|
محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي
مدارس الأحد - فرقة القديسة تقلا (عاملين)
عربين 8-12-2009
ميلاد
مخلصنا وربنا يسوع المسيح
أولاً: مقدمة عامة
عيد الفصح هو عيد الأعياد وموسم المواسم كما تقول الأودية
التاسعة من قانون الفصح، ولكنه لا يُحسب مع الأعياد السيدية الاثني عشر,
فيبقى - بسبب هذا حسب قول الذهبي الفم - أن عيد الميلاد هو رأس الأعياد،
وهذا ما مكن منّ أن يدعوه فصحاً، وهو ما نجده في كتب التيبكون القديمة (تيبكون
بطرسبورغ 1900) مثلاً حيث يتسمى بهذا الاسم أي القيامة، على غرار قيامة
المسيح المجيدة. ويرى الأب توماس هوبكو أن هذه التسمية (تشدد على العلاقة
المتينة بسر خلاصنا ونجاتنا من الخطيئة والموت).
ومحاكاة عيد الميلاد لعيد الفصح يظهر في الطقوس الليتورجية خاصة.
فهناك أربعون يوماً من الصوم، وهناك استعداد يسبق العيد. حيث نقيم برامون
العيد للقديس باسيليوس الكبير مبتدئاً بصلاة الغروب، وفي هذا نشعر أن السيد
(ولد لكي يموت). فإذا ما ربطنا العيد بالغطاس نتابع القول وأنه (اعتمد لكي
يقوم).
وهذا القول من ترانيم السحر وترانيم الساعة التاسعة عشية يومي
الجمعة العظيمة. والميلاد يؤكد بمضمونه على التقارب بين العيدين الفصح
والميلاد:
اليوم عُلِّق على خشبة الذي علّق الأرض على المياه
اليوم يولد من البتول الضابط الخليقة بأسرها في قبضته
إكليل من شوك وُضع على هامة ملك الملائكة
الذي بجوهره غير ملموس, يُدرَج في الأقمطة كطفل
برفيراً كاذباً تسربل، الذي وشّح السماء بالغيوم
الإله الذي ثبّت السموات قديماً, منذ البدء يتكىء في مذود
قَبِل لطمةً، الذي أعتق آدم في الأردن
الذي أمطر للشعب مناً في القفر، يغتذي من الثديين لبناً
ختن البيعة سُمّر بالمسامير
ختن البيعة يستدعي المجوس
وابن العذراء طُعن بحربة
وابن العذراء يتقبّل منهم الهدايا
نسجد لآلامك أيها المسيح (3)
نسجد لميلادك أيها المسيح (3)
فأرنا قيامتك المجيدة
فأرنا ظهورك الإلهي
يسوع الطفل المضطجع في مغارة في مملكة أغسطس
قيصر، هو المضطجع في قبرٍ في مقاطعة بيلاطس البنطي. الذي فتش هيرودس عنه هو
نفسه الذي يمسكه قيافا. لقد دُفن في المعمودية كما نزل إلى الموت بواسطة
الصليب. والذي سجد له المجوس، ستسجد الخليقة كلها له، حين انتصاره على
الموت. فصح صليبه أعدَّه فصح مجيئه. ابتدأ فصح قيامته بفصح تجسده. فصح
معموديته سبق فأنبأ بفصح تمجيده. لهذا فالمسيحيون يحتفلون كل سنة بـ "فصح
الشتاء". بما كان الأب ألكسندر شميمن قد سماه لأول مرة.
ثانياً: الرعاة
لنتحدث الآن عن الرعاة, وهم وجه من أوجه مشاركي الحدث الميلادي,
الذين أعلمهم ملاك الرب بأن مخلص العالم قد وُلد. الفكر الآبائي يرى أن دور
الرعاة متحقق بهذه العناصر:
1- بسبب براءة الرعاة الناتجة عن وحدتهم وهدوئهم.
2- كان الرعاة يتبعون طريقة حياة آباء العهد القديم ويتزينون بفضائلهم.
وهذا يعني أن هؤلاء الرعاة لم يتم اختيارهم مصادفةً وتفصيل هذا الأمر نجده
في التأمل المرفق.
3- لكي يظهر أن المسيح سيكون الراعي الحقيقي للإسرائيليين وللأمم أيضاً.
4- ليظهر بوضوح أن المسيح اختار أكثر الناس بساطة وقدرةً على تلقي هذا
الإعلان. ولم يختر الكتبة والفريسيين الماكرين. وما النشيد الملائكي المميز
إلاّ هذا القول: "المجد لله في العلا, وعلى الأرض السلام, وفي الناس
المسرة" (لو14:2). يعطينا قدرةً أن ندرك سر تجسد المسيح وحضوره في الميلاد,
من حيث أعطى للإنسان السلام مع الله ومع أخيه ومع نفسه أيضاً وهو ما كانت
إسرائيل تتوق إليه. ولا يسعنا فهم عظمة الميلاد إلاّ من خلال (سر التجسد)
الذي فيه اتحدتَّ الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية. حاول آدم ذلك لكنه
فشل, لأنه اتكل على نفسه دون أن يبلغ الشركة الكاملة مع الله بالنعمة
الإلهية وبجهاده. ومثل هذه الغاية الأسمى كانت تستدعي أن تعمل قوى نفسه
جامعة بين طبيعتها وما فوقها. وما لم يتمكن آدم من النجاح فيه, حققه المسيح
كاملاً بدءاً من ولادته. وهذا هو ما كانت إرادة الله السابقة على الخلق
بالتمام, سيحصل سواء أخطأ آدم أو لم يخطئ. وأما ما أنتجه سقوط آدم فقد
انحصر في آلام المسيح وصلبه.
تجسد المسيح كان نهاية الخلق. كل الخليقة والإنسان الذي تسلط
عليهم الموت من أجل (الإله - الإنسان). فالإنسان الميِّت عاجزٌ عن التأله،
والخليقةُ الفانيةُ غير قادرة على القداسة, وقد زال هذا كله بسر التجسد
الذي أظهر (الإله - الإنسان).
ثالثاً: المجوس
وإذا بدت زيارة الرعاة طبيعية، لأنهم من سكان الجوار، فإن المجوس
حكماء المشرق قد أتوا من مكان ناءٍ وقاسٍ ليسجدوا للمسيح المولود جديداً.
لقد اكتشفوا المسيح بواسطة علمهم وفلكهم, وليس من إرشاد ملائكة لهم. ولم
يكن الكتبة والفريسيون هم من كشف الله لهم ذلك، رغم أنهم الأحق به ظاهرياً
بل إنه كشف هذه بالحقيقة لهؤلاء العلماء الذين يراقبون النجوم وحركاتها في
السماء.
عرف المجوس المسيح وسجدوا له بمعرفة داخلية وليس من خلال رؤية
جسدية, وهذا يعني أنهم رأوا (الإله - الإنسان) رؤية عقلية. مما يؤكد أنهم
كانوا في حالة روحية قادرة على جعلهم يرون الله ويعبدونه. فرؤيتهم المولود
على أنه (الإله - الإنسان) دلت على طهارة فكرهم, وهذا ما يثبت أن النجم
الذي رأوه في الشرق وقادهم إلى بيت لحم لم يكن نجماً عادياً. يقول الذهبي
الفم بأن ملاك الرب هو الذي قادهم من خلال ما رأوه. هذا يعني أن حادثة
النجم هي فوق عادية لأسباب بيّنها القديس نيقوديموس الآثوسي بقوله:
1- أن النجم لم يكن يتحرك فقط, بل كان يقف أيضاً.
2- هذا النجم تحرك منخفضاً من غيره من النجوم. لدرجة أنه نزل وتوقف فوق
المكان الذي كان فيه المسيح.
3- كان لامعاً أكثر من بقية النجوم.
حقاً لقد كان نجماً غريباً, فمن جهةٍ نراه قد تحرك من الشرق إلى
الغرب, كما وأنه تحرك من أورشليم إلى بيت لحم أي باتجاه الجنوب. ويلاحظ
القديس يوحنا الذهبي الفم أنه كان يظهر حتى في النهار.
وإذا تعمقنا في تأمل هذا النجم نتفق مع قول فريونيوس بأنه كان
رئيس الملائكة جبرائيل, الذي خدم وشهد سر تجسد ابن الله وكلمته. وبالتسليم
بهذا كله لأنه هو الصحيح, نستطيع أن نستنتج أن المجوس كانوا مستنيرين, وكل
مستنير هو لاهوتي بالمعنى الصحيح, لأن الاستنارة تقود إلى معرفة الله.
رابعاً: حضور الخليقة عند الولادة:
هل هناك غير الرعاة وملوك المجوس كانوا حاضرين أيضاً؟ الخليقة
كلها كانت حاضرة: الحيوانات, المغارة, المذود, الجبال, السماء وغيرها. وإذا
ما تأملنا أيقونة الميلاد نرى أن الخليقة كلها تتسلم نعمة من المسيح. هو في
وسط الأيقونة لأنه مصدر النعمة التي تفيض على الجميع. لذلك نقول في عيد
ميلاد المسيح, بأن كل الخليقة تمجد الله خالقها. ولمَ لا, فالمسيح هو صانع
الخليقة, وهي عمل يديه. فالأيقونة برسمها تظهر العلاقة بين الله والخليقة
في هذا المنظور تكسب قوة الله التي تهب الخليقة كيانها الجديد, وتمنحها
الحياة, مما يمكنها أن تشارك في قوة الخلاص المقدسة.
وللتوضيح نقول بأن الأشخاص الموجودين عند ولادة المسيح ومعهم الملائكة
أيضاً, اشتركوا في قوة الله المؤلّهة, بينما الخليقة غير العاقلة شاركت في
قوة الله المقدسة.
خامساً: تأملٌ في أبعاد ما يسمى (رأس أعياد السيد)
1- يقول القديس اثناسيوس الكبير مستخدماً تعبيراً تصويرياً بأن المغارة وهي
الغرفة الصغيرة التي انتظرت العذراء فيها ولادة المسيح هي نموذج الكنيسة,
والمذود هو الهيكل, ويوسف هو الخادم, والمجوس هم الاكليروس, والرعاة هم
الشمامسة, والملائكة هم الكهنة, والرب هو الأسقف, والعذراء هي العرش,
والحُفَر هي الكؤوس, والتجسد هو اللباس, والشيروبيم هم المراوح, والروح
القدس هو القرابين, والآب الذي يظلل كل شيء بقدرته هو الحجاب الذي يغطي
القربان.
الكنيسة هي جسد المسيح (الإله - الإنسان) الذي حُمل في رحم
العذراء, ووُلد, وتجلى, وتألم, وصُلب, وقام, وصعد إلى السماء. يُحتفل بهذا
السر العظيم في القداس الإلهي, ونُعطى جميعاً إمكانية المشاركة في نعمة
المسيح. الكنيسة ليست مؤسسة بشرية, ولا هي طقس استذكار وإشباع لحاجة
مشاعرنا.
2- الطبيعتان الإلهية والبشرية متحدتان في أقنوم الكلمة دائماً من دون
(تغير أو تشوش أو انقسام أو انفصال). وبما أن الطبيعة البشرية غير منفصلة
عن الإلهية, وبما أن (الإله - الإنسان) موجود دائماً في كل زمان, يمكننا
الآن أن نشترك في جسد المسيح المؤلّه, وباشتراكنا بجسد لمسيح ودمه
الإلهيين, نصير جسداً واحداً ودماً واحداً مع المسيح.
3- لنتأمل في نص متى الإنجيلي عن المجوس: "إذ أوحي إليهم في حلم ألا يرجعوا
إلى هيرودوس, فانصرفوا في طريق أخرى إلى كورتهم" (متى12:2). نجد أن المجوس
قد ضللوا هيرودوس, فصاروا قدوةً لنا لنضلل - حسب قول القديس نيقوديموس
الآثوسي - أفكار الجسد وملذاته. أي أن نخدع شيطان الفكر الذي يمنعنا من
السير في طريق الخلاص, فنعود من طريق آخر طريق الفضائل, لنصل إلى طريقنا
الأصلية, أي (الفردوس).
هذا يعني أننا مطالبون بعيش حياة أسرارية ونسكية. فكل اللذين يحيون نسكياً
يمنحونا الاتحاد بالمسيح في الأسرار.
4- من يسلك أسرارياً ونسكياً في تناغم مع روح التقليد, يختبر روحياً أحداث
التجسد الإلهي بصورته الشمولية. فتصبح نظرته إلى الأحداث نظرة داخلية. يقول
القديس سمعان اللاهوتي الحديث: "عندما يُطهِّر الإنسان قلبه فيستنير,
يستقبل المسيح في داخله ويفهم وثباته كمثل طفل". فالمسيح يدرك داخلاً في
مثل هذا الإنسان كطفل, فتولد الفضائل فيه, ويحيا كل هذه الأحداث في كيانه,
ويصير عضواً في جسد المسيح, ليتمكن كلٌ منا أن يتأله, وبدون هذا السعي
لبلوغ هدف الأهداف هذا، يكون الأمر بالنسبة لهذا الإنسان كأن المسيح لم
يتجسد.
سادساً:
تأمل في الميلاد
يكشف لنا الميلاد, سرَّ طبيعتي يسوع المسيح, فإن كان صعبٌ علينا إدراك سرِّ
طبيعته الإلهية. فهل سهلٌ يا ترى إدراك سرِّ طبيعته البشرية؟
إن "ظهور الله في الجسد" (1تيمو16:3) هو كشف لطبيعته الإنسانية, التي ترينا
أنه يجب علينا تجاوز ضعفات بشرينا، لأن بشرية المسيح الكاملة هي النموذج
والمثال. يكشف لنا كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم" (متى1:1),
من حيث انه وحيٌ إلهي تسلسل النسب الإبراهيمي حتى وصل إلى ذكر المسيح هذا
كله، حين يفضح النص هذه الضعفات، متذكراً أسماءاً لا نرضى عنها كمثل تامار
وراحاب الزانيتين، أو كراعوث جدة الملك داود الغريبة عن أسرة الإيمان.
إن حقيقة التجسد هي هذه, فعبر أجيالٍ تنوعت فيها الجنسيات
والأخلاق، جرت مسيرة خلاصنا في تاريخٍ ويا له من تاريخ!!
هو مقدس, ولكنه تاريخ اختلط فيه الحابل بالنابل. الله يستخدم
الجميع, ففي الضعف تكمن قوة الله, والتاريخ كنهرٍ متدفقٍ لا يتوقف, وهو
يسير بكل عناصره ليبلغ مرماه, وغاية مرماه هو إنجاز خلاصنا. ولولا اهتمام
الله بخلاصنا لما كان من ضرورة للتجسد أي لما ولد المسيح.
هذه الغاية التي يسعى التاريخ إليها فتتطابق مع ميلاد الطفل
الإلهي المعلن لخلاص الجنس البشري. فمن أجل خلاص كلٍّ منا كان الميلاد, فهل
هناك حبٌ أعظم من هذا؟ حيث يتمحور عمل الله حوله, فيتحرك ويحرك العالم
بحركته فيخضع له الملوك والشعوب والملائكة والرعاة والعلماء والخليقة بكافة
مكوناتها, وذلك من أجل خلاص كل واحدٍ منا, حيث يتحدد بالاسم والتاريخ في
تجديد ولادة بالمسيح من جديد.
الميلاد هو ميلاد المسيح ابن الله ولكنه كذلك ميلاد كل واحدٍ
منا. إنه ميلادٌ بدأ المسيح فيه بصنع الإنسان الجديد والخليقة الجديدة, فهل
يرضي حريتنا تبني هذا التكوين الجديد يا ترى؟
أو بتعبير آخر هل نهتم لولادتنا من المسيح بالروح للوصول إلى
خلاصنا, بقدر ما نهتم لولادتنا بالجسد لعيش دنيانا؟
إنه السؤال المهم الذي يطرحه حدث الميلاد على شعوب العالم أجمع, وعلى
المؤمنين بصورة خاصة.
سابعاً: تأمل في هدايا المجوس يوم الميلاد
الناس في الميلاد يزينون بيوتهم بالشجرة مع مغارة بيت لحم, ثم
يربطون هدايا جميلة بلفائف أنيقة, قائلين بأن الطفل الإلهي هو الذي أرسلها
لأهل البيوت, ولأبناء تلك العائلات.
حين علم المجوس بولادته فلكياً, متبلغين رسالةً خاصةً من الله
أعلمتهم بتجسد المسيح, قطعوا آلاف الأميال ليشاهدوا ملك الكون والدنيا,
فوصلوا إليه ورأوه, وفرحوا به ثم عبدوه ساجدين له. ثم ماذا فعلوا؟
إنهم لم يمدوا أيديهم ليأخذوا الهدايا, بل كان جلّ اهتمامهم
المنبعث من أنفسهم الصادقة, هو إدراكهم بأن (العطاء أفضل من الأخذ).
إنها رسالة الكهنة, بل هي حياة كل مسيحي مكرس. وهي أن يمد يده
ليعطي لا ليأخذ, وهذا ما فعله المجوس؛ فبعد أن "جثوا وسجدوا له فتحوا
كنوزهم وقدموا له هدايا" (متى11:1).
لقد علمونا من خلال عبادتهم للإله الحق, الإله المتجسد, أن نسير
في اتجاهٍ غير مألوف للآخرين, وأن نبتعد عما يتخذه الناس عادةً.
إن اكتشاف شخص المسيح يحررنا من اكتناز الكنوز, ليكون المسيح هو
كنزنا.
إن اكتشاف شخص المسيح هو كنزنا الوحيد.
إن اكتشاف شخص المسيح هو غنانا, فحين نرى المسيح تزول كل رغبة في
أن يبقى لنا ملك, إلا مُلكه على قلوبنا.
ثامناً: تأمل في الرعاة المتلقين أول خبر للمولود الإلهي
"وإذا ملاك الرب وقف بهم..... فخافوا خوفاً عظيماً...... ها أنا
أبشركم بفرح عظيم....." (لو9:2-11). أنه ولد لكم اليوم..... مخلصٌ هو
المسيح.
أحقاً إنهم رعاة؟ أهُمْ رعاة عاديون؟
الدراسات تنص على أنهم فئة من الرعاة مختارين بشروطٍ خاصةٍ من جهة الطهارة
والتطهير. لماذا؟ لأن عملهم مرتبط بالهيكل, فهم رعاة يحرسون قطعان الغنم
المخصصة للذبائح الهيكلية. فهم يرتبطون بـ (برج القطيع) عند (مجدال عيدر)
الواقع على تلة جبل صهيون, وهي على طريق بيت لحم, والتي تنبأ عنها ميخا
النبي بأن منها يأتي من يحكم ويملك إلى الأبد.
فالدلالة الملائكية لحراس الخراف تتقارب مع قول المعمدان
لتلاميذه, عندما رأى يسوع مشيراً إليه: "هو ذا حمل الله". والملائكة يوجهون
الرعاة ليقولوا لهم بحسب تعبير أحد الباحثين:"
أنتم تحرسون الحملان المعدة للذبح كونكم رعاة ذبائح الهيكل لتي تقدموها في
انتظار من سيقدم نفسه بدلاً من حملانكم هذه. ولكن تذكروا ما تعرفونه عن
برجكم, هذا الذي من بيت لحم, ولقد ولد فيه اليوم بكونه مكان استعلان ميلاد
الماسيا حسب انتظاراتكم".
ولقد عقب أحدهم على ذلك بقوله: "نعم كل هذا صحيح لأن به
حقاً (ولد حمل الله) في مذود, ولد الحمل المنتظر, ولد الماسيا المخلص. الذي
يبطل تقدمة الحملان, فهو الحمل الحقيقي الذي سيموت من أجل خلاصنا".
نعم, الميلاد هو تهيئةٌ لتقديم ذبيحةٍ, وهي وحدها قادرة أن تخلص
الجنس البشري. لهذا لا نرى على مذبح الرب في الكنيسة إلا أيقونة الميلاد.
ولد عمانوئيل... كما ولدت دعوة إلى الكنيسة المسترشدة بالروح
القدس, المتبنية دعوة الرعاة للسر الذي يستعلن فيه "الحمل" لتسمية رؤساء
كهنتنا وكهنتنا بالرعاة, ليستمروا مؤتمَنين على سر الحمل, ليقدموه كل يوم
على المذبح حتى يقيت ويشبع الرعية الملتفة حول حملها وراعيها. وهكذا صار
(خوف عظيم) مقرون بـ(فرح عظيم), فالبشارة صارت خوفاً وفرحاً. فرح البشارة
يأتي إلينا بالخوف ذاته الذي يطل به علينا طعامنا من ذاك الحمل المذبوح على
الصليب.
هذا فرح عظيم ينادينا ليكون لنا آذان تسمع بها هذا النبأ.
يجب أن لا نكون آذاناً لا تسمع, فالفرح بداية انطلق من الميلاد
(أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب) فالفرح لا يستقر في الجسد فقط, بل
يتغلغل في الروح أكثر. إنه يبقى في أرواحنا, لينقلنا إلى موطننا الأبدي إلى
عالم السماء. حيث لا شيء يلغي فرحنا هناك, فرحاً لن يموت.
فهم الرعاة بأن الهيكل ستقفل أبوابه. وأن عليهم الرحيل مع
قطعانهم, ليبقى هيكل القلب الروح متعايشاً, مع فرح مع الحمل الذي هو موضوع
الميلاد الحقيقي.
تاسعاً: المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام, وفي الناس
المسرة
والجند السماوي كان لا زال يقول: قدوسٌ, قدوسٌ, قدوسٌ. وقد
قابلها بشرياً مجداً وسلاماً ومسرةً. لقد انتقل التسبيح المثلث التقديس من
عالم السماء إلى ترنيم في عالم الأرض, ليزيل الشقاء الذي هو جزءاٌ منه,
ويُحِلَ مكانه سلاماً لا ينزع إلى الأبد.
نعم إن الله يريد أن يزيل أحزان البشرية بإشراقات مجده العظيم
معطياً السلام والفرح, ومحققاً لنا ما سبق وأعلنه للنبي أشعياء قبل 700
عام من ميلاد ابنه يسوع عندما قال: "الشعب الجالس في الظلمة أبصر نوراً
عظيماً, الجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور..... لأنه يولد لنا
ولد, ونُعطى ابناً, وتكون الرئاسة على كتفه, ويدعى اسمه عجيباً مشيراً.
إلهاً قديراً, أباً أبدياً, رئيس السلام" (أشعيا9)
ولادة يسوع تدعونا أن نرى النور وسط الظلام, والفرح والبر كأعظم
ما يملكه إنسان في أحقر مكان: مذود بيت لحم الذي تحول ليكون سماء بيوتنا
ودنيانا, نراه في هذا اليوم حاضراً في بيوتنا وفي عالمنا الذي استفحل الشر
فيه, ولكنَّ نور الله لا يمسه دنس, والعيون ذات البريق الروحي ترى نور
الله بالله الساكن فيها.
فرح الميلاد سعيٌ حثيث ليولد المسيح في القلب, حتى عندما يقول
لأحدنا الله: "يا بني أعطني قلبك" أن يقبل ولا ينفر منه, والقلب المقبول
عند الله هو القلب الذي يسكن فيه المسيح, إنه مذود بيت لحم داخل الإنسان.
وليس هذا هو المطلوب منا فقط, بل لنجعل البشرية تتراكض لترى في
المسيحي نور مسيحه, حسب قوله: "أنتم نور العالم". فالنور يجذب فتتراكض
البشرية كما فعل الرعاة حين قال بعضهم لبعض: "لنذهب الآن إلى بيت لحم وننظر
هذا الأمر الواقع الذي أعلمنا به الرب" (لو2: 15).
فلنتحرك بسرعة إلى حيث يقيم الرب مقلدين الرعاة الذين "جاؤوا
مسرعين, ووجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعاً في المذود" (لو16:2).
عسى أن العالم كله (يسير وراءه). عسى أن العالم كله يسمع صوتنا
متحدثين عن إعلانات الله مقتدين بالرعاة الذين لما أُخبروا بالكلام.....
نقلوه. "وكل الذين سمعوا تعجبوا مما قيل لهم من الرعاة" (لو:17-18)
فلنتحول كمثل الرعاة إلى عيون تبصر وآذان تسمع إعلانات "سر الرب
لخائفيه" (مز25: 14) علينا أن نركض إلى بيت لحم من أجل أن يركض العالم
معنا. إلى المذود, إلى حيث يوجد المسيح. عسى أن يقتدي العالم بنا ليجري
مثلنا وراء المسيح. ساعين لنكون صالحين, فتتحقق الآية الدالة عليه
والقائلة: (ها إن العالم كله يجري وراءه). "وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا
الكلام متفكرة به في قلبها"(لو19:2).
عاشراً: خاتمة
لأقول مع أحد كبار شراح الإنجيل العالم (ف. فارو) في كتابه حياة
المسيح بأن (الأمهات, هن المؤرخ الطبيعي لسني الطفولة), نقول نحن أيضاً
بأنك أيتها الأم يا والدة الإله, يا من نجلك لأن الله اختارك أماً له, ولأن
حشاك قدم لنا عمانوئيل مخلصاً بواسطتك, ولأنك عشت القدوة والأنموذج لكل من
يريد أن يعترف بيسوع رباً وإلهاً,
نتوجه إليك الآن محترمين صمت فكرك لندخل إلى عالم قلبك, الذي
احتوى الإله قبل أن يحتويه بطنك, لنصل إلى هذا المخزون الذي لن يكون لنا
إلا إذا قلدناك, مقتدين بطاعتك وأنت تحيين ذروة بساطتك. بتلك الوداعة التي
كشفتها للوقا الذي رسم أيقونة ميلاد ابنك محمولاً على ذراعيك, بعد أن رسمه
كلمة بشارة في إنجيله. لقد أعطانا من ينبوعٍ أودعه الله فيك, فأعطيته
بالكلمة ما دونه ليكون لنا كلمة تنطق بنا, ليس فقط قصة الميلاد بأكملها. بل
قصة الخلاص بتمامها حتى وجودنا مع أبدية الله فيها.
وهكذا بالميلاد أتى السيد المسيح. لنبدأ معه عصراً جديداً يفصل
بين زمنين, فكثيرون هم الذين لم يولدوا مع المسيح بعد, فبقوا في عصر عتيق,
أما الذين ولدوا معه فيقولون مع الإنجيل: "الأشياء العتيقة قد مضت, هو ذا
الكل قد صار جديداً". آمين.
|