رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

القدّيس سلوان الآثوسي

1866 – 1938

ترجمة الأخت سلام سيدة

وُلد سمعان ايفانوفيتش أنطونوف عام 1866، في مقاطعة تمبوف في قرية تشوفسك (روسيا). والده فلاّح فقير ككل الفلاحين الروس وعائلته كثيرة العدد، زوجة، خمسة صبيان وبنتان، يعيشون معاً بمحبة وتفاهم كبيرين، لا شيء يُذكر عن طفولة سمعان، كان بشكلٍ ما أميّاً، دخل مدرسة القرية موسمين دراسيين فقط ولكنّه كان متقّد الذكاء سريع الفهم وبسبب القراءات والاستماع في الكنيسة إلى الكتب المقدّسة وإلى كتابات الآباء والقديسين تقدّم كثيراً في المعرفة و مرّت السنون عادية وصار سمعان شاباً كبير القامة فياضاً بالحيويّة والعافيّة، وبسبب فتوّته وبهاء طلعته وحميّته، غرق سمعان في طيب الحياة كمثل باقي الشباب في الريف. كان ذا قوّة جسديّة هائلة، فبضربة من قبضته كان يستطيع كسر لوح خشبي سميك جدا، ويحمل أثقالاً ضخمة بعد زحزحتها. وكانت عنده طاقة تحمّل الحّر الشديد والبرد القارس، فبكفّيه العاريتين كان بمقدوره أن يحمل قدراً يغلي من الحساء من الفرن إلى المائدة. كما كان بإمكانه الأكل كثيراً والعمل كثيراً أيضاً. ففي إحدى المرّات عرضت عليه أمه أن يأكل البيض فلم يرفض وأكل وحده طبقاً فيه خمسون بيضة. وبعد ظهر أحد الأيام بينما كان سمعان يتمشّى على الطريق الممتدّة عبر القرية مع رفيق له وهو يعزف على الأكورديون التقيا أخوان هما اسكافيا القرية، كان الأكبر ضخماً شديد البأس وكان جذلاً من الشرب وأراد افتعال مشاجرة وإظهار تفوّقه على سمعان، وقد خبرّنا عن الحادثة قائلاً: (للحظة ما فكّرت بالتسليم له، لكن فجأة شعرت بالخزي، كيف أنّ كل صبايا القرية سيهزأنّ بي، فضربته بقبضتي على صدره، فوقع بعيداً عنّي على ظهره، وتدّفق الدم من فمه زبداً. ذعرَ الكل وأنا معهم، ففكرت: أنّي قتلته. وقفت مسمّراً ورماني الأخ الأصغر بحجر فأصابني في ظهري وعندما اقتربت منه لاذَ بالفرار. بقي الاسكافي ممدّداً طويلاً على الأرض، اهتمّ به الناس وغسّلوه بالماء البارد. وبعد ما يقارب النصف ساعة تمكّن من النهوض فحملوه إلى منزله. ظلّ الشاب مريضاً ما يقارب الشهرين ولحسن الحظ بقي على قيد الحياة. أمّا أنا فلقد اضطررت أن أبقىَ حذراً مدّة طويلة، إذ كان إخوة الاسكافي ورفاقه يترصدونني كلّ مساء، مسلّحين بالهراوات والسكاكين في زواريب القرية لكي يقتلوني، لكنّ الله حفظني).  إنّ هذه القوّة البدنيّة هي التي سمحت له فيما بعد بأن يتمّ أعمالاً نسكيّة عديدة وخارقة.  

 كانوا يحبّونه  في القرية لدماثة أخلاقه ولهناء معشره وفرحه. وكانت الفتيات يتطلّعن إليه كنصيب صالح لهنّ، أمّا سمعان فتعلّق بواحدة منهنّ وقبل أن يطرح موضوع الزواج كان له معها تجربة، ذات ليلة. في الغداة سأله أبوه بتؤدة: يا بنَي، أينَ كنتَ ليل البارحة؟ لقد انوجعَ قلبي عليك. اخترقت هذه الكلمات العذبة روح سمعان. وإذ كان يتذكّرها فيما بعد كان يقول: «لم أصِل بعد إلى ملء قامة أبي الّذي كان أميّاَ بالكلية. حتّى عندما كان يصلّي الصلاة الربيّة، التي حفظها بحكم سماعها في الكنيسة، كان يتلعثم ببعض الألفاظ، بل يقولها بدون انتظام. لكنّه كان إنسانا مملوءاً رقةً وحكمةً». وفيما بعد عندما سُئل لماذا لم يتزوج هذه الفتاة التي عرفها، أجاب: «عندما تقتُ إلى الحياة الرهبانية صلّيت إلى الله كثيراً لكي يحقّق لي هذا الطلب بسلام، فرتب الله كل شيء. فحين ذهبتُ إلى خدمتي العسكرية، مرّ بقريتنا تاجر قمح ليشتري الحنطة، فلمحَ هذه الفتاة ترقص في حلقة مع رفيقتها ورأى كم هي بهيّة الطلعة وفرحة وذات صوت جميل، فطلب يدها للزواج، فتزوّجا وكانت حياتهما سعيدة ورُزقا بأطفال كثيرين».

هكذا، وفي صخب شبابه، وحياته اللامبالية، ظلّل النداء الإلهي روح سمعان وقاده باتجاه الحياة الرهبانية النسكية. والله الذي كان قد اختاره أرسلَ إليه الرؤيا التالية:

يوماً ما، وبعد أن أمضى زمناً في حياة التهاون والدنس، وبينما كان سمعان في غفوة، انسلّت حيّة ودخلت فاه وإلى أعماق جسده، فأحسّ بقرفٍ فظيع وصحا. في تلك اللحظة سمع صوتاً قائلاً له: «إذا كنتَ وأنتَ تبتلع حيّة في الحلم، تشمئّز نفسك، فأنا أيضاً أشمئّز منكَ ولا أحب أن أرى أفعالك».

لم يرَ سمعان أحداً، لكنّه سمع فقط الصوت المتلّفظ بهذه الكلمات. وكانت حلاوته ورقتّه عجيبة و خارقة. لكن وبرغم عذوبة ذلك الصوت كان وقعه فاعلاً ومؤثراً بل مقلقاً لنفسه، كان هذا الصوت للعذراء مريم. وحتى آخر يوم من حياته بقي سمعان يقدّم الشكر لوالدة الإله لأنّها لم تحتقره ولا ازدرت به، بل ارتضت أن تأتيه زائرة وتكشف له سقطته. وقال: «تخيّلوا أنّ والدة الإله أتت من السموات لترشدني أنا الشاب الغارق في الخطايا وتقودني فيما عليَّ أن أفعل».

لعبَ هذا النداء دوراً فاصلاً في اختياره للطريق الذي كان عليه اتباعه. وأحسّ سمعان بخزي عميق بسبب ماضيه، فبدأ بالتوبة الحارّة أمام الله، وأحدثَ هذا فيه تغييراً عميقاَ في موقفه من كل ما عاشه في حياته. وظهر هذا التغيير لا في أفعاله وتصرفاته الخاصة فحسب، بل في أحاديثه وحواراته مع الآخرين أيضاً.  

أكملَ سمعان خدمته العسكرية في بطرسبرج في وحدة مهندسي الحرس الإمبراطوري بإيمان حي وروح توبة عميق ولم يتوقف للحظة عن ذكر الله. كان جندياً واعياً ذا شخصية مسالمة وتصرّف مثالي لا غبار عليه. كان الكل يكنّون له احتراماً عميقاً ولقد وجد فيه رفاقه الصديق المخلص الحلو المعشر. وظهرت أفعال وآثار نصائحه على كل مَن حوله.

أنهىَ سمعان  خدمته العسكرية وقبل إطلاق سراحه انطلق إلى زيارة الأب يوحنا كرونشتادت (1829- 1908) لأخذ بركته وطلب صلواته وإذ لم يجده ترك له الرسالة التالية: «يا أبتي، أريد أن أصير راهباً. صلِّ حتى لا يمسكني العالم فيؤخرني». عاد سمعان إلى عائلته، لكنّه لم يبقَ معهم إلاّ أسبوعاً واحداً ففي داخله كانت نار تحثه على عدم التباطؤ والإسراع، وودّع الجميع وتوّجه إلى جبل آثوس. وصل سمعان إلى الجبل المقدّس في خريف 1892 ودخل دير القديس الشهيد بندلايمون. وهكذا بدأت بالنسبة له حياة جديدة في النسك الرهباني. تعرّف الأخ سمعان الحياة الروحيّة بواسطة التقليد الآثوسي العائد إلى سنين طويلة والمترافق أبداً بذكر الله الدائم وذلك في الصلوات الانفراديّة في القلاية، في ساعات الخدم الكنسيّة الطويلة، في القراءات، في العمل اليدوي وفي الطاعة. كان صبوراً، رقيقاً مطيعاً. كانوا يحبونه في الدير ويقدّرونه بسبب دقة عمله وأخلاقه الحسنة وتصرّفاته وكان كلّ ذلك يحسن في عين رؤسائه. الهجمات والعذابات والضربات الشيطانية لم تتركه   وكثيراً ما تغلّب عليه اليأس والهلع من الجحيم إلى درجة متناهية فغرقت روحه في ظلمات قلق رهيب. لقد آلمت الخطيئة قلبه وعذّبته بشكل غير محمول، كان يظنّ أنّ الله يحاكم البشر، وأنّ الذين اقترفوا الخطايا ولم يتوبوا بعد سيذهبون إلى العذابات الأبدية، وبالمقابل فالذين أتمّوا الخير والأعمال الحسنة، بسبب وصايا المسيح سيرثون ملكوت السموات. هذا ما ولّد في نفسه خوفاً من أن يكون ملعوناً بسبب خطاياه الكبيرة الفظيعة التي أثقلت ضميره ومن المؤكد أنّ هذا الإحساس الكبير والعميق بالخطيئة هو عطية من النعمة الإلهية لذلك كانت توبته حادّة ومخلوطة بالدموع لدرجة أنّه لم يكن يتخلّى عن البكاء والنوح حتى يحسّ بأنّ الله غفر له. لم يكن يتوق فقط إلى المسامحة العادية التي يمنحها الله ببساطة للبشر، حتى بعد منحه التوبة والندم، بل كان يتابع ويطلب المغفرة والعفو كاملاً عن خطاياه إلى أن يحس في نفسه وبشكل «واضح» بحضرة النعمة. كان يطلب من الله القدرة كي لا يعود ويقع في الخطيئة ذاتها و يرجو الله أن يخلو من «ناموس الخطيئة» (رو23:7) الساكن فينا. كان يحس بقوة وبألم آثار الخطيئة - وذلك بفقدان النعمة- ويجزع من تكرار هذه الظاهرة مرة أخرى معه. كان إحساسه بالحرمان من الحب الإلهي ومن سلام المسيح أسوأ من أي شيء آخر. إنّ وعيه لإغضاب الله كان لا يُحتمل، وكان يعاني أعمق الآلام الروحيّة، تلك الآلام التي هي خاصية ضمير مَن قد أخطأ ضد محبة المسيح القدّوسة.

كان الحدث الأكثر أهمية في حياته هو ظهور السيد المسيح له، ظهر«السيد» للراهب المبتدئ في ملء كيانه، في الجسد، وملأ سمعان بالنار وبنعمة الروح القدس، لقد رأى المسيح حيّاً، ونوراً إلهياً عظيماً أضاءه فنقله من هذا العالم وغبّطه بالروح في السماء، فسمع كلمات لا يُنطق بها. في تلك اللحظة «وُلد مجدّداً من العُلى». إنّ نظرة المسيح العذبة المشعة بالفرح والغامرة كل شيء والكلية الطيبة، اجتذبت سمعان بكليته. ثمّ غابت الرؤيا، لكنّ عذوبة الحب الإلهي نقلت روحه إلى تأمل للإلهيات يفوق كل منظر من هذا العالم.

لبس الأخ سمعان الاسكيم الصغير عام 1896 والاسكيم الكبير عام 1911 وصار اسمه الراهب سلوان. خدم بالطاعة في المطحنة أولاً، ثم عمل أميناً للصندوق في دير روسيكون القديم.

تعلّم شيئاً فشيئاً عيش الصراع الروحي على مستويات رفيعة جداً، وذلك بالمثابرة الدؤوب في نُسكٍ، ظهر وكأنّه من المستحيل عيشه بالنسبة لغالبية البشر. كان يتعلّم كيفية الرضوخ والتسليم الكامل - أو ما يقارب الكامل- لمشيئة الله: كان زاهداً في الطعام الذي يتناول، لم يكن يهتّم بتاتاً لهيأته أو لمظهره الخارجي أو لجسده. ثيابه كانت خشنة مثل ثياب الرهبان العمّال الآخرين. كان ضابطاً لكلماته ولأحاديثه ولحركات جسده، ينام جالساً على مقعد منخفض جداً لمدة ساعة ونصف إلى ساعتين كل أربع وعشرين ساعة. كان يمضي أوقاتاً طويلة في الصلاة الهدوئية وفي صلاة يسوع التي هي الأصعب من كل صلاة أخرى. ركزَّ الراهب سلوان كل قواه لكي يقتني تواضع المسيح. وإذ فعل كذلك انتقل بحسّه وفهمه إلى استقصاء خبرات الآباء وحياتهم ولاحظ أنّ معرفة الطريق التي توصل إلى الحياة الأبدية كانت منذ أول الأزمنة معروفة وحيّة في الكنيسة، وتنتقل بفعل الروح القدس المُتوارث من جيل إلى جيل وعبر الأجيال.

إنّ الروح القدس إذ علّم الراهب سلوان حب المسيح، أعطاه فرصة لكي يحيا ويخبر هذا الحب حقيقة، وأن يأخذ في ذاته حياة كل البشرية. إنّ صلاته المتواترة والمشدودة حتى الأخير والمرافقة بهطل من الدموع لأجل العالم كلّه، قرّبته ووحدّته برباطات قوية مع آدم الكوني وصار بالنسبة إليه، وهو الذي خبر قيامة نفسه، أن يرى في كل إنسان أخاً له وحتى الأبد. كان يصلّي من أجل كلّ البشر، من اجل الأصدقاء والأعداء، من أجل الأحياء والأموات، كان يصلّي من أجل الكون كلّه، «كلّ الناس أخطا ويعوزهم مجد الله حتى يخلصوا» (رو 3: 23).

«إنّ السيد يحب جميع البشر ويشفق عليهم»، هذا ما كان يقوله الراهب سلوان. لم يكن يكتفي بهذا القول فقط، بل وإذ كان ممتلئاً من روح المسيح، فهو أيضاً كان يحب ويرحم الجميع، كان يعيش آلام البشر حوله وفي العالم أجمع، لذلك لم يكن لصلاته نهاية.

في الدير كثير من الرهبان أحبّوا الراهب سلوان بسبب هدوئه وطمأنينته، وبسبب عذوبته ووعيه الذي لا يتعب. الأمر الغريب أنّ حياته غير الاعتيادية بقيت غير معروفة من الأكثرين، خلال نصف قرن، ولم ينتبهوا لقداسته إلاّ بعد موته.

توفيّ المغبوط الستاريتز سلوان راهب بالاسكيم الكبير بين الواحدة والثانية من صباح ليل الرابع والعشرين من شهر أيلول علم 1938. كان واعياً ومالكاً جميع قدراته وقواه حتى آخر اللحظات، لم يسمع احد زفراته الأخيرة فقد رحل بهدوء ورقّة بعد أن اقتبل القربان المقدس من الأب سرجيوس معرّفه والذي قرأ عليه «قانون والدة الإله العذراء مريم» وهو قانون الشفاعة قبل مغادرة الروح الجسد والذي نسميه «صلاة الاحتضار».

ترك لنا الراهب سلوان أقوال وكلمات في شتّى المواضيع والأفكار، في الحب الإلهي، التواضع، الصلاة النقية، النعمة، التوبة...

فبشفاعاته أيها الرب الإله ارحمنا وخلّصنا، آمـــــــين.

تسابيح للقديس سلوان:

أيها الأب البار سلوانس، بما أنكَ حملتَ على كتفيك نير المسيح، تبعته على الجبل المقدّس، مُنهكاً جسدك بالجهادات النسكية، وحافظاً الصلاة في أعماق قلبك، فيا فخر النسّاك، وبهجة كل الرهبان إنّنا نسبّحك ونعظّمك في الإيمان.

أيها الأب القديس سلوان الآثوسي، صرتَ شجرة باسقة مزروعة في غابة الرهبان الرحبة في الجبل المقدّس لكنك تنحني تحت نفحة الروح القدس المالئ حياتك بالمعرفة وبحب المسيح إلهك. فتشفّع إليه أن يمنح نفوسنا نعمة روحه المشعّة والرحمة للذين يسبحونك.  

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا