|
|
المسيح فيلسوف وطبيب
حدث أن سار الإنسانُ وفقاً لحريّةٍ معطاةٍ من الله، فما كان له إلاّ أن يعمل بموجبها. ويالسوء حظّه فها هو يصبح في أرضٍ غريبةٍ يسود فيها الخير والشّر، السعادةُ والألم، الجوعُ والبطر، الحياةُ والموت. وكلُّها مفاهيمٌ أخذ يبحث في معرفتها، لا لكونهِ توّاقاً إلى المعرفة، بل لأنّ له من الحريّةِ ما يخوّله أن يبحث في ذاتِهِ عمّا أودى به إلى مشقّة الحياة. هكذا بدأت مسيرة الإنسان مع ذاته. فكشفُها ليس في وجوده وحسب، بل في كل ما يحيط به، وما تلحظهُ عينُه، وما يجري دون أن يفهمهُ عقلُه. والأغرب من هذا أنّه دائماً كان يجد نفسَهُ كائناً مخلوقاً ضعيفاً. فيجعل نفسَهُ عبداً لكلِّ ما يجهل ويشعر نحوه بالذُّهول. ولكي يثبت هذا، نصّبَ لنفسه آلهَةً. فاليوم يعبد الشّمس وغداً يعبد القمر، اليوم يعبد الماء وغداً يعبد الأرض، اليوم يعبد حيواناً وغداً حيواناً آخر. للإله هذا حكاية، ولذلكَ حكاية أُخرى، وفي كلِّ حكايةٍ كان يكمن صراع الإنسان مع ذاتِهِ. فبالرّغم من تعدد الآلهة كان المشترك فيما بينها، الصّراع من أجل الخير والشّر، وهذا كان يحدث في داخل الإنسان بغية البقاء في الوجود. و مع الزّمن صارت هذه المعبودات خطوةً أولى لانطلاقةٍ جديدةٍ، فقد كشف الإنسان أسرار هذه الآلهة التي نصّبها عليه، وبالتالي عرف أنَّهُ خدعَ نفسَهُ بنفسِهِ، وصار أمامَ حقيقةٍ جديدةٍ تجذبهُ لمعرفةٍ أخرى، وربّما لمجهولٍ آخر وخداعٍ آخر. فصار ذا نظرةٍ أكثرَ شموليَّةٍ لا تحلّل ما هو في المحيط، بقدرِ ما تبحث بواسطةِ المحيط عمّا هو في الذّات البشريّةِ من توقٍ لمعرفةٍ حقيقيّةٍ. مضت الأوقات، وتقدّم الفكر البشري في المعرفة، نتيجةً لزيادةِ التّجربة الحياتيّة. فهنا قبيلةٌ، وهناك عشيرة، هنا قومٌ يعيشون اعتماداً على الترحال، وهناك قومٌ ثبّتوا أقدامهم في مكانٍ بدا لهم آمناً لاستقرارهم، ولحياةٍ سعيدةٍ. وهذا ولّدَ أسئلةًَ كثيرةً في نفس الإنسان. هذا بما يختلفُ عنّي؟ لِمَ يضع لنفسهِ شرائِعَ غير شرائعي؟ لِمَ يميل إلى عيشِ حياةٍ قد لا أرغب أن أعيشَها؟ وأسئلة أخرى غير هذه ولّدَت في نفسهِ فضولاً فكريّاً مختلفاً عمّا كان في بدايته مع الآلهة. فالآن صارت الأنا موجودةً في حياة الإنسان. وصار الصراع الأكبر في كيفيّة إثبات الوجود حتىّ ولو كان على حساب الآخر. فقد وعى الإنسان إلى أنّه كائنٌ اجتماعيٌّ، وأنّ صراعه في البقاء هو صراع جماعاتٍ وليس صراع أفراد. فنشأت محاولاتُ الإستقرار وصياغة قوانين تنظيم العيش الجماعي، وبدأ استقرار الشعوب، وبناء الممالك. وكنتيجةٍ لاستقرار الإنسان بدأت تظهر متطلباتٌ جديدةٌ. كالحاجة لوضعِ أسسٍ أخلاقيّةٍ تضمن الاستمراريّة في حياة الجماعة، وكيفيّة تعامل أفرادها فيما بينهم. وهكذا بدأ الفكر البشري مع ذاته، فلكي يعيش لنفسِهِ كما تريدُ نفسُهُ، يجب عليه أن يرضيَها من خلال الآخرين. فظهرت الفلسفة محاولةً الإجابة على أسئلة الإنسان التي هي وليدةُ ما في محيطه. فصارت تفسِّر ارتباطَهُ بالآلهة التي يعبدها، وعلاقته بالآخرين من جنسه، وصلته بالطبيعة وكل ما تتضمّنَهُ. وما هذه الأسئلة إلاّ لكي توجِد هذه الأسُسَ التي ستصبح فيما بعد من إحدى الروابط الأساسيّة المساعدة في تثبيت روابط المجتمع البشري. من هذا بدأ بحث الفلسفة في علاقة الإنسان بالآلهة، تلك التي تشكل المصدر الأخلاقي الوحيد في حياة الإنسان، والذي يستمدُّ منهُ أسُسَهُ الأخلاقيّة. فإذا كانت آلهتُهُ آلهة خيِّرة فسيغلب الطابع الأخلاقي الخيّر، والعكس صحيح. ومن هنا كانت آلهة الإنسان تعبيراً عن مضمون حقيقي يكمن في داخله، والذي يخاف أن يطلقَهُ معلناً إيّاهُ للآخرين. فكان يُظهِرهُ على أنّه من متطلباتِ الآلهة، الّتي تحدّد السلوكيّات البشريّة مع بعضها البعض وفقاً لمضمونها الأخلاقي. لذلك، كان تعدّد الآلهة في الشعوب القديمة وبالتالي تعدّد الروابط الأخلاقيّة بين مختلف الشعوب. ومن بين ديانات الشعوب، ديانة واحدة لم يأتِ بها الإنسان، بل أعلنها الإله الحقيقي لهُ. وهي الديانة اليهوديّة، أسمى الديانات القديمة ذات الطابع الأخلاقي الخالي من الإباحات الفكريّة. وهذه الديانة كونها ذات تشريعٍ إلهي، كان لها دوراً أساسيّاً في تقويم السلوك الإنساني. وسمت أكثر فأكثر عندما تجسّد الرّب يسوع المسيح بنفسهِ، متمّماً إيّاها كديانةٍ، ومعطياً إيّاها طابعاً مسيحانيّاً، أسمى بكثير مما هي عليه. وبما أنّ هذا الإله هو إلهٌ حقيقي، كان يعرف بعمقِ حكمتهِ كيف يجاوب على كل الأسئلة البشريّة. ليشبعَ فضولها الفكريّ، وينهضها من الأنا واضعاً إيّاها في بوتقة الإنسانيّة ككل. لتنصهِرَ معها وتُلغى حدودها، لا لكونه يريد أن يلغي حرّيتها بوجودها، بقدر ما يريد أن تعرف أنّ حريّة المعرفة لها مصدر وحيد إن عرفتهُ عرفت كيف تعيش بأسمى طرق المعيشة. فبينما كانت الفلسفة تبحث في الوجود، تجسّد هو ليجيب بأنّ كل ماهو موجود، جاء إلى الوجود بوجوده. وفي حين أنّها كانت تفتّش عن روابط أخلاقيّة اجتماعيّة بين البشر، أوضح هو بتجسّده أنّه ما من رابطٍ سواه يمكن أن يرتقي بالطبيعة الإنسانيّة إلى أرفع وأسمى علاقةٍ فيما بينها. ولمّا كانت الفلسفة حاوية في داخلها طبابَةَ الإنسانِ من أمراضٍ جسديّةٍ وفكريّةٍ، أوضح المسيح أنّه هو وحدُهُ طبيب النفوس والأجساد، وهو دواء كلِّ داء. فبتجسّد الرّب جُليت كل الحقائق التي كان الفلاسفة يبحثون عنها. فقد أوضح المسيح بأنّ الإنسان كائنٌ مخلوقٌ من العدم إلى الوجود، وأنّه مركّب من جسدٍ وروح. وأنّ العلاقة بين الجسد والروح علاقة متلازمة. فلا جسد من دون روح ولا روح من دون جسد. وأنّ أوجاع الرّوح تنعكس على الجسد، والعكس صحيح. لذلك فعلاقة الإنسان بالآخر هي علاقة جسديّة روحيّة. وانطلاقاً من هذا كانت معظم تعاليمه تتمحور حول كيفيّة شفاء الجّسد بشفاء النّفس التي بمرضها صار الجّسدُ مريضاً. فالأمراض النّفسيّة تنعكس على الجّسد بعدّة ظواهر. منها العمى، الشّلل، الجنون،...إلخ. لذلك عندما كان الرّب يسوع يشفي المرضى مثل الأعمى، المخلّع، والمجنون، كان يقول لكلّ واحدٍ مغفورة لك خطاياك. وبهذا توضيح أنّ كل ما يفعله الإنسان من سوءٍ هو نتيجة الخطيئة التي عصا بها الله. فصار بسببها عرضةً لكلِّ مرضٍ روحيٍّ وجسديٍّ، وكلِّ مشقّةٍ تتخلّل حياتَهُ. فهذه الأولويّة التي تتقدم بها الروح عن الجسد تتأتّى من أنها الرابط الذي يمكنه أن يصل الإنسان بالله، وبالتالي بتنقية الرّوح يتمكّن الإنسان من الإقتراب من الله. فما دامت الرّوح مشابة بالخطيئة، فالإنسان عرضة لكلّ مرضٍ جسدي، لأنّ روحَهُ مريضةٌ. وإن كانت الرّوح نقيّة طاهرة، فجسده سيكون معافىً. وبالتالي بإمكان هذا الإنسان أن يعرف كل ماهو بحاجة إليه. لأنّه بروحهِ النقيّة يعرف الله. ومن يعرف الله لا يعود بحاجة إلى شيء آخر، لأنّ حكمة الله ستصبح حكمة العارفينَ له، ومعرفة الله ستصبح معرفتَهم أيضاً. أي أنّ كل ما هو لله هو لهم. وبما أنّ كل ما هو في العالم من صنع الله، فإنّ أسرارَهُ ستصبح معلومةً لكل من يعملون بحسبِ بمشيئتِهِ. فلا يعودون بحاجة إلى فلسفةِ هذا العالم وحكمته، لأنّها ليست المصدر الحقيقي العارف كل ما هو في الوجود والقادر على الإجابة عن كل ما هو موجود بواسطة الوجود. بهذه التعاليم كان المسيح يعالج الإنسان. فالمشكلة بالنسبة إليه واضحة، وكذلك العلاج. ولكنّ الشفاء متوقّف على كل من يرغب به. فبمجرّد قبول الإنسان أن يطبّبَ، تصبح طبابتهُ ممكنةً، ومترتّبٌ عليه أن يأخذ دواءَهُ، وسيكون الشفاء الحتميّ، وإلاّ لن يشفى. فقبول المسيح هو قبول الطبابة، وأخذ العلاج هو تطبيق تعاليمه، وشفائه هو رجوعه عن الخطيئة. فينال بالمسيح كل ما ينقصه ليعرف كيف ينظر إلى نفسهِ لا بنفسهِ، بل بواسطة علاقته مع غيره وكل ما يمكن أن يتحسّس وجودَهُ سواءَ بالرّوح أو بالجّسد. ولمّا أعطى المسيح تعاليمه لتلاميذه وتلاميذُهُ بدورهِم إلى غيرهم، وانتشرت المسيحيّة، وصار هنا وهناك مجموعات تحرِّكُها وتقودها مبادئ هذه الديانة، الّتي لا تنظر إلى الإنسان على أنّه وسيلة للصراع من أجل البقاء، بل وسيلة للارتقاء بهِ ومعَهُ إلى أسمى أهداف الوجود، وهو الوصول إلى ملء قامة المعلّم الحقيقي الرّب يسوع. لذلك كل مجتمع، هذه هي ديانته وأينما كان في العالم، ستكون ضوابطُهُ وسلوكيّاتُهُ واحدةً وموحّدةً في كنيسة المسيح الواحدة. وفي هذه السلوكيات والضوابط نجد أسمى الضوابط والرّوابط الّتي تربط كل واحد بالآخر. فالمسيحي يتعامل مع أخيه الإنسان كإنسان خليقة الله الحقيقي، ويتجاهل كافة الأمور الأخرى سواء إن كان من دينٍ آخر أو مهما كانت صفاته، شرّيراً أم صالحاً، غنيّاً أم فقيراً. أي نظرتُه هي واحدة لكلّ ما هو في الوجود وحتىّ في الطبيعة، وهي دائماً نظرة إيجابيّة لا تتخلّلها السّلبيّة. وهذه النّظرة الّتي حرّرت الفكر البشري من القيود الدنيويّة، أطلقته نحو البحث العلمي الصّحيح، والّذي صار يبحث في كيفيّة إيجاد كل ما يساعد الإنسان في المضيِّ نحو مساعدة الآخر، ليرتقي به ومعه. فتعدّدت الفلسفات والعلوم على مختلف أنواعِها. وتعدّد استخدامها وتوزّع بين السلبي لمن يريد السّلبيّة والإيجابي لمن يريد الإيجابيّة. لأنّ الإنسان ضعيف باستخدامه حريّته، وكل ما هو موجود ممكن استخدامه لصالح الإنسان أو ضدّهُ. ففي أيّامنا هذه علومٌ كثيرةٌ، إن استخدَمَها الإنسان وفق ما طلَبَ المسيح، كان دورها خدمة الإنسانيّة، وإن استخدَمَها ضدّ تعاليمه فإنّ دورها دمار الإنسانيّة. فإن كان الإنسان يرى المسيح في الآخر ويتعامل معه كأنّه المسيح، سيؤثّر به وبسلوكه الّذي هو ردّ فعل على تعامله، وبالتالي مهما كان الإنسان سيئاً، يبقى فيه عنصر خيّر، وهذا إن فعّلناه سينمو ليملأَ كيان صاحبِهِ ويضفي على سيئاتِه الصلاح، فتضمحل أفعالُه الرّديئة، وتُجلى حقيقةُ الخير فيه. وبهذا كان دور المسيح أن يوضح للإنسان إنسانيَّتَهُ القديمة الّتي خُلق بها والّتي هي على شبهِهِ ومثاله، خالية من أيّ عيبٍ. ولا تشوبها أمراضٌ نفسيّةٌ وجسديّةُ. وهذا ما لم تستطع الفلسفة والطّب تبيانه في الإنسان، ولن تستطيع ذلك ما دامت تبحث عنهُ خارج المسيح. الأخ معتصم تقلا |
|