رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

دَيريْ القديس جاورجيوس والشيروبيم - صيدنايا .....صوم مبارك....جديد الموقع: صفحة صوت الديرين- حديث الأسبوع - أحد الغفران للأرشمندريت يوحنا التلي..............صفحة صوت الراعي: الخلاص للإنسان وللطبيعة لغبطة البطريرك إغناطيوس الرابع (الكنيسة هي أنتم)............صفحة المكتبة - عرض كتاب: الجزء الثالث - مواهب وموهوبون...................صفحة مساهمات القراء -  تأملات: موت وقيامة..................صفحة سؤال وجواب: نظرة المسيحية إلى السحر.......................صفحة إصدارات الدير: كتاب "السير مع الله"  للأرشمندريت يوحنا التلي ................ أيقونات جديدة من رسم أخوية وأصدقاء الدير .

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

حديث الأسبوع (26 شباط)

أرشيف

وعظة الأحد

 

محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

لرعية كنيسة القديسين بطرس وبولس

 حمص 19-2-2010

 

فوائد الصلاة الفردية والجماعية

 

أولاً: مقدمة: الصلاة عند يسوع والكنيسة الأولى

صلوات العهد القديم كانت مرتبطة بالأحداث التي تمر على الشعب. لذا كان مضمون صلاتهم محدداً بصلتهم بالتاريخ المقدس, عسى الله أن يتدخل من أجلهم في اللحظة الراهنة.

أما يسوع فكان يصلي كثيراً على الجبل وحده. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يخبرنا متى الإنجيلي كيف أن يسوع بعد إشباع الخمسة آلاف: "وبعد ما صرف الجموع, صعد إلى الجبل ليصلي على انفراد. وحلّ المساء وهو وحده هناك" (متى 23:14) وكان لمثل هذه الصلوات التي تقام على انفراد هدفان: الأول (الرغبة الصامتة مع الآب). والثاني (أنها تتعلق برسالة يسوع فيما يخص تربية تلاميذه). وقد ظهر هذا كله في أربع صلوات أقامها يسوع في مناسبات مختلفة، هي: 1- عندما اعتمد "وكان يصلي" (لو21:3). 2- قبل اختياره الاثنا عشر رسولاً "وذهب إلى الجبل ليصلي" (لو 12:6). 3- عند التجلي "وصعد إلى الجبل ليصلي. وبينما هو يصلي تجلّت هيئته" (لو28:9-29). 4- قبل أن يعلّم الصلاة الربانية: "وكان يُصلّي في أحد الأماكن" (لو1:11). وهذا ما يجعلنا نستخلص من كل تلك الصلوات، أن صلاته كانت السرّ الذي اجتذب به الكثيرين وقربهم إليه. لقد كانت الصلوات بمثابة عمل، أدخلت الناس في دائرة تأثيره الأقوى لاكتشاف شخصه الماسياني. فمثلاً: "وفيما كان يصلي على انفراد والتلاميذ معه, سألهم: من يقول الجموع أني أنا؟ فأجابوه... أنت مسيح الله" (لو18:9-20). إذن كانت الصلاة متعلقة بهم. فالصلاة هي من أجلهم.

ومن بعده بدأت الكنيسة من منطلق الهيكل "حيث كان الرسل يلازمونه... مسبحين الله" (لو53:24), (أع 12:5). وهكذا نجد كيف أن بطرس كان يصلي في الساعة السادسة = اليوم الساعة الثانية عشر ظهراً (أع1:3) ولهذه الصلاة ارتباط بالترتيب الطقسي. وعندما كان الرسل يصلّون كانوا "يرفعون أيديهم نحو السماء" (1تيمو8:2) وهذه الحركات كانت تستعمل في العهد القديم. وهم أيضاً كانوا "يجثون على الركبتين" أحياناً (أع14:1). وهي صلاة جماعية تقام استعداداً لعيد الخمسين. والصلاة الجماعية كانت ذائعةٌ في الكنيسة وتؤدى بكثرة، فعندما يُوقَفُ أحدهم في السجن يسرعون في الصلاة من أجله، فمثلاً عندما "صلوا لكي يفرج عن بطرس" (أع24:4-30). والأمثلة كثيرة الشواهد على صلاة بطرس الفردية "وطلب بطرس إلى جميع الحاضرين أن يخرجوا من الغرفة، وركع وصلى" (أع40:9) وأيضاً صلاة الرسول بولس الفردية: "قال الرب لحناينا: اذهب إلى الشارع المعروف بالمستقيم واسأل عن رجلٍ من طرسوس اسمه شاول، إنه يصلي هناك الآن" (أع11:9). أما سفر الرؤية فقدم لنا شهادة على صلاة الإنشاد التي كانت تؤديها الجماعة "... وجثا الشيوخ ساجدين" (رؤ6:5-14).

 

ثانياً: التلاقي بين الصلاة الفردية والصلاة الجماعية

في موضعين مختلفين من إنجيل متى وردت عبارتان تختصان بالصلاة, وتبدوان كأن الواحدة تناقض الأخرى. ففي الموعظة على الجبل علّم الرب يسوع الجموع أن يصلوا في الخفاء قائلاً لهم: "أما أنت فعندما تصلّي, فادخل غرفتك, وأغلق الباب عليك, وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء" (متى6:6). وهذا يعني هنا أن تكون الصلاة فردية. وفي هذه الصلاة يكون الإنسان في شركة مع الآب السماوي. ولكن إنجيل متى في موضع آخر وفي مناسبة أخرى، ذكر أن الرب يسوع علَّم ضرورة الصلاة الجماعية بقوله: "إذا اتفق اثنان منكم على الأرض في شيء يطلبانه فإنه يكون لهما" (متى19:18).

هذا التناقض الظاهر المتوهم يكشف عن أن الصلاة الواحدة تفرض وجود الأخرى. فعلى الإنسان أن يتعلم كيف يصلي منفرداً، حين يعرض حاجاته وضعفاته أمام الآب السماوي في حديث سري شخصي. والذين يعتادون هذه الصلاة الانفرادية يستطيعون دون سواهم أن يجتمعوا معاً, وأن يوحِّدوا طلبتهم بعضهم مع بعض. مما يقتضي القول أن الصلاة الجماعة تتطلب التدرب الانفرادي على الصلاة أولاً.

وعلى أساس هذه القاعدة, تنسكب الصلاة الفردية في إطارها الجماعي فتصبح صلاة جماعية. فإن الصلاة الفردية هي ما تجعل مصليها في جو الصلاة. بحيث لا يصلي الفرد من أجل نفسه فقط, بل أيضاً من أجل الآخرين. فهو يجثو أمام الآب السماوي الذي ليس أباً له وحده, بل هو أبونا أجمعين. فالصلاة الفردية في ذاتها يجب أن تكون جامعة شاملة. والصلاة الجماعية تقوم على واجبٍ فردي. ومسؤولية على كلِّ مسيحي لكي يساهم في حياة المصلين المشتركة.

ثلاث نقاط هناك تجمع في ما بينها توافقاً بين الصلاتين الفردية والجماعية:

1- الذهن والقلب:

فبحسب القديس ديمتري روستوف: (الصلاة هي تحول الذهن والأفكار نحو الله. أن تصلّي يعني أن تقف أمام الله بالذهن لتحدِّق به ذهنياً بدون انحراف. ولتتحدث معه بخوف ورجاء وقورين). والآباء يقولون إن في الإنسان ثلاثة عناصر هي (الجسد والنفس والروح)، كما يقول القديس ثيوفان في هذا النص: (الجسد مصنوع من التراب ومع ذلك فهو ليس شيئاً ميتاً, وإنما حياً, وقد وُهب نفساً حية، وفي هذه النفس تتنفس روح هي روح الله).

إن لكلٍّ من الجسد والنفس والروح طريقته الخاصة في المعرفة: فالجسد عبر حواسه الخمس. والنفس عبر التفكير العامل. والروح عبر الضمير.

ويضاف إلى الثلاثة المذكورة عنصر وهو (القلب). ولا نقصد به المشاعر والعواطف، بل ننظر إليه من الناحية الروحية على أنه مركز الحياة, والمبدأ المقرر لكل فعالياتنا وتطلعاتنا. القلب مكان لروح الإنسان. هنا في القلب العميق يصبح الإنسان وجهاً لوجه مع الله. إنه واحة الصلاة التي يتحدث فيها الإنسان مع الله شخصاً مع شخص.

2- الوقوف بحضرة الله:

إن شروط الوقوف بحضرة الله هي ما يطلق عليه مصطلح الصلاة. والأب خاريتون يعرّف الصلاة بقوله: (الصلاة بصورة أساسية هي حالة من الوقوف أمام الله). فالصلاة فردية كانت أم جماعية تتطلب أن يتنقى الذهن، وينزل إلى القلب ليستطيع الوقوف بالحضرة الإلهية.

3- الاتحاد مع الله:

على جميع المسيحيين أن يسعوا مجاهدين للاتحاد مع الله، خالقهم ومحبهم وصانعهم. الله يجب أن يكون مركز النفس الذي يمنحها أن تحيا إلى الأبد. إنه لا يوجد اتحاد بالله إلا بالمحبة الفائقة، بغض النظر عما إذا كانت فردية أم جماعية, لأن كلا هذين النوعين يرتكز إلى جوهر الصلاة الحقيقية الذي لا يتغير.

 

ثالثاً: الصلاة الفردية

عند نهوضك من النوم قبل أن تبدأ النهار, انتصب بورعٍ أمام الله الناظر كل شيء، ثم ارسم إشارة الصليب قائلاً: (باسم الآب والابن والروح القدس, الإله الواحد. آمين). ثم الزم الصمت قليلاً لكي تتحرر أفكارك من كل أمر عالمي، ثم ردد صلاتك الفردية بكل قلبك دون عجلة.

القيام بهذه الصلاة يعني أنه علينا أن ننظم حياتنا الداخلية حالما نفتح عيوننا كل صباح. وأن نتابع يومنا كله، بحيث يكون الجسد في العمل, والفكر مع الله. هذا ما يجب أن تكون عليه حالة المسيحي الحقيقي. وهو يستعيد بعد نشاطه اليومي هذا لاستقبال مساء يومه، ليدفئ نفسه بالصلاة ويقويها بعد تعب النهار. وهو ما يجعل النوم بعدها مريحاً للنفس والجسد. إن هذا السلوك المسيحي خلال يومنا، الذي سعى فيه المسيحي كي تكون صلاته فاعلة في أن يتجنب الصداقات التي تسبب إيذاء نفسه, ومتمسكين بروح هذه الصلاة لكي تبقى علاقاتنا مع الجميع بعيدة عن العواطف الشخصية، التي تفسد طبيعة ديمومة استمرار حالنا بذات الروح المقدسة. وهكذا يتفعلّ برنامج الصلاة الفردية في أشكال السلوك المسيحي وهذا ما يجعل الصلاة الداخلية مهيأة المصلّي ليوم حضوره في الكنيسة. حيث يتم فيها توهّج الصلاة الداخلية.

الصلاة بنوعيها هي الطريق للحصول على الدفء الداخلي، وإذا صادف أمر منع من حصول هذا الدفء الداخلي, بل على العكس من ذلك، تولدَّ عن الصلاة في نفس المصلّي حالة من البرودة, فهذا يكون إنذاراً خطيراً. لذلك علينا مواجهته بشيء من العقاب مع شرح سبب ذلك السبب الذي أدى إلى هذا الفتور. فهل يؤدي هذا إلى أن يعود المسيحي إلى صلاة تعيد إليه الدفء الداخلي؟ أم تبقيه في الخطيئة التي سببت للمصلي الحالة التي وصل إليها؟ إلى ما هنالك من أسباب. حينئذٍ يفتش عن أسلوب المعالجة الصحيح في دراسة المشاعر والميول الداخلية. مثلاً أن الاعتداد بالنفس قد مسّه, فيظن بنفسه أنه أفضل من الآخرين. وهذا ما يؤدي إلى السقوط. وتطلُّ كذلك خطورة كبرى أخرى، تظهر في أن تركيزه في صلاته لم يكن على الله، بل على نفسه التي بإمكانها أن تقوده في جهاده الشخصي إلى الخلاص.

وربما نجد أيضاً آثار فترات جفاف في الصلاة، يتبعها إحساس باللامبالاة يبعد المصلي عن صلاته هذه. وهذا يأتي من إهمال المصلي، في أن يضع نفسه معارضاً لكل ما هو خطأ وشرير وغير مرضيّ من الله. فالسعي الدؤوب للاستمرار في فعل كل ما هو صالح. يرسم درباً ينشّط قوة الصلاة الفردية فينا. ولنتذكر قول السيد المسيح لنا: "ملكوت السموات يغتصب اغتصاباً" (متى12:11) فعدم إهمال كلمات يسوع التي يساعدنا تطبيقنا لها رفع كلِّ إعاقةٍ من درب تقدمنا الروحي. ولنعلم أن هنالك نيراً يفرضه هذا كله، علينا أن نقبله كمقود من المسيح لنا، لصحة مسيرتنا، حتى تتحول تلك المسيرة الصلاتية إلى رغبة مطلوبة، ويتحقق إنجازها بسهولة. فالصلاة الفردية تنجح بقدر بعدنا عن عدم الاعتماد على قوانا الذاتية. فنحن مع صلاتنا بحاجة إلى عونٍ من الله نطلبه منه لأننا عليه متكلون. فصلاتنا يجب أن تكون مقرونة بصرخة إلى الرب نقول فيها: (لتكن مشيئتك). نقولها بحرارة وعدم تراخٍ والتزام صحيح، وإلا فيا ويلنا من تلك البرودة وذلك الجفاف الذي سيصيبنا. صحيح أن الآباء القديسين كشفوا لنا أن مثل هذه الحالات تحصل غالباً. ولكنهم قالوا لنا أيضاً أن علينا أن نكون متيقظين لفائدتها. التي تبقينا في تواضع، نخرج به إلى ظهور حالتنا المتواضعة، التي تقودنا ثانيةً إلى الله، حين نراعي أموراً هامةً أخرى هي:

1- التحرر من الأفكار الدنيوية: تلك التي تخرجنا من دائرة الله لتبقينا وسط لون من الحياة تسود عليه الأهواء. إن هذا يفرض أن تكون صلاتنا متجهة إلى الله، لينيرنا بما ينقلنا مما نحن فيه إلى حياة مرتكزة على الفضائل. تلك التي تُقرّبنا من الله والإنسان الآخر.

2- الانتباه والتأني في الصلاة: بحيث نربط شعورنا ليكون حاضراً أمام العزة الإلهية دائماً، ولو بدون صلاة. فهذه الوقفة تكمن فيها قوّة الصلاة. فيصبح الفرد منا بأفضل ما تمنحه الصلاة الفردية لنا من ميزات، وهي التي تضعنا بحضور أمام الله بدون تكلّف. فيأتي القانون الفردي كمكملٍ صلاتي لهذا الحضور الغني.

أليست هذه الوقفة تذكرنا بحال العشار الخاطئ، الذي تبرر لأنه وقف بانسحاق يطلب قبولاً لتوبته؟ إن الصلاة الفردية الهادئة بعدم عجلة تساعد مصليها أن يكون منتبهاً لأهمية الوقوف مع الله وأمامه، لأن مثل هذا الانتباه يحقق ثماراً ننالها من لدن الله.

3- اكتشاف ضرورة التواصل مع الآخرين: بالرغم من تسمية هذه الصلاة فردية، إلا أن من أهم شروطها ألا تكون للفرد فقط. فبها يتم اكتشاف أن من نناديه (أبانا) هو أب للعالم بأسره. لذلك علينا أن نخاطبه باسم العالم بأسره. ونطلب منه رحمة حب لكل العالم. فكم بالحريّ ألا نهمل في صلاتنا أهلنا وأصحابنا ومجتمعنا. وعندما يصعب علينا أن نتذكر الكثيرين حينها، فلنلجأ لفضيلة في الصلاة عظيمة هي لغة الصمت. فإن كنا نصلي بحب وصدق وألم من أجل ذواتنا والآخرين، فلنعلم بأن صمتنا هذا سيكون صمتاً مقدساً, فيتحول حديثنا به إلى حديث سري مع الله، لا يحتاج إلى كلمات أو إلى تعابير خاصة, بل إنه ينتج ذهناً ملتصقاً بالقلب, ومتجهاً بورع نحو الله, فنشعر أننا به ملتصقون.

4- السعي لمعرفة الذات: كلما توغلنا قدماً في صلاتنا الفردية كلما انكشفت ذواتنا لنا أكثر. وهذا يؤكد لنا أن معرفة الذات هو أحد شروط النجاح في الصلاة الفردية. ولنعلم أننا ننالها بقدر ما يكون الذهن نقياً. وفي هذا يقول ثيوفان الحبيس: (ما لم تتوطد النفس مع الذهن في القلب فإنها لا ترى ذاتها ولا تكون مدركة لذاتها بشكل صحيح).

وهذا ما يطرح سؤالاً هاماً، هل هناك من هدف في السعي لمعرفة الذات؟ نعم فالهدف هو أن يرى المرء عيوبه وضعفه بوضوح، ليتم له معالجتها عن طريق الصلاة. لأن القاعدة الآبائية تقول: (كلما ترى نفسك مذنباً ومستحقاً كل لوم, كلما ستتقدم أكثر). فيحقق هذا التقدم معرفة الذات المريضة وقابليتها للشفاء. وإن لم ننل هذا الشفاء فلنعلم أننا نصلي بكبرياء، مقلدين الفريسي الشقي بدلاً من العشار المتواضع. فالكبرياء يقود النفس لتعتد بذاتها، فيصير حالها مثل الغراب الذي استمع إلى تملّق الثعلب، فترك قطعة الجبنة تسقط من منقاره، استجابةً لتباهيه أي كبريائه.

ولهذا يوصينا أحد الآباء بقوله: (أرجوك أن تطبع هذا في ذاكرتك, من لحظة استيقاظك, حتى لحظة إغلاق عينيك في النوم: عليك أن تسلك سلسلة من أعمال نكران الذات). لأن الرضى عن الذات بدلاً من أن يولّد فينا التواضع المنتظر، فإنه يولّد فينا الكبرياء والكسل. والعمل الإيجابي لمنع ذلك هو الصلاة الحقيقية، التي وحدها تكون قادرة على كشف الذات.

5- الجدية في فحص الأفكار: ختام مدركاتنا بالصلاة الفردية هو فحص الأفكار. التي يجب أن تتم على صورة تقرير يوميّ عن ذواتنا. إن هذا لا يأتي إلا بعد معرفة الذات التي تعطينا الفحص الدقيق للأفكار. لأننا عندما نفحص أفكارنا نُبقي على الأفكار الصالحة, ونستأصل الأفكار الشريرة ونقتلعها. وبهذه الخطوات نمهد الطريق أمام مسيرة صلاتنا لاقتناء الفضائل. وهذا الأمر يتم كله بعون النعمة الإلهية, التي هي وحدها قادرة أن تكشف لنا مثل هذه الأمور الغامضة عنا.

إن الصلاة الفردية تنتهي بالامتلاء من الروح القدس, بعد أن تكون الصلاة الجماعية قد قامت باستدعاء الروح القدس. فيتم بهذا التكامل بين الصلاتين الفردية والجماعية, وانسكاب هذه ضمن تلك. وهكذا تمتلىء أنفسنا وأجسادنا بفعل الروح القدس فينا.

 

رابعاً: الصلاة الجماعية

يقول الكتاب المقدس إن الجماعة المسيحية الأولى تأسست في أورشليم بدايةً بالرسل, ومع التوسع أصبحت يوم العنصرة "ثلاثة آلاف نفس" (أع41:2). هؤلاء المؤمنون "كانوا يتابعون تعليم الرسل والحياة المشتركة, وكسر الخبز والصلاة" (أع42:2). وفي اجتماعاتهم الصلاتية "كانوا يصلون بنفسٍ واحدة" (أع46:2).

فعل هذه الصلاة هو ترجمة للصلاة الفردية وتطبيقها. لأن الصلاة الفردية وحدها لا تكفي, ولا تعطي المغزى الحقيقي الذي يتحقق بالصلاة الجماعية. إذن الصلاة الشخصية هي مدخلٌ لسر الكنيسة. إن هذا السر مبسّط ومعلن في العبادة الجماعية الأسرارية للكنيسة. هو سر مزدوج, إنه سر الرب وسر الجماعة. هو سر إعلان حقيقي عن المسيح, يضع أمامنا إشارات رمزية لحياة الرب كلها؛ بدءاً من بيت لحم, إلى جبل الزيتون والجلجلة مع قيامته وصعوده. ونتذوق خلال كل ذلك طعماً للمجيء الثاني للسيد المسيح.

إن الإشارات الرمزية والكلمات المختلفة ليست ذكرى أحداث يسوع السابقة فقط, بل هي أيضاً استحضار لها. أي أنها تجعل الأمور الماضية أمامنا واقعاً نلمسه من جديد. عن طريق سر الشكر الذي هو أعظم شهادة مسيحية. فهو شهادة للشركة المسيحية بين الفادي والجماعة المفتداة.

سر الشكر هذا هو العشاء السري أساساً، ممتداً نحونا ومكملاً شركتنا بيسوع، الذي تلتئم حوله الجماعة المصلية. فالمسيحي هنا هو مشترك مع كافة المؤمنين عبر الأجيال السابقة عليه، علاوةً على من هو مشترك معهم اليوم. فيصبح بهذه الصورة واحداً "من أبناء وطن القديسين, ومن أهل بيت الله" (أف19:2). فالكنيسة لا تتألف من أفراد مستقلين يحيا كل واحد منهم حياته الدينية الخاصة مستقلاً عن جماعة الأخوة. بل إن شعب الله يضم جسد الكنيسة، والمسيح فيها هو رأس هذا الجسد.

وفعل الصلاة الجماعية قد تحدَّث عنه القديسون والرسل لما فيه من قوة وفاعلية. وهذه شهادة للقديس إغناطيوس الأنطاكي في مطلع القرن الثاني يقول فيها: (ادرسوا إذن وواظبوا على اجتماعاتكم من أجل شكر الله وتمجيده. لأنكم بمواظبتكم عليها تجردون الشيطان من قواه, وينحل فساده باتفاقكم على الإيمان). وما الاتفاق على الإيمان إلا وحدة المؤمنين داخل الكنيسة.

 

خامساً: أسس الصلاة الجماعية

تقوم الصلاة الجماعية على أسسٍ أهمها:

1- هنالك أكثر من (اتحاد) تتأسس عليه الصلاة الجماعية، منها:

أ- اتحاد الأفراد: يتكون هذا الاتحاد من تلاقي أشخاص كُثُر يتفقون على الصلاة في وقتٍ واحدٍ وبنظامٍ وترتيبٍ واحد، مما يعطي للصلاة الجماعية روحاً وجوهراً ورونقاً مستنيراً. به يرفعون طلباتهم وبعبارات شكرهم لله الذي سيتحدون به, إذا ما أرادوا أن يرتقوا أكثر في فعل الصلاة. وما يساعد على التواصل في الجماعة الواحدة هو تلاوة التراتيل والمزامير والقراءات والحركات، التي تساعد القلب المصلي على أن يصبح قادراً على الولوج إلى حضرة الله والاتحاد به.

ب- اتحاد أسراري: تلتف الجماعة المسيحية بعضها مع بعض أثناء إقامة الأسرار الكنسية, متضرعة وشاكرة لله, وطالبة منه أن يرسل روحه القدوس على كامل الجماعة. فيشكل هذا الالتفاف للجماعة قوة لا تقدر (قوات العدو) على قهرها.

ج- اتحاد منظور: يستخدم هذا الاتحاد أدوات ومواد في خدماته للتعبير عن الاتحاد الشخصي في الجماعة المؤمنة، مثل (استخدام الماء في المعمودية, والخمر والخبز في سر الشكر, والزيت في سر التثبيت....). إن هذا كله تعبير مادي يدل على الاتحاد بين أفراد الجماعة الواحدة. وهو صورة عن الاتحاد الروحي الذي يتم أثناء اتحاد القلوب المتضرعة والأيادي المرفوعة.

د- اتحاد ليتورجي: تأخذ الصلاة الجماعية شكلاً منظماً يعتمد على قانون خاص في القراءة والترتيل، يتم من خلاله نمط ليتورجي واحد نسميه (التيبكون) أي القانون، الذي بموجبه تتنظم جميع الخدمات الإلهية والاحتفالات الكنسية.

هـ- اتحاد بالله: بقدر ما يكون الاتحاد بالله غاية للصلاة الفردية، فإنه يكون بالمقدار نفسه غايةً للصلاة الجماعية. فالجماعة هنا تتمرس على الوقوف بحضرة الله (بورع ومحبة) يكونا عوناً لها لبلوغ هذا الاتحاد.

2- استدعاء الروح القدس:

إن كافة الصلوات الجماعية تقوم افتتاحيتها على (صلاة استدعاء الروح القدس): "أيها الملك السماوي المعزي روح الحق...". لأنه بحسب لغة الكتاب: "الروح نفسه يشفع فينا بأنّات تفوق التعبير" (رو26:8).

إن صلاة استدعاء الروح القدس التي رتبتها الكنيسة، هي دعوة ليكون في كل صلاة جماعية إعادة للخلق من جديد. أي لإعادة خلق العالم من جديد بمفاهيم جديدة هي مفاهيم الروح القدس، الذي ينقِّي الأشياء ويوضِّحها، ثم يرفعها إلى حضرة الله. إذن الروح القدس هو الذي يقدس الاجتماعات الإلهية، لذا ندعوه إلينا قائلين: "هلمّ واسكن فينا وطهرنا من كل دنس".

3- فكرٌ واحدٌ:

نقتني في صلواتنا فكراً واحداً هو فكر المسيح، الذي هو فكر الاستنارة. فنحن عندما نجتمع في الصلاة من أجل هدفٍ واحد، يكون خلاله الوعي فينا قائماً على التركيز نحو الله بشكلٍ عميق، فتبدأ النفس بفعل أي شيء يطلبه منها الله. وهكذا يتدرج الإنسان في النمو ساعياً للوصول ليكون إنساناً كاملاً.

4- الشركة مع الله والآخر:

تُعد هذه الشركة الأولى نسبةً للأبعاد الأخرى. فمن حيث أن (الصلاة جماعية) فهي تحمل التواصل والشركة مع الآخر، وبكونها صلاة فهي متجهة نحو الله، ساعيةً لإقامة عقد شركةٍ معه. هذه الشركة في القلب تخلصِّه من كلِّ اضطراب وهموم وفساد، لينتقل إلى الراحة والطمأنينة. ويكفينا لتحقيق هذا الإنجاز أن نضع أنفسنا وكل ما نملك بين يديه.

5- إقامة حديث مع الله:

بقدر ما تنجح حياة الشركة مع الله، تتحول العلاقة إلى إقامة حديثٍ معه. وهذا الحديث هو في جوهره صلاة أيضاً. ففي الحديث تواصلٌ من جديد. هذا التواصل نغذِّيه بإنشاد التراتيل التي يقول فيها بولس الرسول: "مكلمين بعضكم بعضاً بمزامير وتسابيح وأغاني روحية. مترنمين ومرتلين في قلوبكم للرب" (كو16:3). فالتراتيل تشكل التلاحم القوي بين أفراد الجماعة المصلية. فهم إذا ما اتحدوا بالكلمة واللحن، يكونون قد اتحدوا أيضاً بالقلب. لأن هدف الترتيل هو إشعال شرارة الحب نحو الله. فنحن عندما نرتل نستخدم اللحن والكلمات، حتى تساعدنا أكثر على الاقتراب من الجو الروحي للصلاة، ولتكملة خطوة الحديث مع الله إلى الاتحاد به.

6- تحقيق الحياة المسيحية:

تنظر الكنيسة إلى من يعيش خارج المذبح أنه ميتٌ لا محالة، أي أنه يفقد مسيحيَّته. ولنستمع إلى القديس إغناطيوس الأنطاكي في قوله: (لا يضلكم أحد، فمن لم يكن داخل المذبح يحرم من جسد الرب. فإذا كان لصلاة شخص أو شخصين فاعلية كبيرة، فكم بالأحرى فاعلية صلاة الأسقف ومجموع الكنيسة؟). فالصلاة الجماعية تحمل تعبيراً واضحاً عن وحدة الجماعة التي تصير كنيسة. وحينها تحقق هذه الجماعة عيشها لجوهر الحياة المسيحية بأفضل تعبيرٍ لها، حيث يتحقق بواسطة الاجتماعات الليتورجية التي يتم فيها انسجام قلوب المؤمنين بتضرع واحد نحو الله. وهذا الانسجام يتم عندما يزرع كل منا داخل جماعته المصلية رجاءه وإيمانه وصدق صلاته، مع اعتماده على الله بصورةٍ صحيحة. وهذا كفيل بأن يحوِّل هذه التجمعات الصغيرة إلى آليات عمل تخدم الآخر، وتؤمِّن للجميع السلام الداخلي. حينها تبرز مسيحية كل واحد في هذه الجماعة التي يتحقق فيها المبدأ التالي: (ما نزرعه في الصلاة الجماعية، نحصده في الصلاة الفردية).

7- التواصل مع الكون:

إذا كان الفرد ضمن صلاته الخاصة لا يعيش لوحده ولا يصلي لوحده، فإن جماعة المصلين أيضاً لا تصلي لوحدها، بل للعالم بأسره. يقول نص مسيحي قديم: (المسيحيون للعالم كالنفس للجسد. فكما أن النفس منضبطة بالجسد، ولكنها تحفظه، كذلك المسيحيون المنضبطون في العالم كأنهم في سجن، لكنهم يحفظونه). فالمسيحي هو ملح العالم يحفظه من الفساد، ونورٌ له يهديه على طريق الصلاح. وهو يقوم بدوره هذا بفضل صلاته الجماعية، التي تبتدئ بالقول (من أجل سلام كل العالم)، لتصبح الجماعة المصلية قدوة حقيقية تشهد لها أخلاق المصلين هؤلاء. وبنتيجة صلاتهم هذه، يتم الانتقال من الفرد إلى الجماعة إلى الكون إلى الله.

 

سادساً: خاتمة

الصلاة إذن: هي اختبار كل شيء ونبع كل شيء، وهي القوة المسيِّرة لكل شيء. فإذا أُقيمت صلواتنا بشكلٍ صحيح، فكل شيء بعدها يكون صحيحاً. لأن الصلاة لا تسمح لأي شيء بأن يصير خاطئاً. وعلينا ألا ننسى بأن الصلاة هي ارتفاع الذهن والقلب نحو الله، في تسبيح وشكر له. كما أنها أيضاً ابتهال من أجل الأمور الصالحة التي نحتاجها روحياً أو جسدياً. وهكذا عن طريق صلواتنا نقتني الفضائل.

وسأضيف أقوالاً عن الصلاة للقديس يوحنا الذهبي تتناسب والقصد الذي نحن بصدده. يقول: (إن فعالية صلاتنا تعتمد على: أولاً، أننا مستحقّون أن نأخذ ما نطلب؛ ثانياً، إن كنا نصلّي وفقاً لمشيئة الله؛ ثالثاً؛ إن كنا نصلي بلا انقطاع؛ رابعاً، إن كنا نلجأ إلى الله في كل أمورنا؛ وخامساً، إن كنا نطلب الأمور المفيدة لنا).

ويقول أيضاً: (كثيرون يدخلون إلى الكنيسة، يرددون صلوات مختلفة ويخرجون من دون أن يدركوا ماذا قالوا؛ تتحرك شفاههم ولكن آذانهم لا تسمع. أنتَ نفسك لا تسمع صلاتك، وتريد أن يسمعها الله؟ تقول: (ركعت)، ركعتَ لكن حين كان جسدك في الداخل كان عقلك خارجاً؛ كنت تردد الصلاة بالفم لكنك في فكرك كنتَ تحسب الفوائد وتنظَّم العقود وتبيع السلع وتشتري الأملاك وتقابل أصدقاءك، لأن الشيطان شرير ويعرف أننا في وقت الصلاة نحقّق أموراً عظيمة، لذلك يأتي في ذلك الوقت نفسه ويزرع فينا أفكاراً. مراتٍ كثيرة نكون ممدين على السرير من دون أن نفكر في شيء، لكن عندما نذهب إلى الكنيسة لنصلي تخطر في ذهننا آلاف الأفكار، فنفقد هكذا ثمار الصلاة ونخرج من الكنيسة صفر اليدين. طبعاً فإن الأمر نفسه يحدث عندما نصلّي في بيتنا أو في أي مكان آخر).

ونضيف أخيراً قوله: (نعم هكذا يجب أن يصلي المسيحي. بعد أن يجمع ذاته كلّه ويشدده، حينئذٍ يتضرع إلى الله بتوجع؛ لا يحتاج لأن يقول كلمات لا تنتهي إذ تكفي الكلمات، بل على صفاء العقل والقلب، وهذا يمكن أن يتأكد منه الإنسان مما يقوله الكتاب المقدس عن حنة العاقر أمّ النبي صموئيل حيث نذرت قائلةً: "يارب إن نظرت نظراً إلى أمتك وذكرتني وأعطيت أمتك زرع بشرٍ فإني أعطيه للرب كل أيام حياته" (1صم11:1) هل هذه الكلمات كثيرة؟ لا، ولكن لأن الصلاة قد تليت بصفاءٍ وانتباه تمكنت من الحصول على ما أرادت فاصطلحت طبيعتها القاصرة وانفتح رحمها وتخلصت من احتقار أمتِها لها وحصدت قمحاً غنياً من الأرض القاحلة).

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا