|
محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي
لرعية كنيسة القديسين بطرس وبولس
حلب 18-2-2010
التحليل النفسي وسر الاعتراف
أولاً: مقدمة
تتساءل
الدكتورة نيفين سعد الطبيبة الأخصائية في الطب النفسي: (كيف تتحقق المعادلة
التي تجري مصالحة بين علم النفس والطب النفسي من جهة, والروحانية المسيحية
من جهة أخرى؟ إذ إن الدخول إلى أعماق نفس الإنسان أمر لا يُستهان به، إن
كان المدعو إلى هذا الدخول طبيباً نفسياً أم أباً روحياً!!) فالصادق لأحد
هذين في استقباله لهذا الإنسان المحتاج إلى أجوبةٍ تغمره هيبةً ورهبةً
فيتذكر قول الكتاب لأعظم لقاء ورد بعهده القديم إلى منطقة الحضور الإلهي:
"اخلع حذاءك من رجليك, لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة" (خر5:3)
وهكذا الأمر أيضاً لكل من يعمل مع النفس البشرية الممتلئة بالأسرار , فإنه
لا بد وأن يشعر بكرامة هذا العمل فيهتف قائلاً: "حقاً إن الرب في هذا
المكان" (تك16:28) أي في أعماق نفس هذا الإنسان. وهذا ما جعل الدكتورة
نيفين تقول: (النفس ليست إلا قدساً, وقدس أقداسها هو القلب الذي هو إنسانها
الداخلي). فالطبيب النفسي المؤمن لا بد من أن يربط علمه بالكتاب المقدس،
وبروحانية وطقوس ونسكيات الكنيسة. فيلتقي في هذا مع الأب الروحي. الذي
يرتكز بدوره على تلك الأسس الروحية التي تحمل من العمق ما يساعد كلاً من
الطبيب والأب المعرِّف على إيصال الشفاء الحقيقي للمريض، أي للابن الروحي.
لتخليص نفسه من الأهواء وفي ( العودة بالعقل إلى داخل القلب). وبدون ارتباط
الشفاء بروحانية الكنيسة، فإن الطب النفسي يبقى مجاله محدوداً بالأمراض
العصبية، التي تتعلق بالاضطرابات، على حين أن البعد اللاهوتي يساعد على
شفاء الأسباب الأكثر عمقاً، التي تتولد منها هذه الأمراض. فمن أجل ذلك لا
يستطيع الأطباء النفسيون أن يعطوا معونةً بدرجةٍ كبيرةٍ, لأن المسيح وحده
هو الذي يستطيع أن يستعيد العقل المائت بالأهواء. وتكون استعادة السلام
آتية من المسيح فقط.
ثانياً: منشأ مسببات المرض النفسي والمرض الروحي
يستقبل
الطبيب النفسي مريضه ليتفحص فيه بادئ ذي بدء عن منشأ صراعه وسبب كبته. الذي
هو عالم الطفولة. ذلك لأن نزاعات الطفل بين ذاته وبين بيئته الأولى الممثلة
بالوالدين والإخوة، تكون هي السبب الأول للعلة المصاب بها, وذلك لأن (أنا)
المريض في طفولته ليست قوية كفاية. فلا يكون الصراع فيها منتهياً إلى حالة
إيجابية. فغالباً ما يكون الطفل محدود الإمكانية اتجاه التحديات، فيكون
الكبت وسيلته الناجحة وبالتالي فبدلاً من تطوير إمكاناته نحو الأحسن خلال
تقدمه بالسن, فإنه يسلك الطريق الأضعف الذي هو طريق الكبت.
عندما يذهب
المريض إلى المحلل النفسي, ويستلقي على الأريكة للقيام بجلسات التداعي
الحر, فإنه يستحضر القسم الأكبر من ذاكرة تأسر مشاعره، آتيةً بها من خارج
ساحة الشعور. ومع زيادة تشجيع الطبيب لمريضه، فإن ساحة الشعور لديه تغتني
بدخول المكبوتات إليها، تلك القابعة في ساحة اللاشعور. هذا يعني أن منطقة
الشعور صغيرة جداً بالنسبة لمنطقة اللاشعور. فالطبيب النفسي يصب اهتمامه
على منطقة اللاشعور, ومنها يدخل إلى شخص المريض. وهو لا يفعل ذلك في سبيل
إدخال مريضه إلى عالم الله أو عالم الملكوت. أو أن ينصحه بأن يسعى لاستقبال
النعمة الإلهية بطرق روحية. تتناسب وحالة المريض وشخصيته. فدور الروح القدس
عند الطبيب النفسي في معالجة المريض ليست بذي بال.
ثالثاً: التقارب بين علم النفس والاعتراف
لا بد من
الحديث عن فرويد ذي الأصل اليهودي، لأنه مؤسس التحليل النفسي. وهو قد نشأ
في مجتمع كاثوليكي، تعرَّف فيه على الاعتراف بالخطايا حسب ممارسة الكاثوليك
له، وهو القائم على التعداد الآلي للخطايا دون التركيز على التوبة. ونستطيع
أن نتأكد من هذا الأمر الآن، فبعد قرنين من زمن فرويد يجتمع مجمع أساقفة
الكاثوليك في سويسرا عام 1963، وينتقد هذه الطريقة في الاعتراف بعيداً عن
التركيز على التوبة. فتبين لفرويد بسبب هذه المقارنة بين طريقته في التحليل
النفسي والاعتراف بالخطايا، فوجد أن طريقته أفضل من طريقة الكنيسة الغربية.
أما طريقة
التحليل النفسي فتقوم على (تداعي الأفكار الحر)، من خلال استلقاء المريض
طالب الشفاء على أريكة, ويجلس المحلل وراءه بعيداً عن رؤية المريض له، حتى
لا يرى انفعالات المحلل أثناء حديثه الذي ينقل فيه كل ما يجول بخاطره حول
الأفكار التي يطلقها المريض بعفوية بعيداً عن التنسيق والترتيب والحذف,
والتي هي غير معدة مسبقاً. إن الآلية التي يتعامل بها الطبيب مع مريضه
يُسهِّل توارد خواطر المريض بدون رقابة، وهو ما يسمح للمريض بعرض موضوعه
الملم به. عسى يتمكن الطبيب المحلل أن يكشف تلك القوى الضارة التي تختبئ
وراء هذا الصراع القائم, والذي سبب الظاهرة عند المريض، ليخفي بها دوافعه
المريضة عن طريق (الكبت). وهكذا ينتقل الصراع الذي سبب مرض المريض من ساحة
اللاشعور إلى ساحة الشعور.
وهنا يدخل
عنصر الأخلاق بواسطة ضمير المريض منهياً هذا الصراع. إلا أن المحلل النفسي
يقصر رؤيته للمريض على تقسيم شخصياته إلى ثلاثة دوائر، فهو - في منظور
التحليل النفسي - (أنا, هو, فوق الأنا).
أما على
الصعيد المسيحي في الكنيسة الأرثوذكسية، فالنظرة إلى الفرد تختلف تماماً.
فالأب الروحي يتعامل مع ابنه الذي يصارع ألواناً شتى من الأهواء والرغبات
والشهوات، من نقطةٍ مختلفة عن نقطة المحلل النفسي. فحين يرغب الابن بتوبةٍ
صادقةٍ للتخلص من خطاياه، يتحقق له ما يريد عندما يقر بها أولاً. وهو بهذا
يطبق قول بولس الرسول: "لو كنّا ندين أنفسنا لما كنا ندان" (1كو31:11).
دينونة
النفس وليس إدانة الآخر هي سر النجاح في موضوع الاعتراف. لذا فالأب الروحي
يساعد ابنه ليقف بملء وعيه أمام منبر المسيح بتواضع صادق وخشوع كامل ولسان
حاله يقول: الإقرار بالذنب والرغبة بالتوبة، بتوبة لا عودة فيها إلى ما
سبق، هي الطريق. وهكذا يحل مكان حياة الخطيئة حياةً بالمسيح جديدة، مرتكزة
على قاعدة سر العماد المقدس، الذي به يُدفن الإنسان الخاطئ، ويقوم بدلاً
عنه الإنسان الجديد بواسطة الإيمان بشخص يسوع المسيح, بعيداً عن أنانية
الفرد وكبريائه واعتداده بنفسه. وعن كل ما يعيق من معرفة أنفسنا للإقرار
بسوئها. الأب الروحي يساعد هذا التائب بإشارته إلى أمورٍ كثيرةٍ. منها خطر
الغيرة والحسد والأنانية. ويزيل من أمامه الموضوع الأهم، هو موضوع الخجل
الذي يقف حاجزاً بيننا وبين المسيح. فالإنسان أحياناً يتجنب التحدث بأخطائه
لئلا يظهر ضعيفاً وخاطئاً. وهذا موقف لا يقتصر على حديثه أمام الآخرين, بل
ويشمل أيضاً حديثه لأبيه الروحي تجنباً من أن يظن به أنه إنسان سيء
فيحتقره.
الأب
الروحي لا يحتقر مثل هذا الإنسان بل يفرح بعودته، متمثلاً في ذلك بإلهه
الذي يفرح بعودة خاطئٍ يتوب. إن الضعف الروحي عند المعترفين يبعدهم عن
الاعتراف الصحيح, ويُبقيهم مغلَّفين بعنجهيتهم. لا يحتملون سماع ملاحظات
تقودهم إلى الكمال. الاستعداد التوبوي بالاعتراف الصحيح، هو قبول النقد
العميق للشخصية، وهو ما يجعل الإنسان يشعر داخل نفسه. أنه باستعانته بالأب
الروحي يصل إلى اكتشاف (جمال الخلق الإلهي). فإذا كان الله (خلق كل شيء في
الجمال) حسب تعبير غريغوريوس بالاماس، فإن المعترف يستطيع أن يصل إلى
اكتشاف جماله أيضاً، بفضل سكنى الله فيه، بعد اعتراف تام خشوعي.
في آليات
التطبيق لا مانع البتة من استفادة الطبيب الروحي الذي هو أب الاعتراف من
المحلل النفسي. الذي يمتلك مخزوناً علمياً غنياً. مما يساهم في تقديم
معلومات تساعد الأب الروحي على التوغل في نفسية المعترف. للكشف عن كل
الدوافع التي أنتجت السلوك الذي يريد أن يعترف به، وخاصةً مشاعره المحتجبة
في ساحةٍ عميقةٍ خارج ساحة شعوره، حيث تجد لها ملاذاً في ساحة لا شعوره.
وكما أن الطبيب أثناء قيامه بإطلاق التداعي الحر. ليتمكن المريض من تراخي
قوى الرقابة عنده, ليسهل ظهور القضايا المكبوتة عند المريض بالتدريج. وكما
أن الطبيب يتساهل مع مريضه لإظهار موضوعات ضعفه، أثناء قيامه بالتحليل
النفسي لشفائه بعيداً عن تواجد (آليات الدفاع)، التي يستطيع المحلل المقتدر
أن يهدمها تدريجياً، ويعيد أفعال هذا المريض للارتباط بساحة الشعور،
لتتطابق فيه الأنا مع كامل ذاته، ليصل المريض إلى شاطئ السلامة. هكذا الأمر
بالنسبة للأب الروحي، حين يوقظ داخل المريض موضوع الشركة مع الله.
وهنا
يتطابق دور الطبيب والأب الروحي في استخدامهما للآليات نفسها، وذلك عندما
يكون سلوك الإنسان خاضعاً لعوامل داعية أكثر من خضوعه لعوامل لا داعية. وهو
ما يمنح الطبيب النفسي أو الأب الروحي قدرة تقديم مساعدة فعالة. أما إذا
كانت تتحكم عوامل لا شعورية في سلوك الإنسان، وهو لا يمتلك قدرة على
مواجهتها لأنه لا يدركها, فينبغي على الأب الروحي في مثل هذه الحال أن يلجأ
إلى التحليل النفسي.
لهذا سنكشف
الآن عن كلٍّ من هذين المنحيين.
رابعاً: ما هو التحليل النفسي؟
1-
يعود التحليل النفسي إلى العام 1896، حيث بزغ نجمه مع فرويد حين قام
باستعمال تعبير (تحليل نفسي) لأول مرة في التاريخ. ولكن مواقف فرويد التي
كانت مبنية على أساس (التحليل النفسي)، نظرت إلى موضوع الدين الذي لم يكن
تخلو منه نفسٌ من النفوس حينئذٍ، وجعله بمعزل عن العوامل التي اعتمدها
فرويد. وذلك لأن هذا الطبيب فسّر الإيمان خارج العوامل الفاعلة في النفس
متخذاً علم النفس أداةً لتبرير إلحاده السابق على اكتشافه للتحليل النفسي.
وقد ساقه
هذا كله إلى ربط الإلحاد برواسب قائمة على رفض الطفل لأبيه, فجعل من رفض
الله مجرد نتيجة لرفض الأب. وهو بهذا يكون قد سخّر علم النفس لتعليل
موضوعَيْ الإيمان والإلحاد، وجعلهما في صعيدٍ واحدٍ أمام التحليل النفسي.
وينبغي أن
نتنبه أن التحليل النفسي هو من أهم ميادين عصرنا الحاضر. وهو يتناول في
بحثه دراسةً للنفس البشرية في أعماقها. وهو يطلق عليها مصطلح (سيكولوجية
الأعماق). ويقصد بها أعماق اللاشعور عند الإنسان. فقد اتضح من خلال التحليل
النفسي أن هذه الأعماق أساسية في توجيه المشاعر والأفكار والسلوك الإنساني.
وبتعبير آخر إن هذه الأعماق في النفس البشرية، تشكل ساحةً أهم بكثير من
مجال ساحة الوعي.
وإذا تركنا
الموضوع النظري، الذي هو نظرية سيكولوجية جديدة كلياً. تم بواسطتها إلقاء
أضواء جديدة، قدمَّت معرفة جديدة للنفس البشرية بأبعاد لم تكن معروفة قبل
فرويد. لدرجة أنها صارت من مقومات المعرفة الإنسانية المعاصرة, وأنها لم
تكتف بطبع النفس فقط, بل امتد تأثيرها إلى ميادين الثقافة الإنسانية
الأخرى، مما مكنهَّا من إعطاء التربية رؤى جديدة.
إذا تركنا
كل هذا مكتفين بما يهمنا في حديثنا الأساس اليوم، نقول بأن للتحليل النفسي
دوراً ليكون علاجاً نفسياً له تأثير فعال مقروناً باكتشاف علم الأعصاب كما
هي الأبحاث في مرض الهستريا، الذي هو مرض نفسي وعصبي، مصحوباً بعوارض جسدية
كالشلل الجزئي أو فقدان الإحساس بعضوٍ من الأعضاء, أو سعال أو قيء متكرر
الخ... وهذه العوارض وإن ظهرت في الجسد إلا أن لا أساس لها في الأعضاء بل
هي آثار الهستريا فقط.
2- من
الكبت إلى التحليل النفسي: ومن المواضيع الهامة التي كشف التحليل النفسي
النقاب عنها موضوع (الكبت) كموقف منبعث من (المقاومات الداخلية)، حيث يحمي
المريض نفسه من (ذكريات مؤلمة أو مخجلة) عن طريق إقصائها من عملية التذكر
بعيداً عن الوعي، للوصول بها إلى أن تدفن هذه الذكريات ذاتها في مقبرة
اللاوعي. ما يحصل للإنسان نتيجة ذلك أنها تسبب له ألماً وقلقاً وخجلاً.
لذلك تقوم عملية دفاع في النفس ضدها مقرونة بخوفٍ دائم. كل هذا جعل فرويد
يكتشف أن خجل المريض لا يحل مشكلة كبته,لأن الموضوع المطروح خارج دائرة
الوعي، يكون من المتعذر التحكم به أو ضبطه وتطويره. والعقل لا يستطيع أن
يتفاعل مع هذه الكوامن، لأن بينها وبين العقل حاجز الكبت. وهكذا تبدو آلية
الكبت جزءاً من المشكلة وليس جزءاً من الحل. وقد أعطانا فرويد مثلاً
توضيحياً على ذلك، بتشبيه الكبت بالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال لكي لا
ترى الصياد. فهي لا تستطيع بذلك النجاة من الصياد بل تصبح تحت رحمته. وهكذا
فالكبت لا يلغي الدوافع التي كُبِتت, بل يبقيها على حالها, ويترك لها
المجال بأن تتحكم بشكل لا شعوري غير مباشر في كيان الإنسان المباشر.
ويختلف
الكبت كلياً عن آلية ضبط النفس, الذي أواجه به نزعاتي ولا أتجاهلها. أنني
بالكبت أتجاهل هذه النزعات بدفنها, فينفتح أمامها المجال للظهور عن طريق
فعلها الخفي فينا. وهكذا يبرز دور التحليل النفسي في معالجاته لآلية, الكبت
فينا, محاولاً زيادة إمكان ضبط كل فرد منا لنفسه.
طريقة
العمل الفرويدي في التحليل النفسي لا تعتمد على التنويم المغناطيسي
لاستنباط الكلمات المخبأة في ساحة اللاشعور، بل تعتمد على أسلوب ابتدعه هو
(التداعي الحر). حيث يطلب الطبيب من المريض أن يتكلم ويقول كل ما يخطر
بباله دون توجيه. وعن هذا الطريق اكتشف فرويد أن لأحداث حياة الإنسان
الراشد جذور تعود إلى مرحلة الطفولة المبكرة. وبوصول التحليل النفسي إليها
عن طريق التداعي الحر. تمكن من إنشاء طريق جديد للعلاج النفسي سماه
(التحليل النفسي).
3- أساليب
التحليل النفسي: يستخدم المحلل النفسي ثلاثة أساليب يستعين بها للوصول إلى
غايته في كشف كوامن النفس غير الواعية وهي:
أ- التداعي
الحر للخواطر: وهي أساس التحليل النفسي. حيث يقول المريض فيها كل ما يخطر
بباله. دون أن ينقص أو يختار أو يوجّه أو يعدّل شيئاً. كل ذلك ينقله بعيداً
عن عمل آليات وعيه. فتبرز الأمور غير مرتبة كما يفرض ذلك المنطق الواعي, بل
يقدمها المريض مربوطةً يخيطٍ رفيع بينها، تنكشف من خلاله كوامن العقل
الباطني.
ب- تفسير
الأحلام: وجد فرويد أن الأحلام تكشف أمراً مهماً. فهي تحمل رسالة يمكن أن
تُحلَّل علمياً. وبحسب رأي فرويد فإن الأحلام تكشف عن مكنونات العقل
الباطني بصورةٍ خفيةٍ ورمزية، يصعب فهمها إلا على المختص المدرّب على فك
الرموز ليصل إلى المضمون. كما تنقله الأحلام إلينا.
ج- تأويل
الأخطاء: وهو مرتبط (بالظواهر النفسية المرضية في الحياة اليومية)، من حيث
هي ظواهر للأعمال التي تخص تحقيق مرماها الحقيقي. فمثلاً أتحدث في موضوع أو
أكتبه وبغيتي الوصول إلى هدف ما، فأخطئ القول أو الكتابة بدون قصد، فأكون
بذلك قد أوضحت عن رغبتي بما يسمّى (زلّة لسان) و (زلّة قلم). ففي هذه
الحالة تكون العبارة الخطأ قد أخطأت مرماها الواعي, ولكنها أصابت مرماها
غير الواعي.
إن هذه
الكوامن للنفس قد شكلت - كما يرى فرويد ومدرسته - نظرية نفسية جديدة أخذت
تظهر من خلالها النفس البشرية، لم يكن لها وجود من قبل. ولما كان فرويد قد
رفض الإيمان كموقف شخصي وارتكز على الإلحاد كما رأينا في المقدمة، فإننا
نراه الآن يربط الحياة النفسية بنوازع غريزية. وبمعنى آخر فإن الحياة
النفسية عند فرويد ترتكز على الغرائز، وخاصةً على غريزتين هما (الجنس
والعدوان). وإن الإنسان ينطلق من غرائزه هذه ليبلغ أسمى نشاطاته الروحية,
تلك التي تتجاوز الصعيد الغريزي لتغذي أسمى المنجزات الحضارية.
خامساً: الإنسان جسد وروح ونفس بحسب لغة الكتاب المقدس
بحسب
الإعلان الإلهي في الكتاب المقدس نجد أن الإنسان يتألف من جسد وروح ونفس.
فالجسد هو الناحية البشرية في الإنسان, يمكن وصفه بأنه أرضي وقابل للفساد
والسقوط، به يتمثل الإنسان العتيق, أي إنسان الشهوة. أما الروح فهي الجانب
الإلهي في الإنسان وهي سماوية وطاهرة. وعنها نتحدث عن الإنسان الجديد، أي
الإنسان المتطهر من الشهوات, والمتجدد على صورة المسيح, والذي يفعل فيه
الروح القدس، ويكون بذلك هو الحامل لثمار الروح.
وهكذا
عندما يتحدث بولس الرسول عن الإنسان الجسداني يقول فيه: "أنتم بعد جسديون.
فإنه فيكم حسد وخصام وانشقاق, ألستم جسديين وتسلكون بحسب البشر؟" (1كو3:3)
ويقول أيضاً: "اسلكوا بالروح فلا تكمّلوا شهوة الجسد, لأن الجسد يشتهي ضد
الروح, والروح ضد الجسد" (غلا16:5-17) .فالإنسان الجسداني عالق في شهواته
التي هي أعمال الجسد مثل: "الزنى, عبادة الأوثان, محبة المال, الخصام,
الغضب, التحزّب, الحسد والسكر" (غلا19:5-21).
أما
الإنسان الروحي فهو الإنسان المتحرر من شهواته، لأن "الإنسان الروحي يحكم
في كل شيء" (1كو15:2) ولا شيء يحكم فيه. وللتمييز بينه وبين الإنسان
الجسداني نقرأ عند بولس قوله: "الإنسان البشري لا يتقبل أمور روح الله, إذ
يعتبرها جهالة,ولا يستطيع أن يعرفها لأن تمييزها يحتاج إلى حسٍّ روحي. أما
الإنسان الروحي, فهو يميز كل شيء, ولا يحكم فيه أحد" (1كو14:2-15).
ولنعرف
أيضاً أن الإنسان الروحي هو الذي يحمل "ثمار الروح التي هي المحبة, الفرح,
السلام, اللطف, الوداعة, الطهارة, طول الأناة, الأمانة, وضبط النفس. وليس
من قانون يمنع مثل هذه الفضائل" (غلا5: 22-23).
أما نفس
الإنسان فتعني حياته وكيانه الداخلي كله. ولهذا نجد أن نفس الإنسان ككل
تتأرجح بين الجسد والروح تحركها المشاعر. لذلك أكدت المسيحية أن على النفس
أن ترتبط بالانقياد للروح القدس. الذي يتماشى القول فيه مع ما يعلمنا إياه
بولس الرسول بقوله: "اسلكوا في الروح. وعندئذً لا تتمّمون شهوة الجسد
أبداً. فإن الجسد يشتهي ضد الروح, والروح بعكس الجسد؛ وهذان إن يقاوم
أحدهما الآخر حتى أنكم لا تفعلون ما ترغبون فيه" (غلا16:5-17). وهكذا تبرز
النفس التي بالرغم من صعوبة موقفها فإننا نرى فيها بعداً يكون في الوسط بين
الجسد والروح. وعلى الإنسان أن ينتصر على أعمال النفس والجسد ليصل بكليته
إلى حيث الإنسان الروحي فيجاهد من أجل ذلك: عن طريق الصلاة والصوم وأعمال
المحبة والتواضع والإحسان والرحمة، كما وأيضاً عليه أن يسير على الطريق
الذي ينتجه موضوعنا اليوم، والذي هو الاعتراف بتوبة صادقة. ومما لا شك فيه
أن هذا هو العمل في النفس ومجال الشغل فيها.
سادساً: سر التوبة والاعتراف
1-التوبة:
السر فيها هو حقيقةٌ إلهيةٌ غير منظورة، ولها علاقة بتدبير الله الخلاصي.
لأن السر هو (سر محبة الله الفائقة).
لهذا
فالتوبة هي تغيير الذهن والفكر والسلوك من حالة الخطيئة إلى حالة
القداسة.هذا التغيير الكياني في الشخص لا يحصل بالقوة البشرية, بل بالقوة
الإلهية. وهي ما نصل إليه باسم (التوبة الحقيقية)، وفيها يتم تغيير الإنسان
كله, بتحوله جذريّاً إلى حالته الطبيعية. الكنيسة تنادينا هنا بلسان أحد
آبائها وهو القديس نيكوفوروس: (قبل كل شيء ارجعوا أيها الأخوة إلى أنفسكم).
وبالتالي هي (عودة إلى الله). ولنتذكر هنا الابن الضال بعد أنه تاب عن طريق
حياته الخاطئة يصفه يسوع بالقول: "ثم عاد إلى نفسه...ثم قال لأبيه: يا أبي
أخطأت إلى السماء وأمامك" (لو17:15-18). أما أبوه فوصفه بقوله: "فإن ابني
هذا كان ميتاً فعاش وكان ضائعاً فوجد" (لو24:15).
هكذا
بالتوبة يعود الإنسان إلى نفسه وإلى ربه, فيخلقه الله خلقاً جديداً. وبهذا
المنطق نفهم معنى قوله: (كان ميتاً فعاش)؟.
ومن المفيد
القول أن التوبة تلازم حياة الإنسان حتى لحظة انتقاله. وعنها يقول القديس
اسحق السرياني: (التوبة ضروريةٌ لكل من يرغب الخلاص للخطأة والصديقين على
السواء, فالكمال لا يعرف حدوداً, حتى إن كمال الكاملين يبقى ناقصاً. لذلك
تبقى التوبة ناقصة حتى لحظة الموت). فالتوبة شيءٌ مستمرٌ للقديسين، كما
وأنها كذلك للخطأة. وهي تكتمل عن طريق الاعتراف لنيل حل الخطايا.
2-
الاعتراف: بعد هذا كله يظهر الاعتراف لنا أنه التعبير عن التوبة الحاصلة في
النفس. لأن الإنسان عندما يتوب في داخله وفي أعماقه يرغب في الاعتراف
الكامل, بحسب قول السيد المسيح لتلاميذه, أي الآباء الروحيين والمعرفين
الأوائل: "اقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تغفر له. ومن أمسكتم خطاياه
أُمسكت" (يو22:20-23) وبقي هذا الأمر محفوظاً في قلب التلاميذ وممارساتهم.
فهذا يوحنا الحبيب يكتب لنا قائلاً: "إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل,
حتى يغفر لنا خطايانا ويُطهرِّنا من كل إثم" (1يو9:1).
سر
الاعتراف يقوم على الرغبة في البدء حياة روحية تسعى لتطهير القلب من
الأهواء, وهو يشكل المرحلة الأولى في رحلة النفس نحو الله. فاللقاء بين
المعترف وأبيه الروحي هو لقاء الاثنين معاً. بحضور الله. فالأب الروحي ينقل
كلام الله للمعترف. بتعبير آخر ينقل الأب الروحي للمعترف ما يريد الله نقله
إليه, فيطرح هذا الأخير بدوره الأهواء جانباً عن طريق صدق توبته,مع السعي
لاستعادة حالة البرارة والقداسة اللتين فُقدتا بسبب الخطيئة, فيستردها
عندئذٍ بعون الروح القدس, محققاً للمعترف السير في طريق الخلاص. فالمعترف
يعي أن خطاياه تقف بوجه مسيرته نحو الاتحاد بالله. فإن أراد أن يزيل الحاجز
الذي هو الخطيئة فما عليه إلاّ أن يقويّ علاقته بالأب الروحي ليقوده هذا
الأخير متدرجاً معه. على ما أظهره القديس يوحنا السلمي، من أن هناك
سُلَّماً نرتقيه بالتتابع الذي نبدأ فيه. مرحلة التطهر من أهوائنا وخطايانا
فنصل إلى الاستنارة التي فيها يصير الاتحاد بالله سهلاً.
سابعاً: ممارسة الاعتراف
المعترف
إنسان يتكلم بوعيه من حيث إدراكه للخطيئة. لذا فأول عمل عليه أن يقوله أمام
أبيه الروحي هو الإقرار بخطيئته. ولما كانت الخطيئة تمس الكيان الداخلي
للإنسان لذلك فإن الاعتراف يحتاج لإقرار داخلي أولاً. لذلك يقول القديس
اسحق السرياني: (الإنسان الذي يقرّ بخطيئته هو أهم ممّن يقيم الأموات).
لأنه بحسب التعليم الآبائي نتعرض لأخطار على حياتنا الروحية إذا لم نبُح
بأفكارنا. فهذا السلّمي يقول: (ما من شيء يقوي الأفكار ضدنا مثل إخفائها في
القلب وتغذيتها وعدم الاعتراف بها). الأفكار الشريرة إن لم نعشعشها
بدواخلنا لا تخيفنا. وليس من خطر علينا منها، مهما كانت هجمتها قوية. وحرية
الإنسان وعمله مسؤولان عن تبني هذا الاحتضان أو رفضه. وفي هذا الحوار توضيح
لذلك: (سأل سائحٌ راهباً في جبل آثوس: إلى أي حد نحن مسؤولون عن الأفكار
التي تهاجم ذهننا؟ أجابهم الراهب بالصورة التصويرية التالية: تعبر الطائرات
فوق منسكي كل يوم, ولا أستطيع أن أمنعها من ذلك. تالياً لست مسؤولاً عن
ذلك. لكن مسؤوليتي تبدأ فيما لو شرعت في بناء مطار. هكذا,فإن قبول الهجمات
الشريرة يحتاج إلى موافقة لبنيان مكان لها في داخلنا).
ولما كان
المعترف هو من يريد أن ينظف بيته الداخلي، فهو لا يكتفي بالسعي لأن يمنع أن
تكون نفسه مسرحاً لهجمات الشرير, بل إن الكمال هو أن يسأل أباه الروحي
لتبيان العناصر التي تساعد على مسيرته، المصطلح على تسميتها بالرحلة إلى
الله. فيجيبه الأب الروحي بأجوبة متعددة من بينها:
1- إقامة
الصلاة دائماً بذهن متخشع كما لو أنه واقف أمام الله في يوم دينونته
العظيم.
2- أن يتعظ
من الإنجيل في قراءته الدائمة له.
3- أن يسعى
إلى الإرشاد الروحي بطرق كثيرة وهي بدورها تكون كفيلة على التوبة.
4- ممارسة
الفضائل وعلى رأسها الإحسان وأعمال الرحمة. فالكتاب المقدس يقول: (داوِ
خطاياك بعمل الإحسان). ويؤكد الآباء في قولهم :(كل رذيلة تُداوى بالفضيلة
المعاكسة).
ثامناً:
ثمار الاعتراف
عن طريق
الاعتراف نعالج أنفسنا بتحريرها من خطاياها. فالمسيح بالنسبة للمعترف هو
طبيب يشفيه من أمراضه عن طريق الكنيسة، بدلاً من المستشفى وعيادة الطبيب.
والمريض الذي لا يتقيد بالنظام العلاجي للشفاء يبقى مريضاً. وهكذا الأمر في
الكنيسة، فإن الخاطئ الذي لا يستجيب لإرشادات الأب الروحي يبقى غارقاً في
خطاياه. فالمعترف في الأساس هو إنسان يثق بالمسيح ويؤمن به, ويتجلى إيمانه
بواسطة شفائه وإلا فلا معنى لهذا الإيمان. لأنه في نفس كل إنسانٍ توجد
طاقةٌ روحية، يصلي بها بلا انقطاع في داخل قلبه. هذه الطاقة تُحرِقها
الخطيئة وتوقف عملها. وقد كشف عنها الآباء القديسون فتبين لهم أنها أداة
فيزيولوجية تحتاج إلى شفاء. وجدوا ألا شيء يشفيها البتة إلاّ الإرشاد
الروحي. الذي يبدأ باعترافٍ صحيح، فيتولى الأب الروحي قيادة هذا الابن إلى
الاستنارة الروحية، وهذا ما يخرج الإنسان من مرضه إلى شفائه بعد تحرره من
خطاياه. وليتورجية الكنيسة بأهمية نصوصها تشهد على ذلك.
نحن نتعامل
مع المعترف لاهوتياً. لأن اللاهوت هو الشافي. فلا أحد غير الله يشفي
الإنسان من أمراض أهوائه. وحتى يتحقق هذا، على المعترف أن يأتي إلى بيت
الله أي الكنيسة بملء حريته، ويقر إقراره بصدق. فيقتني علاجياً طهارة القلب
والسلام الداخلي. والسلمي يقول: (إن الطهارة الكاملة هي أساس علم اللاهوت).
ولكي ينال المعترف الطهارة يجب أن تتحد حواسه بالله بصورة كاملة. فتأتيه
(النعم الإلهية بدون تفكير).
هكذا عاش
الرسل واكتسبوا علم اللاهوت مكتوباً بالروح القدس. وساعدوا بعونه كافة
الخطأة. وهو ما حوَّل الخطاة إلى أناسٍ متقدمين في الفهم الأخلاقي وفي
المعرفة الروحية. حتى أن كل فرد قد صار شخصاً مقتدراً على التمييز بين
الفضائل والرذائل حتى في أحاديثهم. وكل هذا حصل بعد عون الأب الروحي لهم،
وهو ما جعل أحاديثهم أحاديثاً لاهوتية فبدون التطهر والتسلح بالإرشاد
الروحي والمعرفة الروحية لن يكون حديثهم لاهوتياً، بل ربما تحولت أحاديثهم
بحسب مكسيموس المعترف إلى (علم لاهوت شيطاني).
إذن التكلم
عن اللاهوت يأتي كثمرة شفاء الإنسان وليس عن طريق منهج منطقي.
علاج النفس
للإنسان الخاطئ من قبل الأب الروحي يعني بصورة رئيسية علاج وتحرير العقل من
الخطيئة التي اصطبغت بها، لأن كتابات الآباء تتلخص في هذا المجال بالقول:
(إن كل خطيئة وكل هوى يميت العقل).
من أجل ذلك
لا يستطيع الأطباء النفسيون أن يعطوا المعونة بدرجة كبيرة, طالما أن المسيح
هو الذي وحده يستطيع أن يستعيد العقل المائت بالأهواء.
ولمعرفة
نجاسة العقل المحتاج إلى معالجة يكتب القديس مكسيموس قائلاً: (إنها تُعرف
من أربعة أشياء: الشيء الأول هو أن يكون لديه معرفة خاطئة. الثاني هو الجهل
بالأمور الكونية أو المسكونية. الثالث هو وجود أفكار شهوانية. الرابع هو
الموافقة على الخطيئة). وهذا ما يُوجد الحاجة إلى علاج يسميه الآباء:
(إحياء وتطهير العقل). عنه يقول بولس الرسول: "لنطهر ذواتنا من كل دنس
الجسد والروح, مكملين القداسة في خوف الله" (2كو1:7). وبطرس الرسول يقول:
"أحبوا بعضكم بعضاً من قلبٍ طاهرٍ بشدة" (1بط22:1). إن تطهير العقل وتحريره
من الأهواء يؤدي إيجابياً إلى النجاح المطرد للكيان الإنساني الساعي إلى
استنارة العقل. وهذا يتم عند الإنسان المؤمن. لذا علينا أن نحافظ على
إيماننا لأن المحافظة عليه هو الذي يمنع أن يُشوّه الشفاء تلقائياً. وهكذا
يلتقي الاعتراف بالتحليل النفسي في نقطةٍ مركزية، وهي أنه لكي يستطيع المرء
أن يُشفى عليه أن يشعر أنه مريض, لأنه إذا لم يكن المريض واعياً لمرضه فإنه
لا يلجأ إلى الطبيب. وهكذا تظهر معرفة الذات هي مدخل الخطوات الأولى نحو
الشفاء. وفي الاعتراف يجب أيضاً أن يصاحب الشعور بالمرض "إدانة الذات"
وتبكيتها. وهذا يؤكد أن التواضع في النفس موجود. وهكذا تظهر أهمية الإحساس
بالمرض وإدانتها، ولكن ذلك لا يكفي لوحده، بل يحتاج المخطئ للمعالجة، التي
يقوم بها الأب الروحي.
تاسعاً:
خاتمة: من هو الأب الروحي؟
الأب
الروحي هو من يلد أبناءً بالروح القدس. وهو إنسان له مع الله خبرة تنعكس
على علاقته مع أبنائه الروحيين، يعينهم كما الطبيب يعين مرضاه في عيادته،
ولكن معونة الأب الروحي تكون بمعطيات روحية. عبرّ عن هذا الدور بولس الرسول
بكثير من الوضوح في قوله: "لا أكتب هذا لأجعلكم تخجلون، بل لأنصحكم نصيحتي
لأبناء أحباء. فلو كان لكم في المسيح عشرة آلاف مرشد فما لكم آباء كثيرون
لأني أنا الذي ولدتكم في المسيح يسوع بالبشارة التي حملتها إليكم. فأناشدكم
أن تقتدوا بي" (1كو14:4-16).
فالأب
الروحي غنيّ بالكلمة الإلهية. يشفي النفوس حسب تعاليم الإنجيل والآباء
القديسين، وليس بإطلاق شهواتنا، بل ليحررنا من شهواتنا. ومن أهم صفاته أنه
أبٌ رحيمٌ على مثال الأب في مثل (الابن الضال). ولكنه في ذات الوقت، يكون
عالماً وطبيباً أثناء تعاطفه مع ابنه ليشمله برحمة الله.
والنموذج
الذي سآخذه من الكتاب المقدس للأب الروحي النموذجي هو النبي موسى، خاصةً
عند قيادة شعبه في رحلة الخروج. ولنا في هذه القصيدة الروحية للقديس سمعان
اللاهوتي الحديث ما يظهر تطبيقه لقيادة موسى على حياته، فيقول: (لقد جاء
ووجدني عبداً وغريباً وقال: تعال يا بني سوف آخذك لله. لقد قرّبني منه
وعانقني بشدة ثم قبَّلني بقبلةٍ مقدسة. وكان عطر عدم الموت يفوح منه. لقد
آمنت وأحببت أن أذهب معه واشتقت أن أخدمه وحده... وأخذني بيدي ومش قدامي
وهكذا بدأ يعبر بي الطريق. بعدها نجح القديس سمعان في التحرر من الأهواء من
خلال تدخل أبيه الروحي. فاستعطفه قائلاً: تعال يا سيدي فلن ابتعد عنك، لن
أعصي أوامرك بل سأحفظها جميعها).
وبهذا النص
أختم هذه المقارنة بين الاعتراف والتحليل النفسي، كاشفاً لكم غنى الاعتراف
كخطوةٍ على طريق المؤمن ليخرج من خطيئته، ويعود مرةً أخرى لتشمله رعاية
الله وحبه. |