|
|
لا تخافوا .... أنا معكم
صادقة هي الكلمة، ومستحقة منا كل استماع وانتباه وقبول ووعي، وكيف لا تكون صادقة وقائلها والناطق بها هو معلمنا ومخلصنا يسوع المسيح. ففي بعض جلساتنا مع ذاتنا تلك التي نقضيها في هنيهات الليل ألا يخطر في بالنا أن نتساءل بعض الأسئلة بصدق وشفافية بأنه إلى أي مدى نعمل بثقة على رجاء كلمة "أنا معكم". والى أي حد من اليقين قد وصلنا عندما تتناهى إلى أسماعنا كلمات ربنا وهو يقول:" ها أنا معكم كل الأيام والى انقضاء الدهر". إن النموذج القائم للمجتمع المسيحي في وقتنا الحاضر اقرب ما يكون إلى الاسم فقط، فنحن قد تغربنا كثيرا، وبعدنا يزداد يوم بعد يوم ، فليس المهم الأول هو أن نرى الكنائس مليئة في أيام الآحاد والجمعة والأعياد السيّدية، فالمهم هو مستوى (الوعي) الديني الذي نمتلكه في القرن الواحد والعشرين الذي أصبحنا فيه اقرب إلى العلمانية منه إلى المسيحية والذي باتت فيه بعض الممارسات الاجتماعية تلصق بالفكر المسيحي . إن امتلاكنا للوعي وللمعرفة الدينية كفيل بان يغير نظرتنا للعديد من الأمور التي تصلنا ونحن بدورنا نوصلها لبعضنا وهي خاطئة كلياً والتي غالبا ًما تكون عن كنيستنا المقدسة. وهذا الأمر هو احد أهم الموضوعات التي يجب الابتعاد عنها ألا وهو لوم الآخر دوما وإظهار أنفسنا بالصورة الأمثل، فالعامل الأول هو نبذ مثل هذه التصرفات والانطلاق من وذاتنا كما يعلمنا يسوع الرب " أنزع الخشبة التي في عينك، لكي تستطيع أن تنزع القشة التي في عين أخيك". وواحدة أيضا من الأمور الجديدة، والدخيلة على آذاننا والتي تكثر في الآونة الأخيرة هي بعض المصطلحات المتداولة بين جيل الناشئة والشباب، كمثل (إن إيماننا المسيحي صعب جدا)- (أين هو الله ولماذا إن كان يحبني يجربني)- (إن كان الله موجودا حقا فليظهر لي لؤمن به)- (لست استطيع فعل أمر ما ولا استطيع أن اضبط نفسي عن ممارسة أمر آخر سواه). وغير هذا العديد من الشتائم والكفر والتجديف. إننا عندما نسمع هكذا كلمات وقبل أن نحزن ونغضب، أول ما يحضرنا هو كلمة – لماذا؟! وما هي العوامل التي أوصلتنا إلى هنا. والرد هو (إهمالنا، وعدم إدراكنا لأهمية مصيرنا الروحي). فبولس الرسول ومنذ القرن الأول الميلادي، كتب وكأنه حاضر في يومنا هذا ليقول لأهل رومية " لأني لست افعل الصالح الذي أريده بل الشر الذي لست أريده فإياه افعل، فإن كنت ما لست أريده إياه افعل فلست بعد أفعله أنا، بل الخطيئة الساكنة فيّ". إن بولس الإلهي لم يقل تلك الكلمات ليعطينا حجة تتعذر بها بل القصد والغاية منه هو أن نطهر أنفسنا من تلك الخطايا الساكنة فينا لكي نستطيع أن نتحرر وأن نعود لأصل طبيعتنا التي تريد وتفعل الصلاح, لكن ما هي الخطيئة تلك التي يتوجب علينا إخراجها واقتلاعها؟ هي ضعف الثقة والأمل المسمى باللغة الروحية الرجاء الذي هو بهذا المعنى أكبر وأعظم بالمجمل وأيضا ضعف الإيمان، الإيمان الداخلي الذي بعمقنا والذي أيضاً نترجمه بأفعالنا، والتزامنا وغيرتنا على البحث والتأكد والتقدم والاطلاع والمعرفة التي ترسخ ليس الإيمان الذي يتمثل بوشم صليب على أيدينا، وضرب شاب أزعج حياء واحدة من فتياتنا في حدود حارتنا وانتمائنا الديني. وليس الإيمان بالوقوف بعد انتهاء القداس ساعة في ساحة الكنيسة والانزعاج من طول وقت القداس الإلهي الذي أصبح لا يتجاوز الساعة، وحين نسأل تتعذر بضيق وقتنا، نعم لدينا بعد الصلاة وليس لدينا وقت لنحضرها. هذا الضعف واختلاق الأعذار سببه بعدنا وعدم معرفة الكنز الشريف الذي بحوزتنا والتراث المتروك بين أيدينا والأمانة الموضوعة في أعناقنا كحاملين للاسم المسيحي. فإن بولس الرسول الإناء الحاوي كل حكمة، بكل بساطة وعمق استطاع أن يعّرف الإيمان بقوله: "أما الإيمان فهو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى" عبر11-1. هذا النمط من الإيمان الذي نراه في العديد من آبائنا وأجدادنا الذين نعتبرهم قصصاً حية وقريبة جدا منّا، الذين منهم نتعلم الكثير ونرى حقيقة الفعل الإيماني، والإيمان الفعلي مما جرى معهم من أعاجيب نتداولها (وليس من سير مضى عليها مئات السنين) على حد تعبير البعض. وهناك في الآية أيضا نقطة هامة هي "الإيقان بأمور لا ترى" وهذا الموضوع محط نقاش وجدل كبير بوقتنا الحالي إذ يقول العديد من جيل الشباب المسمى بالعلماني بأن عصر الله قد انتهى وأنه لم تعد تجرى تلك الأعاجيب والآيات التي كنا نسمع عنها ونقرأها في الكتب المقدسة وسير القديسين، وإننا حتى نؤمن نريد أن نرى شيئاً حياً وملموساً لنتمسك به وانه إن كان يحبنا حقاً لإظهر ذاته لنا موجوداً كما فعل منذ القديم، والكثير من ألفاظ وأقوال تدق عنق الحياء، وتعبر عن إفلاس شديد وعري داخلي نحاول أن نغطيه بمثل تلك الكلمات، تلك المحاولات الفاشلة لإلصاق التهمة بالرب وتبرئة أنفسنا. وهو محتمل لنا بكل صبر وأناة، هو الذي كان منذ البدء وحتى اليوم إن نظرنا وتتبعنا بإمعان تسلسل المراحل التاريخية لنا معه نجد أننا نحن نخطئ ونتعدى ونبتعد عنه وهو يصالحنا واليه يعيدنا ويحاول ضمنا وبأحضانه يجلسنا، وفي كل مرة وكلما ازداد الحنان والعطف، كانت آثامنا تزداد وذنوبنا تتعالى. فان حالنا يشبه تعبر بولس العظيم بقوله: "حيث ازدادت الخطيئة هناك كثرة النعمة جداً". لان قولنا إن الله يتركنا، يستحق التصويب والتصحيح إذ علينا أن نقول من عمق القلب، سامحنا يا رب إذ كثيراً نحن ما تركناك وابتعدنا عنك. وان كان صحيحاً انه يهجرنا وإننا نحن المحبين فهذا يدفعنا من غيرة المحب أن نركض نحن وراءه باحثين عنه، وان نسأل وان نقرع وان نجهد لنجده، حتى عندما نجده نصرخ هاتفين: ليس المهم أين نكون لكن المهم أن نكون معك يا الله، حيث أنت كائن معنا إلى الأزل. لأننا حين نجده نعرف حق المعرفة أننا نحن الذين ابتعدنا وهو لم يتركنا وحيدين أبدا، مستقين العبرة من القديس خريستوفورس عندما قال ليسوع: (هاهو علام وقع قدمي على الأرض وأنا في الشدة وحدي ولا تبدوا بجانبها آثار قدميك فيجيبه يسوع بالحقيقة هذه ليست آثار قدميك بل آثار قدميّ أنا في شدتك حين كنت أحملك بين يدي). إن الله السيد العالم مكنونات القلوب والكلى إذ كان يعلم انه بيوم سيكون لنا شبه هذه الأسئلة رد مسبقا على لسان قديسيه مجيب بأقوال لبولس المعظم عن أناس سبقونا بالإيمان والعمل ناطقا بجواهر إلهية: "لذلك نحن أيضا إذ لنا سحابة من الشهود هذا مقدارها محيطة بنا لنطرح عنا كل ثقل ولنحاضر بالصبر..." عبر12-1. إن هؤلاء الشهود الذين هم الآباء والأنبياء والقديسين هم مدرسة لنا خاصة إننا لم نختبر مقدار حبة خردل مما شهدوا من اضطهاد وعذاب وألم وشدة، لكنهم أحبوا واحتملوا وصبروا حتى المنتهى ليعاينوا رئيس الإيمان ومكمله يسوع المسيح وليبقوا معه إلى الأبد، لنجد أنفسنا نطالب بأمور نحن بالأساس لا نقوم بها ولا نعيشها فبأي حق نفق ونجاهر السيد الخالق بها؟. وقد سبق يسوع وأجاب الذين طلبوا منه آية: "جيل فاسق شرير يطلب آية، ولن تعطى له سوى آية يونان النبي" وبكلماته للرسول توما: "لا تكون غير مؤمن ، بل مؤمن, وطوبى لمن آمن دون أن يرى". ونحن إذ نوقن أن يسوع الناصري هو مسيح الله مخلص شعبه وانه هو هو الذي قام من بين الأموات وأقام الأموات وصلب لأجلنا لا يعود علينا أن نطلب آية آو أعجوبة أو ظهور أو براهين لإن الإنسان عندما يحصل على الكل من المعيب عليه أن يطلب الأجزاء والفروع ، منصتين لبولس الكريم إذ يقول: "الله بعدما كلم الآباء والأنبياء قديما بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الوحيد" عبر1:1-2. كلمة (في هذه الأيام)، هذه الكلمة كلما قرأناها نجد كأنها تقال الآن في ذات اللحظة فهذه الكلمة منذ أن كتبت وحتى هذا اليوم تحمل ديمومة واستمرارية غير منقطعة تخاطب كل مرحلة زمنية وكل واحد منا، وبماذا ومن (في ابنه الوحيد) الذي هو الكلمة الوحيدة التي بها يبدأ كل شيء وعندها ينتهي. والتي فيها يقول الابن لا تخافوا أنا معكم دائما ولن أترككم أبدا، لأنه لو لم يكن يحبنا لما فعل وتحمل ما تحمل من اجلنا. ونحن نحني الطرف أمامه خجلين من تبريراتنا وأعذارنا وأوراق التوت التي بها نستر عيوبنا محاولين إخفاءها عنه لكي نعود ونقول قول ربي وإلهي صادق على كل حال وأننا مهما تلوّنا وحاولنا الالتفاف على الحقيقة فإننا دائماً نجد عندك الجواب الفعلي والشعوري وأيضا الكتابي الذي من خلال العيش الحقيقي يكتشف ومن إحساسنا بالأمان حين نلتجئ لك، وحين نرى أن الذين قصدوك لم يرجعوا مرة خائبين بل علمونا أن درب الرب فرح للقاصد حقاً، فهي جميلة في أولها... رائعة في منتصفها... مريحة في آخرها، وقداسة في ملئها. إن التحدث بهذه الموضوعات وطرحها بشكل واضح ومباشر وتسليط الضوء عليها بهذا النحو ليس للملامة أو التهجم أو التعبير عن نظرة متشائمة أو سوداوية لواقع المجتمع الشبابي المسيحي، إنما هذا النمط من الصراحة هو لنتنبه والاستفاقة من غفوة لا يجب أن تطول، وهي دعوة لنا نحن جيل الشباب حملة اللواء والنير الهين والخفيف الذي على عاتقنا تقع تربية جيل جديد، لنكون واعين لدورنا الأخلاقي والنفسي والروحي لنخرج ونخرج معنا الذين حولنا والمختصين بنا في محيطنا من الصدع والشرخ الذي يحتلنا وتلك الازدواجية في علاقتنا مع الله أبينا لنكون جديرين باسم (أبناء وأخوة للعمانوئيل). وهذا لا يحصل إلا عندما نستكين وبإرادتنا للاسم الإلهي واثقين بقدرته وواضعين على الرب رجاء خلاصنا الدنيوي والأبدي... آمين. صديق الدير شادي رزق 4\10\2008 |
|