رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

دَيريْ القديس جاورجيوس والشيروبيم - صيدنايا - ......................جديد الموقع: صفحة نشاطات الدير - آب :رياضة روحية مدارس الأحد الأرثوذكسية  فرقة القديس يوسف الدمشقي(فرع جديدة عرطوز) ...........................صفحة صوت الديرين: حديث الأسبوع 8 آب :أنا في فكر الله(الأرشمندريت يوحنا التلي)................... صفجة صوت الراعي: عظة لصاحب الغبطة من كتاب "الكنيسة هي أنتم".....................صفحة  صنارة روحية: صدى أسرار قلب (الأخت ماريا)...........................صفحة سؤال وجواب: من هي مريم المجدلية؟........................... صفحة ملتيميديا: قصص للأطفال (الراعي المحب).................................صفحة مساهمات القراء: موضوع للأخ شادي رزق "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل"- تأمل للأب فادي هلسة "في عيد التجلي"

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

 

في الصلاة

الصلاة هي خلق لا متناه أرفع وأرقى من أي فن أو علم، استراحة للنفس، بهجة للروح، ثمة لحظات نحس فيها بأننا على شفير الجنون والألم يدفع الصرخة " أنت أعطيتني وصيتك، أن أحب وأقبلها بكل كياني، لكن ليست فيّ قوة لهذا الحب، أنت يا من هو الحب، تعال واسكن فيّ، وافعل ما ارتضيت، لأن وصيتك تتخطى قواي، وعقلي أضعف من أن يفهمك. روحي لا تقوى على سبر أسرار حياتك أتوق لصنع مشيئتك في كل شيء, لكن أيامي بتصادم وتضاد مستمرين. إني معذب بخوف خسارتك بسبب الأفكار الشريرة التي في قلبي, وهذا الخوف يصلبني. إني أغرق فيا إلهي نجني, كما نجيت بطرس الذي اجترأ أن يأتيك ماشيا على المياه".

 تحتل الصلاة لدى المؤمن الجهد الأكبر من حياته لأنها تجعله في صلة مع الله مصدر حياته وهدفها إنه لأساسي وحيوي أن نستمر في الصلاة قدر ما نستطيع حتى تدخل فينا قوة الله التي لا تقهر وتمكننا من درء كل تأثير هدام وفي استزادة هذه القوة فينا يأتينا فرح الرجاء بالغلبة الأخيرة,.إن الصلاة الحق التي تتحدنا بالعلي ليست إلا نورا" واقتدارا" ينزل علينا من السماء. وهي تسمو في جوهرها على واقع وجودنا.

 إن هذا العالم ليست له في ذاته طاقة على الصلاة لذلك فإن الصراع لأجل الصلاة ليس بسهل. فالروح تتقلب متموجة. مرة تجري فينا كنهر دفاق, ومرات يجف القلب. لكن الخفوت في قوة صلاتنا يجب أن يكون على أقصر ما يمكن. فحياتنا الأرضية ليست بالحقيقة إلا لحظة قصيرة معطاة من قبل الأب الحنون حتى ندرك بها "حب المسيح المفرغ ذاته الذي يتخطى كل معرفة وإدراك حتى نمتلئ بكل ملء الله.

 إن استمرارية صلاتنا تعني إخبارنا الله بحالتنا المزرية: نخبره عن ضعفنا وقنوطنا, عن شكوكنا ومخاوفنا, عن سوداويتنا ويأسنا أي بالاختصار عن كل ما هو مرتبط بحالنا. نطرح كل شيء خارجا" بدون التفتيش عن التعبير عنه بتنميق أو حتى باطراد منطقي.وغالبا" ما يتحول بنا هذا الاتجاه صوب الإله إلى بداية الصلاة كشركة معه.

  وإن كان الحديث مع الله بتواضع، بإحساس النفس عميق، بإحساس بخطيئتها عندئذٍ لا تكون الصلاة عبئًا على الإنسان بل تريحه.

 الصلاة متَّصلة بالإيمان القويم، بالأعمال الصالحة وبأعمال الرحمة. ترتبط أيضًا بقراءة الكتاب كما ذكرنا، بالسهر وبالصوم ونظام الطعام، إلى حدّ تستطيع فيها النفس أن تقول مع نشيد الأناشيد "لقد جرح قلبي بالعشق الإلهي ".

يحدثنا إنجيل الوحي عن الصلاة بأنها علاقة فردية بين المؤمن والله فهي علاقة شخصية تربط الفرد المؤمن بربه. لذلك فهي ليست شيئاً يُفاخَرُ به أمام الناس لأن الصلاة علاقة مع الله وليست علاقة مع الناس ، وهو سبحانه الفاحص القلوب والعالِم بالنيّات . أما الناس لو رأوا إنسانا يصلّي لا يرون إلا الظاهر ، لذلك تظاهر الإنسان بصلاته أمام الناس يُحذِّرُ منه الإنجيل ، لأن التظاهر بالصلاة أو الصوم يعمّم الرياء ويكثر من النفاق في الأمة، ويَحْرِفُ المصلي عن جوهر الصلاة للاهتمام بمظاهرها الخارجية وكسب مديح الناس . لذلك يقول المسيح القدوس في عظته على الجبل المدونة في إنجيل متى الإصحاح الخامس الكلمات التالية :

"ومتى صليت فلا تكن كالمرائين . فإنهم يحبّون أن يصلّوا قائمين في المجامع وفي زوايا الشوارع لكي يظهروا للناس الحق أقول لكم أنهم قد استوفوا أجرهم. و أما أنت فمتى صلّيت فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية ". ثم يقول:" وحينما تصلّون لا تكرروا الكلام باطلاً كالأمم، فإنهم يظنون أنه بكثرة كلامهم يستجاب لهم. فلا تتشبهوا بهم، لأن أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه "   

فمن كلمات المسيح هذه عن الصلاة نتعلم أن الصلاة ليست تمثيلية يقوم بها المصلّي أمام الناس لكي ينال مديحهم. كما نتعلّم أيضاً أن لا لزوم للتكرار المستمر لكلمات أو جمل يرددها البعض أثناء صلاتهم وكأنَّ في تكرارها استجابة أفضل . فالله يسمع ويرى ويعرف احتياجاتنا قبل أن نسأله ، ومع ذلك فهو ينصحنا بالصلاة وعرض احتياجاتنا لدى جلاله لأن في ذلك عبادة . وفيه اعترافٌ بسلطان وقدرة المولى على تسديد احتياجاتنا التي نعرضها عليه .

الصلاة المسيحية صلاة بسيطة، وهي ليست صلاة تقليدية يرددها المصلّي بغرض تأدية فرض مفروضٍ عليه، بل الصلاة المسيحية تقوم على إحساسٍ قلبي، دافعها علاقة حبيِّة مع الله. ففي صلاته يتحدث المصلّي مع ربه كما يتحدث الحبيب مع حبيبه، ولذلك تأتي كلمات الصلاة من إنشاء ذاتي عفويّ تحكمها ظروف المصلّي وأحواله ومشاعره  ومن أهم الأمور في حياتك الشخصية أن تصلي من اجل الذين أغاظوك فتذكر أسماءهم ليزول عنك وعنهم الحقد. ومن أهم الأمور أيضا أن تستغفر ربك حتى لا تظل الخطيئة معششة فيك. لا تنم قبل أن تستغفر فقد لا تستيقظ عند الصباح. وحتى لا تبقى مجرد سائل كأنك مركّز على الأنا، فاشكر لله ما أعطاك، وإذا سرت في الحب الإلهي فسبح ربك تسبيحا طيبا فيه كل الفرح فتحس عند ذاك انك عشير الرب وأليفه وكأنك صرت عنده كما الملائكة عنده يجب على المرء أن يطوب كل من خدموا الله وأن يتمثل بهم لسببين: أولاً : لأنهم وضعوا كل رجاء خلاصهم في الصلوات المقدسة.

ثانياً: لأنهم حفظوا ما كتبوه في التسابيح والعبادات التي قدموها لله برعده وفرح نقالين لنا بذلك كنوزهم الروحية هذه جاذبين كل الأجيال التالية إلي غيرتهم المقدسة.

فمن الطبيعي أن ينتقل سلوك المعلمين لمن يعلمونهم وأيضاً من الطبيعي أن يتشبه المتعلمون بسلوك المعلمين وفضائلهم حتى نحيا في صلاه وعبادة لله وتفكير دائم في إرادته فالحياة والغنى والسعادة هي أن نصلي لله بنفس نقيه غير دنسه فكما أن الشمس هي نور لعيني الجسد، هكذا الصلاة هي نور للنفس فإن كانت تعتبر خسارة فادحة ألا يرى الأعمى الشمس فكم بالحري تكون الخسارة عندما لا يصلى المسيحي دائماً أو لا يقدس نفسه بنور المسيح بواسطة الصلاة؟!.

كيف لا يندهش ويعجب الإنسان لهذه المحبة التي أظهرها الله لنا مانحاً إيانا كرامة كبيرة حتى جعلنا مستحقين أن نصلي إليه ونتحدث معه.  آخذين طبيعة الملائكة وبهذا يتضح أننا نختلف كثيراً عن الحيوانات غير العاقلة.

 يستطيع الإنسان أن يتحدث عن أمور كثيرة قديماً وحديثاً لو أراد أن يعدد أولئك الذين أنقذتهم الصلاة وربما أن شخصاً ما المتهاونين الذين لا يقدمون صلواتهم باهتمام وحرص ويستند إلي كلام الرب: " ليس كل من يقول لي يارب يارب يدخل ملكوت السموات، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات" ( مت 7: 21 ).

فلو كنت أقول أن الصلاة وحدها تكفي لخلاصنا لكان من الممكن قبول هذا الاعتراض لكني أقول إن الصلاة هي باب الخيرات أساس ومنبع الحياة الفاضلة إذن لا يستطيع أحد أن يبرر تهاونه بهذا المفهوم الخاطئ فلا العفة وحددها تستطيع أن تخلص بدون باقي الفضائل ولا رعاية الفقراء وحدها لكن يجب أن تجتمع الفضائل كلها معاً داخل النفس وتكون الصلاة هي أساس ومنبع الفضائل كلها. وكما أنه يلزم لتثبيت المنزل أن يكون أساسا قوياً هكذا فإن الصلاة تشدد حياتنا وتقوينا لهذا فإن القديس بولس يوصي بالصلاة ك حين" واظبوا على الصلاة ساهرين فيها بالشكر" ( كو4: 2 ).

وفي موضع آخر يقول " صلوا بلا انقطاع أشكروا في كل شيء لأنه هذه مشيئة الله في المسيح يسوع من جهتكم" ( تس 5: 17-18 ) وفي موضع آخر يقول" مصلين بكل صلاة وطلبة كل وقتِ في الروح وساهرين لهذا بعينه بكل مواظبة وطلبة... " ( أف 6 : 18 ). هكذا يدعونا عميد الرسل بكلام متنوع إلى الصلاة.

إذن ووفقاً لهذا التعليم المقدم من الرسول بولس يجب علينا أن نكمل مسيرة حياتنا بالصلاة وبهذه الصلاة المستمرة نسد عطش إنساننا الداخلي لأننا جميعاً متعطشون للارتواء ليس أقل من إجتياج الأشجار للمياه. فكما أن الأشجار لا تستطيع أن تثمر إن لم ترتو من جذورها هكذا نحن لا نستطيع أن نقدم الثمر كثير الثمن الذي للتقوى، إن لم نقوم بالصلاة لهذا يجب أن نستيقظ ونبدأ صلواتنا لله مبكرين مع كل شروق للشمس وأن نصلي لله كل حين.

الصلاة القلبية

إنّها رفع الفكر والقلب إلى الله للمدح والشكر والتضرّع إليه من أجل الأمور الضروريّة للنفس والجسد. جوهر الصلاة إذاً هو الصعود العقلي إلى الله في القلب. يقف الفكر في القلب بشكل واعٍ أمام وجه الله وممتلئاً بالوقار المناسب والضروري فيبدأ بسكب القلب أمامه. هذه هي صلاة القلب. وهذا ما يجب أن ينطبق على كل الصلوات. قراءة الصلوات، سواء في البيت أم في الكنيسة، تعطينا فقط الكلمات والشكل. كل إنسان يحمل في داخل نفسه، في قلبه وفي فكره، نفس الصلاة أو جوهرها. كل ترتيب الصلوات في كنيستنا، وكل الصلوات الموضوعة للممارسة في البيت، تُقام بفكر متجه إلى الله. في القيام بهذه الصلوات، حتّى مع الحد الأدنى من الانتباه، لا يستطيع المرء تحاشي هذه الشركة العقلية مع الله، إلاّ إذا كان فاقد الوعي كلياً لما يقوم به. لا أحد يُوَفَّق إلى إنجاز أي شيء من غير صلاة القلب. نحن لا نقدر على الصعود إلى الله إلاّ من خلال الصلاة القلبيّة، لأن طبيعتنا الروحيّة تطلب ذلك. ونحن لا نستطيع أن نُتِّم هذا الأمر إلاّ من خلال العقل، لأن الله عقل. صحيح، هناك صلاة فكريّة يُنطَق بها، نقوم بها في الكنيسة أو في البيت. لكن هناك أيضاً صلاة عقلية ليس لها شكل خارجي ولا شرط منظور. جوهر هذه وتلك هو نفسه. كلا الصلاتين ضرورية أيضاً للعائشين في العالم. لقد أوصى المخلّص: "أدخل إلى مخدعِك وصَلِّ هناك إلى أبيك في السر". هذا المخدع، بحسب تفسير القديس ديمتري روستوف، يعني القلب. بالتالي وصية الرب تجبرنا على الصلاة إلى الله سريّاً، بفكر القلب. هذه الوصية تعني كل المسيحيين. ما الذي يوصي به الرسول بولس عندما يقول بوجوب أن نصلي بلا انقطاع بكل الصلوات والتضرعات في الروح (أفسس 18:6)؟ إنّه يدعونا إلى صلاة القلب، الصلاة الروحيّة، ويوجّه دعوته إلى كل المسيحيين بدون تمييز. في النهاية، إنه يدعو كل المسيحيين إلى الصلاة بدون انقطاع (1 تسالونيكي 17:5). لكن الصلاة بدون انقطاع ممكنة فقط من خلال صلاة القلب. هذا يعني أن صلاة القلب ضرورية لكل المسيحيين، وإذا كانت ضرورية فلا يمكن لأحد أن يقول أنها مستحيلة، لأن الله لا يطلب المستحيل. صحيح أنها صعبة لكن من الخطأ القول باستحالتها. في النهاية، كل ما هو صالح صعب، وأكثر ما ينطبق هذا الكلام على الصلاة التي هي لنا مصدر كل خير وكل دعم ثابت.

قد يسأل البعض: كيف يتم هذا؟ ببساطة: اكتسب خوف الله. فخوف الله، كشعور، سوف يجلب الانتباه والإدراك إلى القلب، وكخوف، سوف يجبر الانتباه والإدراك على الوقوف في القلب بتوقير أمام الله. هنا الوقوف العقلي، هنا الصلاة العقلية. بقدر ما يكون خوف الله في القلب، يلازم هذا الوقوف العقلي القلبَ. هذه هي الوسيلة الفاعلة لاكتساب صلاة القلب.

لكن قد يتساءل البعض: ماذا عن النشاطات التي تَصرِف الانتباه؟ إنها لن تصرفه: فقط اكتسب خوف الله. ليست الأشياء والنشاطات مَن يشوّش على الوقوف في حضرة الله وتَذَكُّره، بل الانشغالات العقيمة. ضع جانباً كل ما هو فارغ وسيء، واترك فقط ما هو ضروري لا بحسب العالم بل بحسب الإنجيل وسوف ترى أن تحقيق هذه العهود، ليس فقط لا يصرف عن الله، بل على العكس، يوجّه العقل والقلب نحوه. عند نهوضك من النوم صباحاً، قف بورع أمام الله في قلبك، في صلاتك الصباحية، ومن ثم ابدأ عملَك الذي حدّده الرب لك، بدون أن تبتعد أحاسيسك وإدراكك عن الله. وبذلك سوف تنهي عملك بقوى نفسك وقوى جسدك، فيما أنت تقف أمام الله بفكرك وقلبك.

من الخطأ أن تفتكر، كما يفعل البعض، أن صلاة القلب تتطلب من الإنسان أن يجلس في مكان ما مختبئاً بعيداً وبهذا يعاين الله. ليس من مكان يتوارى فيه المصلّي إلاّ القلب. وبعد أن ترسخ نفسك هناك، ابحث عن الرب أمامك، وكأنه عن يمينك كما فعل الملك داود. يقولون أن الوحدة نافعة في تحقيق صلاة القلب، فكيف للعائشين في العالم أن يجدوا الوحدة وهم دائماً منشغلون بعمل ما، ودائماً يصادفون المشاكل. صحيح أن الوحدة ضرورية في وقت الصلاة القلبية. لكن هناك نوعان من الوحدة: وحدة كاملة وثابتة فيها يمضي الإنسان إلى الصحراء ويعيش وحيداً، والأخرى هي شخصية آنيّة. الأولى، بالطبع، لا تناسب العلمانيين، لكن الثانية، ليست فقط ممكنة لهم، بل هم يملكونها. كل شخص يكون لبعض الوقت خلال النهار وحيداً، حتى ولو لم يخطط عن قصد لفترة من الوحدة. ويمكنه أن يستعمل هذا الوقت لينمّي في نفسه الصلاة القلبية ويقويها ويفعّلها. بالتالي، ما من أحد يستطيع أن يعطي حجة أنه يفتقد الشروط المناسبة للصلاة القلبية. جِد هذا الوقت وانسحب إلى داخل نفسك. ضع جانباً كل همومك، قف عقلياً في قلبك أمام الله واسكب روحك قدامه.

في أي حال، إلى جانب الوحدة الخارجية وحدة داخلية. كل إنسان اختبر أنه عندما يكون في حالة من ألم القلب لسبب ما، حتى ولو وجد نفسه مع أمرح الأصحاب، فهو لا يسمع شيئاً ولا يرى شيئاً، بل على العكس يجلس وحيداً في قلبه. إذا كان هذا الأمر صحيحاً في الاهتمامات الأرضية، فلماذا لا يكون ممكناً أيضاً في الحياة الروحية؟ حين يُصاب شخص ما بألم القلب من هذه الحياة العالمية، ما الذي يمكن أن يمنعه عن إمعان النظر في هذا الألم في وحدة قلبه؟ يتبع أن الإنسان بحاجة فقط إلى أن يرسّخ هذه الوحدة الداخلية لكي يكون وحيداً، وألاّ يبقى بعيداً من هذه الوحدة. اختبر خوف الله وسوف تختبر أكثر آلام القلب سحقاً وهو سوف يبقي الانتباه والشعور عند النصيب الصالح. بهذه الطريقة سوف نأتي أمام الله، نقف قدام وجهه. هنا إذاً تكون الوحدة!

يبقى هناك أيضاً عائق آخر، إذ في مباشرة الصلاة القلبية يجب أن يكون لديكِ دليل.

أين يجد العلماني دليلاً؟ هناك، في العالم بين الآباء الروحيين وحتى بين العلمانيين. صحيح أن عدد الذين يمكن العودة إليهم بثقة للاستشارة يتناقص، لكنهم دائماً موجودون وسوف يبقون، وكل مَن يرغب بإيجادهم سوف ينجح برحمة الله.

الحياة الروحية هي حياة في الله، والله يظهر اهتماماً خاصاً بأولئك الذين يسعون إليه. فقط كون غيور وسوف تجد كل ما هو ضروري بقربك.

سواء أرادها العلمانيون أم لا، لا سبب عندهم لتجنب الصلاة القلبية. فليباشروها ويتعلّموا. دراسة الكتاب المقدس تساعد كثيرًا لهذا النوع من الصلاة لأن مطالعة الكتاب تُدخل الدفء إلى النفس وتنقل المصلي إلى أجواء روحية. يؤكد لنا الرب يسوع في الإنجيل "إن كل ما تطلبونه في الصلاة فآمنوا أنكم قد نلتموه فيكون لكم"(مر 24:11). يشهد الكتاب المقدس على مثل هذه الصلاة في حياة المسيحيّين الأولى. نقرأ في أعمال الرسل "هؤلاء كلّهم كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاةمع النساء ومريم أم يسوع ومع أخوته"(أع 1: 14). وبولس الرسول يذكّر: "مصلّين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح وساهرين لهذا بعينه بكل مواظبة وطلبة لأجل جميع القديسين"(أف 6: 18).

أيها الرب يسوع المسيح ارحمني"—هذه هي العبارة التي نرددها عادة وفي صيغتها المطوّلة نقول:

"أيها الرب يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ".

 تقوم هذه الصلاة على استدعاء الاسم، اسم يسوع، بصورة متواصلة مما يعطي الصلاة قوّتها. القوة تأتي من الاسم ومن استدعائه بصورة متواصلة. الاسم هو قلب الصلاة، يمكن لنا أن نقول "يسوع المسيح" أو نقتصر على اسم "يسوع".

 عادة نردّد الصلاة مسموعة لكن يمكننا أن نردّدها بالفكر. عندما يتعب اللسان يلتقطها الفكر وعندما يعتاد الفكر عليها ينزلها إلى القلب ليجتمع الفكر مع القلب فيصبح الإنسان كلّه يردّد الصلاة، يصلّي كيانه كله من كل قلبه وذهنه وفكره.

ما يجعل هذه الصلاة عمليّة هو أننا نستطيع أن نردّدها في كل حين وفي كل مكان، في الغرفة، في البيت، على الطريق، في المكتب وفي الكنيسة... يمكن أن نصلي ونحن ماشين، واقفين أو جالسين ولكن ليس نائمين. على المبتدئين أن يختاروا في البداية أماكن هادئة وأوقات معينة. هناك إذًا ممارسة مركزة ومبرمجة لصلاة يسوع (هذه الممارسة تدعى قانونًا مثلاً عند الرهبان) وهناك ممارسة حرّة تتم في كل وقت وفي كل مكان.

إن صلاة يسوع لها قوة كبيرة إلى حدّ أنها تفعل حتى في اللاوعي. بهذا المعنى نفهم عبارة نشيد الأناشيد "أنا نائم وقلبي مستيقظ"(نش 5: 2 ). هكذا بفضل رحمة السيّد الغزيرة يحيط اسمه بهالة من الفرح والحرارة والنور "اسمك عطر مهراق... فاجذبني"(نش 1: 3-4). لا تتعارض صلاة يسوع مع الصلوات الليتورجية مع العلم أنه في بعض الأحيان يمكن لها أن تحلّ مكان صلاة الغروب والسحر والساعات ما عدا القداس الإلهي. ميزتها أنها تبسِّط حياتنا الروحية (تجعلها بسيطة غير معقدة) وتوحدّها. كل من يصلي صلاة يسوع يتَّحد بالمسيح عن طريق الصلاة وبه وفيه يتحد بأعضاء الكنيسة الجامعة. يتجاوز الانقسامات البشرية. استدعاء اسم يسوع طريق إلى الوحدة المسيحية. "لكن تأتي ساعة وهي الآن حاضرة" يقول يسوع للسامرية (يو 4: 23). أتت الساعة لأن يسوع حاضر. "أنا هو القيامة والحياة"، يقول يسوع لمرتا في حادثة إقامة لعازر الرباعي الأيام (يو 11: 25). هي تساعدنا أيضاً أن ندخل في صلة مع أمواتنا. حياتهم الحقيقية هي في يسوع المسيح، في اسم يسوع نتصل بالقديسين "واسمه على جباههم"(رؤ 22: 4). "كل شيء يجمع في المسيح"(اف 1: 10).

الاسم يسوع كامل، حضور شامل. عدسة تستقطب نور يسوع الساطع. اسمُ الذي هو نور العالم، يساعدنا على إضرام النار في القلوب "جئت لألقي ناراً على الأرض"(لو 12: 49)، لنصبح إناءً مختارًا. فيقول لي المسيح كما لشاول "لأن هذا لي إناء مختار ليحمل اسمي" (أع 9: 15). القديس غريغوريوس بالاماس (1296 – 1359) تكلم عن النُّور غير المخلوق والتمييز بين الجوهر والقوى. كل ذلك نتيجة خبرة صلاة يسوع.

 إن صلاة يسوع في جوهرها هي أرقى أنواع الصلاة في شكلها الخارجيّ، ولكن عمليًا، بسبب عدم تمكننا من الاستمرار فيها لوقت طويل "بذهن نقيّ"، يستعين المؤمنون بـ"المسبحة". هكذا باسم يسوع المسيح يصير ممكنًا أن نغطّي كل حدث داخلي أو خارجي. وهكذا تصبح هذه الصلاة العجيبة شاملة جامعة.

إن استدعاء اسم يسوع يساعدنا على أن نركّز حول نقطة واحدة شخصيّتنا المفكّكة. فاستدعاء اسم يسوع باستمرار يساعدنا على تسليم أمرنا لله والابتعاد عن الثرثرة المتواصلة. هكذا تستطيع صلاة اسم يسوع أن تُحلّ الهدوئيَّة في القلب، وينتج من ذلك أنّ ذكر اسم يسوع يجب أن يتبع إيقاعًا معينًا ومنظمًا من أجل بلوغ الهدف المنشود. ويجب أن يكون هذا الذكر مستمرًّا من دون انقطاع قدر المستطاع، فبعض العناصر الخارجيَّة كمسبحة الصوف والتحكّم بحركة التنفّس، تساعد على تحقيق هذا الإيقاع المنتظم. ثمّ خلال تلاوة الصلاة، يجب أن يكون الفكر خاليًا من كلّ تخيّل عقليّ.

ليست قضية صلاة يسوع في تاريخها بل في ممارستها، فهي لم تزل حيّة خاصة في الشرق المسيحي. هي وديعة من تراثنا المقدّس، كنز ثمين لا يقدّر. كل مصلّ يمكنه أن يعتاد عليها أن يستفيد من ثمارها. حسبنا أن نقرع باب رحمة الله. سيفتح لنا المسيح الإله. إن أحببناه كثيرًا أعطانا كثيرًا فلنقل إليه بحماس. هو يعطينا وصياه الخلاصية، وممّا قاله لنا في ما يختص بالصلاة باسم يسوع: "مهما سألتم باسمي فذلك أفعله ليتمجد الآب بالابن إن سألتم شيئاً باسمي فإني أفعله"(يو 14: 13-14) و"الحق الحق أقول لكم إن كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم. إلى الآن لم تطلبوا شيئاً باسمي. أُطلبوا تأخذوا ليكون فرحكم كاملاً"(يو 16: 23-24).

  صديقة الدير الأخت ربا منصور

25- 5- 2009

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا