|
|
كيف نتقدَّس في هذا العالم؟ "وكلّم الربّ موسى قائلاً كلّم بني إسرائيل وقلْ لهم تكونون قدّيسين لأنّي قدّوس الربُّ الهكم. 3تَهَابُونَ كُلُّ إِنْسَانٍ أُمَّهُ وَأَبَاهُ، وَتَحْفَظُونَ سُبُوتِي. أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ. 4لاَ تَلْتَفِتُوا إِلَى الأَوْثَانِ، وَآلِهَةً مَسْبُوكَةً لاَ تَصْنَعُوا لأَنْفُسِكُمْ. أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ." (لاويين 19: 1-4؛ انظر أيضًا: لا 11: 44، 20: 7، 26؛ 1بط 1: 16) هذه الوصيّة نجدها في منتصف أسفار الشريعة، التوراة، في العهد القديم. القداسة هي دعوة كلّ مؤمن بالإله الحقيقيّ، بالإله الحيّ. هذه الدعوة إلى القداسة، ليست خيارًا للمؤمن بالربّ المخلّص، بل هي أمر إلهيّ. هي أمر الله إلينا أن نماثله. يقول: "تكونون قدّيسين لأنّي قدّوس الربُّ الهكم". نحن مدعوون لأن نكون مثل الله. هذا ليس كلامًا غير واقعيّ لأنّه كلام الله، والله لا يكذب والله ليس بظالم. إنطلاقًا من هذه الآيات التي قرأنا، نلاحظ بأنّ طريق القداسة، في العهد القديم، بدؤه احترام الوالدين وطاعتهما. المهابة للأم والأب هي بذات المستوى، لا بل نرى تشديدًا على مكانة الأم إذ يذكرها قبل الأب، وهذا أمر مهمّ جدًّا في ذلك الزمن إذ الرجل كان هو الأهم والمرأة لم تكن تحظى بنفس الأهميّة، بل كانت تعتبر أدنى، لذلك فهنا أمر فائق الأهميّة في ما يتعلّق بمكانة المرأة في الكتاب المقدَّس وبالتالي بما يختصّ بنظرة الكتاب إلى الإنسان. ما يطلبه الله كنتيجة للقداسة في حياة الإنسان وكطريق إلى القداسة هو بسيط كما يظهر في الآيات التي قرأنا. الطريق هو أن تكرّم والديك، وأن تحفظ ناموس الله، وأن تعبد الله وحده، وأن لا تصنع لك آلهة بحسب أهوائك وشهواتك لتعبدها. ظاهريًّا، كلّنا ملتزمون هذا الطريق، فنحن نكرّم والدينا ونحفظ شريعة الله، التي يظنّ معظم الناس، بشكل تبسيطي، أنها الوصايا العشرة (على أهميّتها)، ولا أحد منّا يعبد أوثانًا. هذا كلام تبسيطيّ غير واقعيّ. معظمنا لا يزال يعيش كأنه ما زال في العهد العتيق وكأنّ المسيح لم يأتِ وكأنَّ ابن الله لم يتجسّد. نحن لا نستطيع أن أن نلتزم بالشريعة التي من العهد القديم، ومع ذلك ندَّعي أننا مسيحيّون. لهذا نرى ونظنّ بأنّ القداسة ليست دعوة كلّ إنسان، فنعتقد بأنّ القدّيسين هم أناس خارقون وأنّنا لسنا مضطرين لنسلك مثلهم إذ لا داعي أن نصير قدّيسين. لكنّ الكتاب يبكِّتنا إذ نرى أنّ الدعوة إلى التمثّل بقداسة الله هي جوهر الإيمان بالله منذ العهد القديم، فلا يستطيع من يزعم الإيمان أن يرفض هذه الدعوة. من لا يتقدَّس لا مكان له مع الله. لأنّ شعب الله هو "أمّة مقدَّسة" (ابط 2: 9) كما يقول الكتاب. من هنا وجب عينا أن نتأمّل في ما هو مطلوب من المؤمن ليتقدَّس في هذا العالم الساقط. ليست القضيّة قضيّة واجبات وفرائض وأحكام، بل هي قضيّة محبّة الله وطاعة له لأنّنا نحبُّه. هذا هو منطق الكتاب المقدَّس. ففي العهد القديم يقول: " اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. 5فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ. 6وَلْتَكُنْ هذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ عَلَى قَلْبِكَ، 7وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ، وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ، وَحِينَ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُ وَحِينَ تَقُومُ، 8وَارْبُطْهَا عَلاَمَةً عَلَى يَدِكَ، وَلْتَكُنْ عَصَائِبَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ، 9وَاكْتُبْهَا عَلَى قَوَائِمِ أَبْوَابِ بَيْتِكَ وَعَلَى أَبْوَابِكَ." (تث 6: 4 - 9) هذا في بدء كلامه على الشريعة في العهد القديم وفي حثّه على ضرورة طاعة الشريعة والغاية من هذا الأمر الذي هو " َلِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ. 3فَاسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ وَاحْتَرِزْ لِتَعْمَلَ، لِكَيْ يَكُونَ لَكَ خَيْرٌ وَتَكْثُرَ جِدًّا، كَمَا كَلَّمَكَ الرَّبُّ إِلهُ آبَائِكَ فِي أَرْضٍ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلاً." (تث 6: 2–3) إذًا، الربّ يريد للإنسان أن تطول أيّامه في الخير ويسكن في أرض خصبة حيث كلّ ما يفرح القلب يوجد. جوهر الشريعة كما يكشفها العهد القديم أيضًا هو الرحمة إذ يقول: "أريد رحمة لا ذبيحة ومعرفة الله أكثر من محرقات" (هو 6: 6، أنظر أيضًا: مت 9: 13 و12: 7). هل يستطيع الإنسان أن يعيش هذا الكلام؟ هل يمكن لبشر أن يطبّق كلّ الوصايا؟ الجواب هو نعم. لذلك، لا عُذر لنا. ستقولون لي من هو الإنسان الذي طبّق كلّ هذا وتقدَّس؟ أقول لكم أنّ ابن الله هو هذا الشخص. ستجيبون لكنّه ابن الله، وهو إله، أمّا نحن فبشر خطأة. فأجيبكم إنّ ما تقولونه صحيح جدًّا، لكن لهذا السبب بالذات يستطيع كلّ بشر إذا ما آمن به أن يعيش هذا الكلام ويتقدَّس. لماذا؟ لأنّ ابن الله باتخاذه طبيعتنا الساقطة الضعيفة استطاع بطاعته الكاملة لله حتى موت الصليب (أنظر في 2: 5–11) أن يغلب الخطيئة التي، كما نقول في العاميّة، "عَشَّقِتْ" فينا، وهي كلمة معبِّرة جدًّا، وذلك لأننا عشقنا الخطيئة، إذ الخطيئة حلوة المنظر ولذيذة الطعم، ولكن فقط في لحظات تنفيذها، أمّا بعد ذلك فهي مرّة مرارة العلقم وبشعة بشاعة الجيفة المدوَّدة. ابن الله المتجسِّد، يسوع المسيح، أعطانا طريق القداسة بسيرته، هو الذي أرشدنا ودلّنا، بشكل واضح وصريح، إلى دعوتنا كبشر، التي هي أن نصل إلى كمال الله: "كونوا أنتم كاملين كما أنّ أباكم الذي في السماوات هو كامل." (مت 5: 48) لذلك، أقول لكم: "أتريدون أن تصيروا كاملين؟ أتريدون أن تصيروا قدّيسين؟ أتريدون أن تصيروا أبناء الله؟" بناءً على جوابكم على هذه الأسئلة تتوقّف حياتكم ومعناها ومضمونها. إذا أردتم ذلك، فاسمعوا، إذًا، كيف يجب أن تسلكوا بتدقيق وبشكل بسيط ومحدَّد.
خلاصة، يمكننا أن نقول بأن الله خلقنا لنصير مثله قدّيسين. لكن الإنسان انحرف عن طريق القداسة لمّا انطوى على ذاته، لأنّ القداسة هي هذا التوق إلى الله وإلى التشبّه به. لما سقط الإسنان وعده الله بالخلاص. الخلاص تحقٌَّ لمّا تجسَّد ابن الله فصار يسوع باكورة ونموذج مسحاء الله، لا بل صار هو ممسوح الله الوحيد، "قدّوس الله" الذي فيه وبه وعلى مثاله خُلق الإنسان ليكون. القداسة هي معنى وجودنا، من فاته هذا المعنى فاتته حياته. كلّ بشر مدعوّ إلى دخول طريق الفرح والإكتمال هذا. بقدر ما نصير بشرًا على صورة يسوع المسيح بقدر ما نصير قدّيسين. هذا قد أُعطي لمن قبل يسوع ربًّا وملكًا على حياته يوم لبس المسيح في المعموديّة وسكن فيه روح الله القدّوس. أن نكون قدّيسين يعني أن نبقى في جدّة الحياة التي أتى بها يسوع، يعني أن نبقى شبابًا إلى الأبد. لذلك، فالشباب هم أكثر من يقدر أن يفهم دعوة القداسة، وهم أكثر من له القدرة على اختبارها، كونهم إذا أحبّوا بذلوا الغالي والرخيص للمحبوب. ومن له أذنان للسمع فليسمع. الأرشمندريت أنطون الصوري مسؤول الشبيبة، وكاهن في مطرانية طرابلس للروم الأرثوذكس 4-11-2008 |
|