رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

دَيريْ القديس جاورجيوس والشيروبيم - صيدنايا - .....................جديد الموقع: صفحة نشاطات الدير - آب :رياضة روحية لجامعين التعليم الديني - قطينة..................مخيم يسوع فيك أبتدي لثانويي الفرع الشمالي مدارس الأحد الأرثوذكسية - مركز دمشق...................................صفحة صوت الديرين: حديث الأسبوع 5 أيلول: أنتم هيكل الله (الأرشمندريت يوحنا التلي)....................صفحة صوت الراعي: التوبة (لصاحب الغبطة البطريرك إغناطيوس هزيم) من كتاب آلام فقيامة...........................صفحة سؤال وجواب: ما هي رموز الإكليل؟..................................صفحة مساهمات القراء: تأملات : للأب فادي هلسة "يسوع هذا الشخص الفريد"..........................صفحة الأخبار : حديث روحي للمطران أفرام كرياكوس في دير القديس جاورجيوس

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

حديث الأسبوع (7 شباط)

أرشيف

وعظة الأحد

                      محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

                       رعية كنيسة القديس إليان الحمصي

               حمص 4-2-2010

الفضائل والرذائل

أولاً: مقدمة

الله بقصده الإلهي يريد أن يجمع بين الناس وشخصه, كما يريد أن يجمع الناس فيما بينهم. ولوحدة الشركة هذه تستدعي تقدم البشر في إتباع حياة أخلاقية تتمسك بالفضائل وتنبذ الرذائل. لأن الإنسان يصل إلى الكمال الأخلاقي عن طريق الأولى, وينحدر إلى ذروة الانحطاط عن طريق الثانية.

إلا أن الكمال الحقيقي يتحقق من خلال علاقة الإنسان بالله في بحثه عنه والاقتداء به. لذا عليه أن يتبع الطريق التي يرسمها الله له, والتي سيجد فيها وحدها نموه الروحي والأخلاقي، وهو ما عبر عنه الكتاب المقدس بقوله: "السير مع الله" (تك24:5) وأيضاً (تك9:6).  + وسار أخنوخ مع الله

                                                                        + وسار نوح مع الله

هذه العلاقة مع الله يجب أن تكون علاقة حية ومعاشة معه. ومتطابقة مع كلامه, وعاملة بطاعته، ومنفذة لأوامره, ومستمرة دوماً في اتجاهها نحوه بعمقٍ وثباتٍ. حينها يستحق الإنسان المحافظ على مسيرته هذه مع الله بأن يكون هو "الصديق".

إن أفضل فضيلة نقتنيها هي (إتباع طريق الرب) لتصير بالنسبة لنا الفضيلة الأساس, والتي منها تأتي كل الفضائل الأخرى. وهذا ما يقوله الرب عن إبراهيم: "لأنني قد اخترته ليوصي بنيه وأهل بيته من بعده, كي يحفظوا طريق الرب عاملين البر والعدل" (تك19:18). أما الرذيلة فهي على عكس ذلك، فهي تقوم على خيانة العهد في السير مع الله، وتصر على الابتعاد عن طريقه، كما حصل للشعب في عهد موسى. ففي الوقت الذي تناول فيه موسى لوحي الشريعة من يد الله على جبل سيناء، كان الشعب قد انحرف عن الطريق الذي أمرهم الله به, محتفلين بلهو ومجون بعيداً عن الطريق الذي رسمه الله لهم (راجع خر:32). مستبدلين عيش الفضيلة بالانحراف في إتباع الله، الموصوف بـ "طريق الرب" حسب لغة الكتاب المقدس, وخضوعهم للأمر الذي يتضمن وجوب طاعة الله والأمانة له، بيقينٍ صادرٍ عن القلب. ونابعٍ من المحبة مكوِّنة الشريعة الأساس مع الله. لأن القلب هو تربة جذور الفضيلة أو الرذيلة. مما يسمح لكلام الله أن يكون سقاية هذا القلب، جابلاً تربته بحب الله الذي هو روح كل فضيلة.

فالمؤمن الفاضل هو من يخصص قلبه كله لله، ويطلب أيضاً الله من كل قلبه. أما المنافق فقلبه خالٍ من الله، ويعيش بدون أن يأخذ له اعتباراً، ويتصرف كأن الله غير موجود. فحياة الفضيلة هي الدرب الذي يقود سلوك الفرد وتصرفه ليكون سلوكاً باراً، كما إلى الفضائل التي تتأسس عليها العلاقات الاجتماعية. والبر الذي نتحدث عنه، نجده عند يسوع فهو الذي يتعلق بالعظة على الجبل. ويتلخص بأنه "بر القلب النقي بعيداً من كل رغبة شريرة، والممتلئ محبة رحيمة تشمل حتى الأعداء ذاتهم" (الإصحاح الخامس من متى). أما ما ينجس الإنسان فهو "رذائل قلبه" لأن يسوع يقول: "فمن القلب تنبع الأفكار الشريرة: القتل, الزنى, الفسق, السرقة, شهادة الزور, التجديف. هذه الأمور التي تنجس الإنسان" (مت19:15-20).

 ثانياً: ينبوع الفضيلة والرذيلة

لسنا بحاجةٍ للبحث عن منبع آخر للرذيلة خارج الإنسان ذاته. فبانفصاله عن الله بالخطيئة, قد صار غير قادرٍ أن يسيطر على شهواته, وأن يستمر سيداً لذاته كما كان قبل الخطيئة. وبما أنه مدعو ليكمل العالم، فإن استحقاق وجود الخطيئة قد جعله مفسداً له, ويوحنا الرسول يقدم لنا توضيحاً لهذا بقوله: "كل ما في العالم من شهوات الجسد, وشهوات العين, وترف المعيشة, ليس من الآب, بل من العالم. وسوف يزول العالم وما فيه من شهوات, أما الذي يعمل بإرادة الله فيبقى إلى الأبد" (1يو16:2-17).

هذا يعني أن الإنسان سيكون غير قادر على حياة الطهارة بدون عودته لله. والذي يمنعه هذا البعد من أن يكون الله منبع قدرة الإنسان، حيث يقول بولس الرسول: "تشددوا في الرب وفي قدرة قوته" (أف10:6). لأن الله قادراً أن يخلقه خلقاً جديداً: "قلباً نقياً أخلق في يا الله, وروحا مستقيما جدد في أحشائي" (مز50). في العهد الجديد يظهر لنا كيف يتم هذا الأمر كنبع عطاءٍ جديدٍ بواسطة الروح القدس، معطي الفضائل كلها، والمسيح يكشف لنا كمعلم دور الروح القدس داخل القلب حيث يقول: "وأما الروح القدس المعين الذي سيرسله الآب باسمي, فإنه يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم" (يو26:14) وراجع أيضاً (يو13:16).

الروح القدس يحررنا من كل الشهوات الجسدية، التي تجعل الإنسان عبداً لرذائله حسب ما يقول بولس الرسول: "أما أعمال الجسد فظاهرة وهي: الزنى والنجاسة والدعارة والسحر, والعداوة والنزاع والغيرة والغضب, والتحزب والانقسام والتعصب, والحسد والسكر والعربدة وما يشبه هذه" (غلا19:5-20). ويمنحنا فعل المحبة التي هي رأس كل الفضائل, واكتسابنا لها بالروح القدس يفيض في قلب الإنسان، وتجعله يأتي بالثمار التي هي خلاصة جميع الفضائل التي تغذيها هذه المحبة. فبولس الرسول يقول في هذا: "وأما ثمر الروح فهو: المحبة والفرح والسلام, وطول الأناة واللطف والصلاح, والأمانة والوداعة وضبط النفس, وليس من قانون يمنع مثل هذه الفضائل" (غلا22:5-23) وعلى هذا النحو يثبت الروح قيم الإنسان قبل الخطيئة في داخلنا. فبولس الرسول يقول في هذا: "أحني ركبتي للآب .... وأن يمد الروح الكيان الداخلي في كل منكم بالقوة المؤيدة, ليسكن المسيح في قلوبكم في الإيمان..." (أف14:3-17).

والكتاب المقدس يذكر الكثير من الرذائل والتي ترتكز كلها على قاعدة جهلنا بإلهنا الحقيقي. وهو يعرض اتجاهها الكثير من الفضائل خاصةً حين يعرض أمامنا حياة يسوع، الذي قدم لنا بشارته على أساس المحبة بكونه "أحبنا لدرجة أنه بذل نفسه لأجلنا" (أف2:5). كما وأنه كان هو الأمثولة لنا أيضاً في (وداعته وتواضعه) لنتخذ مثالاً في الفضيلة يحتذى به. ولقد عبر بولس الرسول عن ذلك بإعلانه أن (المحبة) هي أعظم الفضائل، وقدمها لنا مشتركة مع رفيقتيها، لنقتني كنز الفضيلة متمثلاً بهذه الثلاثة وهي: (الإيمان والرجاء والمحبة) دون أن نهمل قوله لنا (ولكن أعظمهن هي المحبة) أنه فيها رباط الكمال, وهي التي تقيم ملكوت سلام المسيح, الذي فيه يكون البشر جسداً واحداً. وهذا ما يوضحه بولس الرسول بقول: "فالبسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفاتٍ ولطفاً وتواضعاً ووداعةً وطول أناة، محتملين بعضكم بعضاً ومسامحين بعضكم بعضاً إن كان لأحد على أحد شكوى كما غفر لكم المسيح هكذا أنتم أيضاً. وعلى جميع هذه البسوا المحبة التي هي رباط الكمال. وليملك في قلوبكم سلام الله الذي إليه دُعيتم في جسدٍ واحدٍ. وكونوا شاكرين" (كو12:3-15).

 ثالثاً: أقوال رهبانية في الفضائل

+ سُئل شيخ: كيف يقتني الإنسان الفضيلة؟ فأجاب: (إن شاء أحد أن يقتني فضيلة ما, فعليه أولاً أن يمقت الرذيلة التي تضادها, حينئذ يستطيع أن يقتنيها. فإن شئت أن تقتني التواضع فأبغض الكبرياء. وإن أحببت أن تضبط إرادتك فامقت الشر. وإن شئت أن تكون عفيفاً فامقت الفسق. وإن شئت أن تكون زاهداً في المقتنيات فامقت الفضة. ومن يريد أن يضبط غضبه فليبغض مشيئاته. ومن يريد أن يضبط بطنه فليبغض الملذات. ومن أراد عدم الحقد فليبغض العيوب, ومن يريد أن يحصل على مخافة الله فليمقت راحة الجسد. فعلى هذه الصفة يمكن أن نعبد الله بإخلاص).

يقول أحد القديسين: (تريد الفضيلة منا أن نريدها لا غير).

+ يقول القديس اسحق السرياني: "لا تظنن في نفسك أنك تنال مسيرة فاضلة بغير تعب". وقال أيضاً: (خمس فضائل بدونها جميع طبقات الناس لا يمكنهم أن يكونوا بلا لوم, وإذا حفظها الإنسان يخلص من كل مضرة, ويصير محبوباً عند الله والناس. وهي هذه: جسد عفيف, لسان محترس, زهد في الرغبة والشره, كتمان الشر في سائر الأشياء بغرض مستقيم إلهي. إكرام كل طبقات ومراتب الناس... لأن الكرامة توجب الكرامة, ولازدراء يجلب الازدراء, والذي يكرم الله يكرم هو أيضاً منه).

 رابعاً: الفضائل وعيشها

1- المحبة: وهي الأساس الذي ترتكز عليه حياتنا المسيحية. مع الله ومع الإنسان الآخر. لذلك قال القديس أفرام السرياني: (طوبى لمن يقتني محبة الله, لأنه يحوي في ذاته الله نفسه). وهذا يتناسب مع قول يوحنا الإنجيلي: "لأن الله محبة, ومن يثبت في المحبة يثبت في الله, والله فيه" (1يو6:14).

الإنسان المحب هو إنسان مقدام شجاع لا يقف في وجهه شيءٌ لأنه يبتغي الخير. وبكونه يقتني المحبة، فإنه يتغلب على كل شيء بعون الله الذي فيه. لذلك نجده لا يخاف: "لأن المحبة تطرد الخوف خارجاً" (1يو18:4) وبمحبته يتعامل مع كل الناس على أنه دونهم وأقل منهم شأناً, فيتقبل كل شيء "ويصبر على كل شيء" (1كو7:13) لأن الذي يحب لا يكون مفضلاً ذاته على الآخرين. وهو لهذا لا يتكلم على أحد, بل يبتعد عن النميمة وعن كل آخر يضيع أوقاته بالنميمة على الآخرين. وهو لا يحسد ولا يفتري على أحدٍ أيضاً, ولا يفرح لأخطاء الآخرين. وإذا حدث أن أخاً له ما أذنب معه أو مع غيره فهو لا يذمه, بل يحزن من أجله ويسعى لعونه ومساعدته. وإذا وجد آخر كائناً من كان في احتياج لأمر مادي أو معنوي: ليتحرك نحوه مساعداً إياه، حتى لو اضطر أن يشاركه في عوزه.

من جهةٍ أخرى، فإن المحبة تربط هذا الإنسان المحب بالله وبالناس على السواء، كما قرنت الوصية العظمى هذين الأمرين: "أحبب الرب إلهك من كل قلبك... وقريبك كنفسك"، ونفهم من هذا أن ربط الوصيتين معاً يعني تأسيس المحبة بين الناس على المحبة لله، وأن محبة الله لن تَصدُق دون محبةٍ للقريب كما يقول يوحنا الإنجيلي: "ونحن نحب لأن الله أحبنا أولاً. فإن قال أحد أنا أحب الله ولكنه يبغض أخاه فهو كاذب, لأنه إذا كان لا يحب أخاه الذي يراه, فكيف يحب الله الذي لم يره قط؟" (1يو19:4-20).

وأقوى تعبير للمحبة ورد في "نشيد المحبة" (1كو13) حين يصفها بولس الرسول قائلاً: "المحبة تتأنى وترفق, المحبة لا تحسد, المحبة لا تتباهى, ولا تنتفخ, لا تأتي قباحة, ولا تطلب ما لنفسها, لا تحتد ولا تظن السوء" (1كو4:13-5) تصوير المحبة على هذا النحو يجعلنا ننبذ التصرفات الخاطئة مثل التباهي والانتفاخ من التكبر, وعمل ما هو قبيح, والسعي وراء المصلحة الشخصية, والغضب, والحقد على السواء. لأن المحبة تتجاوز الميول النفعية الهدامة, وفي الوقت عينه تعمل على تغيير الإنسان بامتصاص الشر القابع فيه. لذا نجدها تهب حاملها الفرح, وتجعله يحتمل المحن, ويثبت في الخيبات.

وإذ ما رسمنا صورة المحبة نجدها تحمل كل الفضائل, وهذا هو الأساس الذي يجعل كامل الأخلاق المسيحية تتزود بها. وهو ما نجده ظاهراً في أمر الأسرة المتحابة حين تنعكس محبة الأبوين على الأولاد. كما نجدها في الالتزام الاجتماعي الذي يقوم على المحبة المتضامنة أيضاً. ولنا شهادةٌ في هذه النقطة من المغبوط أوغسطين حول المحبة يقول فيها: (ألزم نفسك نهائيا بالوصية القصيرة التالية: أحبب وافعل ما تشاء, إن صمتَّ فاصمت عن محبة, وإن تكلمت فتكلم عن محبة, وإن أنَّبت فأنب عن محبة, وإن داريت فدار عن محبة. لتكن المحبة متأصلة في قلبك. ومن خلال هذه الأصول, لن يزهر سوى الخير).

ولا بد من التأكيد على أن من يحب إنما يصنع مشيئة الله فيكون تلميذاً له. لأن يسوع قال: "من هذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن أحببتم بعضكم بعضا" (يو35:13) وهذا ما يعرفنا حقيقة أن من يحب لا عدو له سوى الشيطان. وخارج الفضائل المسيحية فإن كلّ من ابتعد عن المحبة صار مسكيناً وشقياً, لأن الذي لا يقتني محبة المسيح هو عدو له, لأن السيد المسيح قال: "الذي يبغض أخاه هو قاتل, ويسلك في الظلمة, ويستعبد بسهولة لكل خطيئة". وأختم هذه الفقرة بقول للسلمي في نهاية كتابه (السلم إلى الله) يقول فيه: (وأخيراً بعد كل ما قلناه, يبقى أن نتكلم عن الفضائل الثلاث التي هي رباط سائر الفضائل, تضمها إلى بعد وتضبطها, وهي الإيمان والرجاء والمحبة, وأعظمهن المحبة, لأن الله يسمى محبة).

2- الإيمان: وهو المدخل لعلاقةٍ سليمةٍ تقوم بين الله والإنسان. و "كل ما ليس من الإيمان فهو خطية" (رو23:14) لذلك فإن الإيمان هو الوسيلة التي يحيا بها الصالحون. "أما البار فبالإيمان يحيا" (عب38:10) كما أن الإيمان هو أحد الفضائل المسيحية الكبرى "الإيمان والرجاء والمحبة" (1كو13:13) ولكن لا فائدة من الإيمان بالله بدون علاقةٍ خاصةٍ به، تقودنا إلى محبته وطاعته، وتنقلنا إلى حياة نحياها هنا على الأرض، نؤكد بها صدق إيماننا بما نجنيه من ثمار حسب قول السيد المسيح: "من ثمارهم تعرفونهم" (مت20:7).

وإذا عدنا إلى الكتاب المقدس نجد أن الإيمان منبع ومركز للحياة الدينية أجمع. فاقتداءً بمثال إبراهيم "أبي كل المؤمنين" (رو11:4) قد عاشت شخصيات مثالية من العهد القديم, كل فرد منها كان يتجاوب مع قصد الله، الذي يحققه خلال الزمن الذي "يتممه يسوع حتى الكمال" (عب 2:12) .

والإيمان مرتبط (بالثقة) حسب تعريف بولس الرسول له: "أما الإيمان فهو الثقة بأن ما نرجوه لابد أن يتحقق, والاقتناع بأن ما لا نراه موجود حقاً" (عب1:11) وأيضاً هو مرتبط (بالأمانة)، وعلينا أن نكتشف هاتين الصفتين في يسوع المسيح الذي كان مثلاً للتلاميذ "الذين آمنوا به" (أع44:2) لنصير نحن من "الذين يؤمنون" (1تس7:1). والشخصية النموذجية الأبرز المرتبطة بموضوع الإيمان هي شخصية إبراهيم أبو المؤمنين، الذي استجاب لدعوة الله له فترك أرضه وعشيرته، منتقلا إلى الأرض التي دعاه الله إليها. وعلى هذا الإيمان ظهر التزامه الأكبر حين طلب الله منه تقديم ابنه ذبيحةً له، فاستجاب بإيمانه للنداء ولباه دون تردد، ولكن الله استبدل ابنه بكبش في اللحظة المناسب.

دورنا أن نكتشف الإله الحقيقي كما هو في مثال إبراهيم، وحينها نسلم أمرنا إليه. وأهم ثقة تربطنا بالإيمان هي موضوع (القيامة) فنسير على درب التلاميذ الذين صاروا شهوداً لمعاينتهم ليسوع. أما نحن فينطبق علينا القول: "طوبى لمن آمن ولم يرَ" (يو29:20).

وعلينا أن ندرك أنّ جوهر الإيمان هو أن نؤمن بالله قبل كل شيء. "فمن المستحيل إرضاء الله بدون إيمان. إذ من يتقرب إلى الله لا بد له أن يؤمن بأنه موجود. وبأنه يكافئ اللذين يسعون إليه" (عب6:11) فالإيمان بحسب أغسطينوس المغبوط هو: (رأس الحياة الصالحة). وهذا يتحقق لنا بحسب الأمور التالية:

1- المعرفة التي تأتي نتيجة الإيمان. وذلك حين يدخل الإنسان في حياة الإيمان العملية, فتمر عليه التجارب والخبرات     وهو ثابت، فيرى معونة الله له في الضيقات المتنوعة كلها. حينئذ يكتسب من خبرات إيمانه لوناً آخر من المعرفة العملية, تكون طريقه لترسيخ الإيمان في قلبه أكثر.

2- الإيمان عنصرٌ بسيطٌ في حياتنا، يتلاءم أكثر مع حياتنا عندما تكون بسيطة وبعيدة عن شكوك العقل. لأن إنسان الله هو الذي يؤمن ببساطة أن الله قادر على كل شيء, وهو ما يجنبه الحكمة البشرية التي تضعف إيمانه.

3- القراءة في عجائب الله وقديسيه: مثل هذه القراءة تلهب قلب المؤمن ليتكل على الله ويثق به. فيستفيد المؤمن من أحداث حياتهم التي تساعده ليتلمس يد الله في حياته.

4- الشجاعة: هناك أمور إيمانية تحتاج إلى شجاعة وجرأة قلب، لا تنبني إلا على الثقة بالله وتصديق مواعيده. فالإنسان الخائف لا يقدم على القيام بما هو مطلوب منه بسبب الخوف, أما الذي بقوة الإيمان لا يخاف فإنه سيكتسب إيماناً جديداً عملياً. "من له سيعطى ويزاد" (مت12:13).

5- الصلاة: الاستزادة والتعمق بالإيمان يأتيان عن طريق الصلاة. خاصة عندما نبدأ كل عمل بالصلاة، وهو ما يمنحنا إعانة الله في بدايته، والفرح عند نهايته. فمعيقات الإيمان هي: الأخذ بالمعرفة الطبيعية وحدها، والخوف والشك والتكاسل عن الصلاة والمطالعة الروحية.

إن ما بقي علينا أن نقوله هو أن الإيمان هو نقطة بداية اتحادنا بالله. نصله عن طريق أعمال الإيمان التي هي: المحبة والسلام والصبر والوداعة والتواضع، مع حمل الصليب. وبشكل عام يمنحنا الإيمان عيش الحياة بنعمة الروح القدس. لأن "الإيمان بدون أعمال هو ميت" (يع26:2).

3- الرجاء: يقول بولس الرسول بأن: "يسوع المسيح رجاؤنا" (1تيم1:1) فالمسيح هو رجاء كل العالم. والله عند سقوط الإنسان أعطاه الرجاء بوعده أن نسل المرأة أي يسوع، سيسحق رأس الحية أي الخطيئة. فصار المسيح منذ ذلك الوقت أملنا، الذي يتحقق خلاصنا به على الصليب. الفداء تم، والرجاء مستمر، لأننا ننتظر أن يكون لنا مع المسيح نصيب في الدهر الآتي, لنستنير ببهاء نوره الأبدي.

ولكي لا يكون الرجاء رجاءٌ باطلاً وكاذباً، يجب ألا يبقى عمل الإنسان الذي يجابه به تحديات الحياة، مرتكزاً على قواه الذاتية، في حين أن الرجاء الحقيقي يفتح أمامه ملكوت الله. وهذا ما يجعل الأمور التي تخص حاجات الحياة الوقتية سهلة الطلب، وتُعطى لصاحبها بكل تأكيد.

الرجاء المحمول في القلب الذي يُعطي لمن يحمله سلاماً. بل إنه يقدم له أكثر من ذلك، لأن الرجاء يعطي مع السلام الفرح في القلب. هذا الفرح حازه سمعان الشيخ يوم تحقق له وعد رجائه, كما عرضه الإنجيل بقوله: "كان قد أوحي إليه بالروح القدس أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب" (لو26:2). وكانت اللحظة المشتهاة له قد تحققت أخيراً، حين تقبل فيها المخلص على يديه، وبهناوة وطمأنينة قال شهادته الأخيرة: "الآن أطلق عبدك أيها السيد حسب قولك بسلام لأن عيني قد أبصرتا خلاصك" (لو29:2-30).

وبما أن الرجاء هو أحد الفضائل الكبرى "الإيمان والمحبة والرجاء" (1كو13:13). فإننا نرى أن الإيمان يولِّد الرجاء. ومن يكن له رجاء في الله ينل محبته. هكذا نكتشف صلة الربط الوثيق بين هذه الفضائل الثلاث. ولهذا فنحن لا نفصل الواحدة عن الأخرى. ولكننا نميزها عن بعضها لتتضح لنا خصائصها. ومن المفيد القول أنه كلما ازداد ارتباط الرجاء بالإيمان والمحبة. زاد ارتباط الفرح في قلبه أيضاً واستمر, وكذلك أيضاً ارتباط التوبة بنيل التعزية. ولذلك يصف بولس حالنا في قوله: "فرحين في الرجاء" (رو12:12).

4- التواضع: بقدر ما تشمئز نفوسنا من المتكبرين المتغطرسين الذين لا يروا في الوجود إلا أنفسهم، يميزون ذاتهم عن الآخرين وكأن الدنيا خُلقت لهم وباقي الناس خُلقوا فقط من أجل خدمتهم. كلما كثر الناس الذين على هذه الصورة فإننا نقترب أكثر من الوجه الآخر لهؤلاء الناس، هذا الوجه الذي يتمثل بالأشخاص المتواضعين. متذكرين قول السيد له المجد: "تعلموا مني فإني وديعٌ ومتواضع القلب" (مت29:11).

فالمتواضع هو بعكس المتكبر. هو إنسانٌ لا يستطيع أحدٌ أن يسبقه في جعل ذاته دون الآخرين. وفي هذا تكمن عظمته فهو قد اقترب من التشبه بشخص المسيح الذي وضع نفسه في هذا الاتضاع ليكون وهو إله يتصرف على أنه الأصغر بين إخوته البشر.

فالتواضع فضيلةٌ يصعب علينا تفسير ما هيتها، لأن التواضع يصعب علينا أن نحتويه في تفكيرنا إلا بمعاناةٍ كبيرة لأنه بحسب لغة الآباء هو عملٌ إلهيٌ كبير، وطريقه يكون عبر الأعمال الجسدية التي تتمم معرفتنا به. فمن لا يضع نفسه أدنى من الجميع سوف لن يكون له نصيبٌ به أو بمعرفته المسبية. أما معرفته الكلية فهو أبعد منالاً لأنه عملٌ إلهي. وعندما نصل إليه فوصولنا مقرون بنعمة الله التي تساعدنا لاحتواء هذه الفضيلة التي يحتاج استمرارها فينا إلى صلاةٍ دائمة.

فلتتعود على لغة التواضع التي تستدعي منا أن نتعلم لغتها الخاصة التي تتمثل في عيش الفضائل كلها بروح الإنسان المتواضع الذي يعرف كيف يطلب المغفرة من الله ومن الناس. فاستعمالنا لكلمة (عفواً) في حديثنا مع الآخرين تلخص هذا الاستعداد الداخلي الذي أوصله الروح القدس إلى هذه الرقّة النبيلة في علاقته بالآخرين. فبالتواضع نكتسب قدرة على عيش فضائل كثيرة من خلالها. لماذا؟ لأن الرقة والتواضع كلاهما يؤكدان على موت الأنا ليعتبر الإنسان نفسه أنه غير موجود. وأن كل ما يفعله من صلاح إنما هو آتٍ من الله، بكونه هو الذي يقود هذا المتواضع إلى الإنسان الآخر لذلك نتابع حديثنا عن التواضع بأقوالٍ لبعض الآباء كما يلي:

+ سُئِلَ شيخ: (ما هي أعظم الفضائل؟) فقال: (إذا كانت الكبرياء أشر الخطايا حتى إنها أهبطت طائفة من السماء إلى الأرض, فمن البديهي أن يكون الاتضاع الحقيقي المقابل لها أعظم الفضائل, إذا هو يرفع الإنسان من الأعماق إلى السماء، وقد طوبه الله قائلاً: (مغبوطون أولئك المساكين بالروح - أي المتضعين بقلوبهم - فإن لهم ملكوت السموات).

+ قال شيخ: (إن خاتم المسيحي الظاهر هو الصليب، وخاتمه الباطن هو الاتضاع، فهذا مثل صليب الرب، وذلك مثل خلقه).

+ قال الأب موسى الأسود: (تواضع القلب يتقدم الفضائل كلها، والكبرياء هي أساس الشرور كلها).

+ سُئِلَ القديس باخوميوس: (قل لي منظراً من المناظر التي تراها لنستفيد منه). فأجاب (... إذا رأيت إنساناً متواضع القلب طاهراً فهذا أعظم من سائر المناظر، لأنك بواسطته تشاهد الله الذي لا يرى. فعن أفضل من هذا المنظر لا تسأل).

+ قال الآباء: (إن الفضائل الثلاثة الآتية جليلة جداً ومن يقتنيها يستطيع أن يسكن وسط الناس في المجتمع أو في الأديار وحيثما أراد. وهي: أن يلوم الإنسان نفسه, ويقطع هواه, ويسير تحت كل خليقة. فالمتضع كائن في أسفل, والذي هو في أسفل لن يقع. ومن ذلك يتبين أن المتعالي هو الذي يسقط بسرعة).

+ قال القديس باخوميوس: (احذر من تكبر القلب لأنه أشنع الرذائل كلها). وقال أيضاً: (اتضع بقلبك واهزم الكبرياء وابتعد عن الهم) وكذلك قال أيضاً: (كن متواضعاً لتكون فرحاً, لأن الفرح يمشي مع الاتضاع).

+  قال شيخ: (لا يمكننا أن نحوز ربنا داخلنا بدون تواضع وتعب كثير وصلاة بلا فتور).

+ سُئِلَ شيخ: (كيف تقتني النفس الفضيلة ؟) فأجاب: (إذا هي اهتمت بزلاتها وحدها).

+ الأم ثيودورة: (لا نسك ولا تعب, ولا صوم, يقوم مقام التواضع الكامل, لأنه قيل ...... لا شيء يسقط الشيطان أبداً غير التواضع. فالإتضاع هو غلبة الشياطين).

+ إذا تساءلنا عما هي الفضيلة التي تشكل معياراً صحيحاً لصحة باقي الفضائل، والذي يجعل حياتنا باقتنائنا لها حياةً روحيةً سليمة؟ نجد أن فضيلة التواضع هي التي تحظى بهذه الأهمية. فالمتواضع إنسانٌ مسالمٌ يحترم الآخرين كباراً وصغاراً, وهو بشوش الوجه وحسن السيرة. ويرى الآباء القديسون أن الإنسان بتواضعه ينال غفران خطاياه. يقول القديس يوحنا السلمي: (إذا كانت الكبرياء وحدها دون سائر الآثام قد هوت بالشيطان من العلاء، فالتواضع دون بقية الفضائل يُصعد إلى السماء).

+ التواضع يعني أن تتحمل من الآخرين كل ما يفعلونه بنا. وبهذا الطريق نعاين مجد الله في داخلنا، كما يعلمنا الآباء القديسون. والموضَّح في هذا المثل:

+ قال شيخ: (إن أردت أن تنجح في إطفاء الرجز, فاقتن التواضع، ولتكن لك طاعة ورجاء في كل أحد لأن الغضب والرجز يسوقان الإنسان إلى الهلاك ويبعدانه عن الله. أما التواضع فإنه يقتل الشر وينفيه, والطاعة هي التي جاءت بابن الله وسكن في البشرية, والإيمان خلص الناس, والرجاء لا يخزى, وأما المحبة فهي التي تدع الإنسان لا يسقط ولا يبتعد عن الله, فالذي يريد أن يخلص عليه أن يقطع هواه في كل شيء ويقتني الاتضاع).

 

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا