|
|
المرشد
أتى المسيح مرة واحدة إلى العالم وعندها استقبله يوحنا المعمدان, ولكنه آتٍ مرةً ثانية ليدين العالم فمن هؤلاء الذين سيستقبلونه....؟ إذا طرح كل واحدٍ منّا على نفسه هذا السؤال سيعرف تماماً ما معنى الإرشاد. المرشد بمعناه الشائع هو: الذي يدل على الطريق, وبمعنى أخر هو المبشر, هو السابق الذي يهيئ لمجيء المسيح. هو الذي يعمل في الخفية في عالم الظلمة لينشر النور فيه. وظيفته إزالة اللامبالاة والكسل من النفوس وحثها على التوبة, وظيفته إزالة الغشاوة الموجودة على القلوب والضمير... وظيفته توضيح وتهيئة الطريق أمام الآخرين نحو الرب. يجب أن نفهم جيداً أن المرشد المحدد زمنياً إرشاده ليس بمرشد. الإرشاد ليس بموقع يؤخذ بل حالة تعاش, إن اسمنا هو حركة الشبيبة الأرثوذكسية, ومعنى حركة هو الامتلاء من الروح القدس. اسمحوا لي هنا أن أورد قصة توضح جلياً ما أقصد: "ذهب أحد الآباء المعروفين بآباء البرية الأب سيرابيون الصيدوني, وهو أحد آباء البرية في مصر في القرن الرابع, ذهب حاجاً إلى روما. وكان قد سمع عن معتزلة تعيش في غرفة صغيرة لا تغادرها أبداً, بدا متحفظاً تجاه اعتزالها وهو الذي اعتاد أن يجول دائماً فقرر أن يزورها, وسألها: (ماذا تفعلين وأنت جالسة هنا) فأجابته: (إنني لست جالسة بل سائرة على الطريق). (إنني لست جالسة بل سائرة على الطريق)...على كل مرشد أن يتبنى هذا الكلام. ليست المسيحية كلاماً وأوامر, بل عملاً وحياة. الحركة وجدت لتحرك الإنسان الداخلي إلى التوبة والجماعة نحو المسيح. يقول سيدنا جورج خضر: (الحركة قلق للساكنين) السيد المسيح لا يهتم بالمسافة المقطوعة بل بالجهد المبذول ... يضيف سيدنا جورج خضر: (الله لا ينظر إذا ما جمعنا الغلة في آخر الموسم لكن ينظر إذا تقاطرت من جبيننا قطرات من العرق, ولعله يسأل هل تقاطرت من هذا الجبين قطرات من الدم...). مطلوبٌ من كل حركي أن يكون ذاك الشاهد الذي يدل الآخرين على المسيح كما فعل يوحنا المعمدان, حتى أنه طلب من تلاميذه أن يلحقوه بالمخلص, فشهد للمسيح ولم يشهد لذاته. يقول القديس سيرافيم ساروف: (حيث لا يوجد تعب لا يوجد خلاص) و يضيف تيتوكوليندر: (الراحة هي التقهقر إلى الوراء) إذا أردنا أن نتحدث عن المرشد كشخص أو بمعنى أخر مواصفات المرشد علينا أن نعرف جيداً أن بداية المرشد ونهايته هي التواضع, إن المرشد مسؤول عن أولاده فلذلك يجب أن يكون مسؤولاً عن نفسه أولاً ويجب أن يكون قدوةً في كل شيء, أن يكون قدوة في الكلام لأن الكلام الجيد يترك أثره العظيم في قلوب سامعيه, سواء في وقته أو لسنين عديدة. وخير مثالٍ على ذلك هو كلام أبيجايل ( زوجة نابال ) المملوءة رقة وإتضاعاً, وكيف كان لكلماتها فاعليتها العجيبة في تهدئة قلب داود الغاضب من سوء تصرف زوجها الأحمق ووضعت حداً لمشكلة خطيرة في الأسرة ولما مات نابال أحبها داود وتزوجها, وقد امتدح القديسون فضيلة الصمت في أوقات معينة يحتاج الوضع فيها للسكوت. قال القديس بيمن: (الكلام من أجل الله جيد, والسكوت من أجل الله جيد) وعليه أن يكون قدوة في الأعمال الصالحة, يقول أحد القديسين: (قل حسناً وأفعل أحسن) لهذا ينبغي أن يكون المرشد صورة حقيقية للمسيح في كلماته المباركة وفي معاملته مع الخطأ وفي محبته العملية ورحمته اللانهائية سواءً مع الأقرباء والأعداء. لاشك أن أعمال المرشد مرآة واضحة لإيمانه الحقيقي أمام غير المؤمنين فقد قال الرسول يعقوب: (أرني إيمانك لأريك بأعمالي إيماني) وليتنا نقدم المسيح للناس مع سلوك طيب وعمل صالح يليق بنا كأولاده. كما أن عليه أن يكون قدوة في السلوك الإيجابي اتصف المسيحيون الأوائل بصفات جميلة كالمحبة والتواضع والرحمة والاحتمال والقداسة, وظهرت فضائلهم في سلوكهم العملي والمثالي أمام الوثنيين وهكذا لم تنتشر المسيحية بالعنف وإنما بالحب واللطف لجميع الناس, وخاصة الأشرار منهم, طبعاً لقول الرسول بولس: (اسلكوا كما يحق للدعوة التي دعيتم بها بكل تواضع ووداعة وبطول أناة). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: (إن المسيحي هدفه أن يكون رسالة المسيح المقروءة من كل الناس و رائحته الذكية التي تجذبهم نحو المسيح) إن فرحنا نحن المرشدين يتم حينما نرشد الآخرين إلى المخلص, فرحنا عندما يفارقنا تلاميذنا أو الأحرى بي أن أقول أخوتنا ليلتحقوا بالمسيح لأننا لا نريد أن تتعلق نفوسهم بنا بل بالرب يسوع (يجب أن ينمو هو ولي أن أنقص), فرحنا يأتي عندما نؤكد مع يوحنا المعمدان (الذي يأتي بعدي هو أعظم مني). في النهاية يجب أن أعرف من أنا يارب: أنا مرسل, شاهد, صوت, حركي, أنا سابق ثانٍ للمجيء الثاني للمسيح, لا أريد أن أحيا في العالم إلا لأجلك, سبب وجودي هو أن أبشر بك وعندها أصرخ مع يوحنا الإنجيلي: (تعال أيها الرب يسوع). آمين. صديق الموقع الأخ ميشيل عبود 10-1-2009 |
|