذلك فإنَّ هذه الأخلاق الديناميكيَّة "تعلو على مستوى العقل" (intellectuelle moral supra-)، وتنتشر عن طريق "الجاذبيَّة إلى الأمام"، لأنَّها في صميمها اتِّجاه ينزع دائماً نحو المستقبل، فنحن بإزاء "أخلاق متحرِّكة مفتوحة" لا تنتشر إلا عن طريق محاكاة الأفراد لنموذج فردي يُعجبون به وينجذبون نحوه. ومعنى هذا أنَّ الأخلاق الإنسانيَّة تقوم على الاستجابة لنداء البطل. هكذا فالأخلاق المفتوحة تنتشر عن طريق "النَّموذج الحي" الذي يقدِّمه لنا البطل، والبطل في عرف برجسون هو من تلك "الصَّفوة المختارة" التي تحقِّق للحياة حركتها الصَّاعدة، بل ينسب برجسون إليهم قدرة خاصة على الإحساس بانفعالات جديدة لا عهد للناس بها من قبل، والانفعال هنا لا يعني مجرّد تأثير وجداني أو مجرد اضطراب نفسي عارض، بل هو أقرب ما يكون إلى ثورة نفسية عميقة وزلزال باطني عنيف، وهذا الانفعال كثيراً ما يكون مصحوباً بحركة فكريَّة خصبة أو إلهام عقلي ممتاز. والواقع إن الخلق أو الإبداع (la creation) إن هو في أصله إلا مجرد انفعال (emotion)، والانفعال هنا مزيج من الحساسية واليقظة الفكريَّة والإلهام الروحي والحدس الصُّوفي. طبعاً هذا الانفعال لابد أن يتبلور على شكل "تصوُّر عقلي" (representation)، لكي لا يلبث أن يتحوَّل إلى "مذهب"(Doctrine).

وهنا يطرح برجسون التَّساؤل أنَّه كيف يتسنَّى للأبطال الذين يتحدَّث عمهم أن يوجِّهوا تاريخ الإنسانيَّة، أو أن يضعوا دعائم ومداميك هذه الأخلاق الديناميكيَّة "المفتوحة". ويأتي جوابه عن طريق "التَّجربة الصوفيَّة"، ذلك أن المتصوِّفة الحقيقين ليفتحون قلوبهم لموجة علويَّة أو مد إلهي يستولي على صميم وجودهم وهم وإن كانوا كبيري الثِّقة في أنفسهم، ذلك أنهم يشعرون أنهم يطوون في ذواتهم شيئاً أسمى منهم يؤدي إلى فتح قلوبهم لمحبة الإنسانيَّة قاطبة .

وكما فرَّق برجسون بين ضربين مختلفين من الأخلاق: "أخلاق مغلقة" و"أخلاق مفتوحة"، نراه يفرق بين ضربين من الدِّين "دين ساكن" أو "إستاتيكي" (religion statique)، و"دين متحرك" أو "ديناميكي" (religion gynamique )، وهو يذهب إلى أنَّنا لو استعرضنا شتى الديانات لوجدنا أنها لا تخلو من مظاهر انحراف وتناقض ولا أخلاقية (immoralisme). وكلما كان الدين بدائياً غاشماً، كانت المكانة المادية التي يشغلها في حياة معتنقيه أعظم وأشمل. الدين الساكن هو الدين الطبيعي الذي يُمكن اعتباره مجرَّد رد فعل تقوم به الطبيعة ضد ما يجيء مع استعمال العقل من أثر مرهق deprimant للفرد، ومفكك dissolvent للجماعة. فالديانة الستاتيكيَّة تحمل الفرد على التشبُّث بالحياة (رغم إدراكه العقلي لحقيقة الموت)، وهي التي تدفعه إلى الإخلاص للجماعة (على الرغم من نزوعه العقلي نحو التفرُّد). أمَّا إذا نظرنا إلى الدِّين المتحرِّك (أو الديانة الديناميكيَّة) فإننا سنجد أنفسنا بإزاء تجربة روحيَّة منبعها الحدس لا الغريزة، وغايتها الاتصال بالله لا التشبُّث بالمجتمع، ووسيلتها الانفصال عن كل شيء ولا التَّمسك بأهداب الحياة. والدِّين المتحرِّك إنَّما هو ذلك "الدِّين" الذي نلقاه لدى المتصوِّفة). من هنا أهميَّة أن يركِّز الحطاب التَّربوي المسيحي العام على سِيَر القدِّسين الذين هم أشخاص يُلهموننا في عيش حقيقة الإيمان، سواءً عن طريق الكتب المطبوعة أو عن طريق الأفلام الوثائقيَّة... الخ.

إنَّ وعينا لهذا المناخ الثَّقافي العام له دور كبير في أن نسكب الخطاب التَّربوي المسيحي العام برؤية تعكس شموليَّة وكونيَّة وعالميَّة المسيحيَّة كرسالة سماويَّة ديناميكيَّة خلاَّقة قادرة على التَّغلغل في البنى الثقافيَّة المتنوِّعة لتمسحنها وتعمِّدها. لذلك فبقدر ما تكون هذه ذات علاقة رحميَّة مع الينابيع الروحيَّة وبقدر ما تكون هذه المناهج مشبعة بروحانيَّة الشَّرق بقدر ما سيكون المسيحيَّة الدَّور الرِّيادي في هذا المناخ الثقافي العالمي الذي لم يستطع الفلاسفة حتى الآن في تحديد هويته.

إن اللاَّهوت الشَّرقي لم يفصل أبداً التصوُّف عن الثيولوجيا، لم يميِّز بين العيش الشخصي للأسرار الإلهيَّة وعقيدة الكنيسة، وبمعنى آخر، فإن اللاَّهوت الشَّرقي لم يعرف طلاقاً بين الثيولوجيا والروحانيَّة، فالتَّجربة الصوفيَّة في المسيحيَّة إنَّما هي مضمون الإيمان معاشاً ومختبراً. وقد عبَّر لاهوتي أرثوذكسي كبير في القرن الماضي وهو فيلاريت، مطران موسكو، عن هذا الموقف بقوله: "ما من سر من أسرار حكمة الله الخفيَّة، ينبغي أن يبدو لنا غريباً أو متسامياً بالكلية بل علينا، بكل تواضع، أن نكيِّّف ذهننا على تأمُّل الإلهيَّات. بالتَّالي لا يجب أن نعقلن السِّر، وننـزله إلى مستوى إدراكنا، بل على العكس يجب أن نكيِّف ذهننا على التَّأمل بالإلهيَّات، وذلك عن طريق تغيير جذري وعميق في ذهننا يجعلنا أهل للخبرة الصوفيَّة مع الألوهة. وهذه الخبرة تعتري نفساً جرحها سهم العشق الإلهي فكشفت عن إشراقات النِّعمة. لذلك لطالما ما ارتبطت الصوفيَّة بالعشق الإلهي، وهي سمة مشتركة بين كل الأديان. هذه الصوفيَّة جعلت يوحنَّا الدِّمشقي يقول: "أهل البراري يتطايرون بالعشق الإلهي"، ورابعة العدويَّة تغازل الله خليلها في قصائدها كالمحبوب، فكانت أول من تكلَّم عن العشق الإلهي في الإسلام، وابن عربي يُطلق صرخته الشهيرة "الحب ديني وإيماني". إنها الصوفيَّة التي تتلاشى فيها الأبعاد الثَّلاثة ويتفتَّت ويضمحل فيها الزَّمن. هذا المفهوم في المسيحيَّة سيبتعد أي تحديد حلولي (pantheism) بين الله والإنسان المتألِّه، ذلك أن لكل منهما وجوده وكينونته وجوهره الذَّاتي، والاتِّحاد لا يعني انصهاراً وذوباناً في بحر الجوهر الإلهي، ذلك أن العلاقة الصوفيَّة في المسيحيَّة هي علاقة: "أنا –أنت". من هذا المنطلق نفهم الرؤية الشرقيَّة للإنسان على أساس أنها أنطولوجيا أو كينونة التألُّه. ولقد عبَّر التُّراث الرُّوحي عن تلك العلاقة الروحيَّة بين العالمين الإلهي والإنساني، حيث تُحيل الإنسان من كون صغير (microcosmos)، على حسب قول القدِّيس غريغوريوس النِّيصصي، إلى ذلك الكون الكبير (macrocosmos)، ذلك أنَّه لا يضم فقط العناصر الكونيَّة فقط، لكنَّه يدمج بذاته الطَّبيعة الانسانيَّة الشَّاملة في انفتاحها (ex-stasis) على الألوهة في حركة دائمة من تجاوز الذَّات، تُحيله إلى كائن لا حصري، فيزداد بالنِّعمة ليصل إلى ملئ قامة المسيح، ويستحيل إلهاً مصغَّراً (microstheos)، على حسب قول القدِّيس غريغوريوس النِّيصصي). وهذه النقطة في غاية الأهميَّة بالنسبة لخطابنا التربوي المسيحي العام، فالبشريَّة اليوم، وبسبب من سيادة النَّـزعة الاستهلاكيِّة، تعيش حالة من المجاعة الروحيَّة، لذلك من الضروري أن نُبرز الطَّابع المستيكي لروحانيِّة الشَّرق أمام النَّماذج الوافدة لمجتمعاتنا، والتي تطرحها الروحانيَّات الأخرى، مؤكِّدين على أنَّها روحانيِّة شخصانيَّة.

وتجدر الإشارة إلى أن اللاَّهوت يعبر عن حقيقة معلنة، وهذه الحقيقية بحد ذاتها سر، لذلك فالإنسان كما يقول فويتوس الكبير "يواجه سر اللاَّهوت"، واللاَّهوت هو خبرة عميقة مع الله حسب قول غريغوريوس النيصصي: "الكائن المساهِم-أي الله- يحول إلى ما كان عليه بالطبيعة الكاهن المساهم". إذ ذاك تغدو هذه الخبرة صرخات تنبعث من قلوب قد احترقت بالعشق ، تلهج وراء محبوبها في صلاة مستديمة "إن كنتَ لاهوتياً تصلِّي، وإن كنت تصلِّي فأنت لاهوتي" على حسب قول إيغاغريوس . فالثِّيولوجي هو مَن عاين الله، وليس من استظهر الكتاب المقدس وجمع تعاليم الفلاسفة، هو موسى يصعد إلى جبل الرؤيا معايناً النُّور الذي لا يعروه ظلام. اللاَّهوت يتسامى عن كونه معرفة عقلانيَّة بحته، إنَّه معراج للارتقاء إلى قمم القداسة وملاقاة الألوهة والتَّماهي معها. والجدير بالذِّكر أنَّ جوهر الصراعات العقائدية التي خاضتها الكنيسة هي أن تصون إمكانية بلوغ ملء الاتحاد الصوفي. بالفعل فقد حاربت الكنيسة الأريوسيين وأكدت عقيدة الثالوث ذي الجوهر الواحد، لأن الكلمة هو الذي يفتح أمامنا الطريق نحو الاتحاد بالألوهة، فلو لم يكن الكلمة المتسجد ذا جوهر واحد مع الآب، ولو لم يكن هو الإله الحقيقي لكان تألهنا مستحيلاً. وهكذا أدانت الكنيسة النسطوريِّين والأبوليناريِّين والمونوفيزيتيِّين... فكل تاريخ العقيدة المسيحية يتطور حول النواة الصوفية ذاتها، فالعقائد اللاهوتية التي صيغت أثناء هذه الصراعات يمكن أن تُبحث في ارتباطها المباشر بالغاية الحيوية التي ينبغي أن تساعد على بلوغها، عنيت الإتحاد بالله، إذ ذاك تظهر هذه العقائد وكأنها أساس الروحانية المسيحية.

 

لذلك أمكننا القول بان اللاهوت هو تصوف، والحياة الصوفية هي لاهوت بكل معنى الكلمة، ولعل ذلك يتجلى من خلال احتفاظ الكنيسة الشرقية بلقب لاهوتي بنوع خاص لثلاثة كتّاب كنسيين، هم القديس يوحنا، أكثر الإنجيليين الأربعة تصوفاً والقديس غريغوريوس النزيزي الذي يُعتبر ناظم الأشعار التأملية بامتياز، وثالثهم القديس سمعان الملقب باللاهوت الجديد وهو منشد الاتحاد بالله. ومن خلالهم نجد الصوفية بالمطلق هي قمة اللاهوت أي معينة الثالوث القدوس. وخلاصة لكل ما سبق الصوفية هي كمال كل لاهوت وقمته، هي لاهوت بامتياز. من هنا ضرورة أن تتشبَّع رؤيتنا التربوية بهذا اللاَّهوت الصُّوفي. وليس ذلك فقط بل أن يكون غاية هذا الخطاب هي أن يرتقي بالشَّخص الذي يخاطبه إلى هذا المبتغى.

لذلك فإعادة النَّظر في هذه الخطاب لهو مرتبط بالشَّهادة المسيحيَّة في العالم اليوم. فالأمر يتطلَّب رؤية تربويَّة متكاملة تواكب الإنسان في مختلف مراحل حياته، رؤية تغرس فيه القيم المسيحيَّة، مميِّزة بين الثَّوابت والمتغيِّرات، بين الجَّوهري والعرضي، رؤية تؤكِّد على الدَّور الدِّيناميكي للإنسان كعنصر جوهري وفاعل في التَّاريخ البشري، في أن يُعد الأرض الأعراس السماء.

لذلك تبرز ضرورة فلترة المسيحيَّة من كل ما يحوِّلها إلى "دين ثابت" أو "أيديولوجيا"، آخذين بعين الاعتبار أنَّ للمسيحيَّة،ككل دين، لها تجربتها في معارج التَّاريخ كـ"دين ثابت" كما و كـ"دين متحرِّك"، وهذا لا يتعلَّق بجوهر المسيحيَّة كطريقة عيش لمعاينة الثَّالوث، بل مرتبط بالمسيحيِّين الذين حاولوا عيش هذه الطَّريقة على أرض الواقع. ويزخر تاريخ المسيحيَّة بالآباء الذين مهَّدوا للَّقاء الثَّقافي بين المسيحيَّة وباقي الحضارات أمثال القديس الفيلسوف يوستينوس في حديثه عن الحقيقة المبذورة، وكذلك الأمر هناك الآباء الذين رفضوا أي لقاء بين أورشليم وأثينا أمثال القديس ترتليانوس، وهذا ما سيتَّضح معنا لاحقاً.

نحن اليوم بحاجة إلى الحوار الحضاري مع الثَّقافات المختلفة سواءً في الغرب أم الشَّرق. لذلك وجب علينا نحن المسيحيين أن نعمل وقفة مع الذات (introspection)، نستنهض فيها أقوال الأباء ونعيد خلقها بنفس الرُّوح والجوهر، لكن بلغة العصر، لتفعل فيه وتؤِّثر في اتِّجاهاته، بالتَّالي نمسحن العالم، أي نستخدم أدوات العام لنحافظ على الحضرة المسيحيَّة في العالم. إنَّ هذه العمليَّة تشبه الحفر الأركيولوجي في الأعماق أو التَّحليل النَّفسي للذَّات التراثيَّة الجمعيَّة المسيحيَّة، والاحتكام للأباء ليس من باب التَّرف الفكري، بل لأنَّهم مشكاة الأنوار للتَّمييز بين الوهم والحقيقة.

 

الشماس أنطوان إبراهيم

18/7/2009                                                                                                                                             

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا