رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

دَيريْ القديس جاورجيوس والشيروبيم - صيدنايا - .....................جديد الموقع: صفحة نشاطات الدير - آب :رياضة روحية لجامعين التعليم الديني - قطينة..................مخيم يسوع فيك أبتدي لثانويي الفرع الشمالي مدارس الأحد الأرثوذكسية - مركز دمشق...................................صفحة صوت الديرين: حديث الأسبوع 5 أيلول: أنتم هيكل الله (الأرشمندريت يوحنا التلي)....................صفحة صوت الراعي: التوبة (لصاحب الغبطة البطريرك إغناطيوس هزيم) من كتاب آلام فقيامة...........................صفحة سؤال وجواب: ما هي رموز الإكليل؟..................................صفحة مساهمات القراء: تأملات : للأب فادي هلسة "يسوع هذا الشخص الفريد"..........................صفحة الأخبار : حديث روحي للمطران أفرام كرياكوس في دير القديس جاورجيوس

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

حديث الأسبوع (31 كانون الثاني)

أرشيف

وعظة الأحد

موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

دورة إعداد مرشدين

حلب 5-2-2009

 التربية الروحية للمرشدين

 

أولاً: مقدمة عامة:

أتيت اليوم إليكم حاملاً كلمة، علكم بها تأخذون ما هو مفيدٌ. لكن الفائدة ليست من أجل تعليمكم كيف تكونون مرشدين، فهذا موضوعاً آخر. إنما كلمتي هي لأنصحكم من خلالها كيف تقتنون حياة الروح الإرشادية. لذا، فإنها كلمةٌ تساعد على تكوين شخص المرشد.

تقوم التربية الروحية على بناء شخصية المرشد ليكون مرتبطاً بالفضائل. فلشخصية كل فرد عناصر كثيرة, وتقوم التربية على الاهتمام بكل هذه الجوانب دون إهمال أية واحدة منها. ومادة البنيان هي الفضائل تقدم لذلك المرشد على أن يأخذ من كل فضيلة القدر الذي بإمكانه حمله. فتتقوى مقوماته كلها بصورة متوازنة. وبهذا تتوازن شخصيته.

ولما كان "الله بغير الإيمان لا يرضى عن أحد" (عب6:11) فإن الأساس الأول للتربية الروحية يقوم على ثبات الإيمان. ولما كان "الإيمان هو الثقة" (عب1:11) فإن الطاعة لله تأتي كتأكيد على مصداقية الإيمان. من المهم أن يتأسس البنيان التربوي لشخص المرشد بتأنٍ. وفي الأناة صبر، والصبر يستدعي وداعة, لأن النفس الطيبة هي نفس وديعة.

نزاهة المرشد أساسية, لذلك يجب أن يكون حريصاً على اقتناء فضيلة العفة بالتزام صحيح في تعامله مع الأكل والشرب, ومع كل تعامل مادي, وكذلك عليه احترام الجسد مع هذا كله.

بنيان كهذا يستدعي مواقف الثبات والجرأة ليشكلا الركن الأساسي لنموه الروحي، فبدونها يبقى بنيانه الشخصي ضعيفاً. وبهذه الركيزة يكون بنيان الذات عنده قوياً متيناً. فالثبات أيضاً هو الذي يعطي قوة الاستمرار: "بثباتكم تقتنون أنفسكم" (لو19:21) .

ينهار البنيان إذا كان الإنسان متشامخاً باعتزاز، ولكي ينجح باقتنائه للفضائل الهامة هذه عليه البحث عن الضمان، لأن الضمان من عدم الانهيار هو ثمرة لفضيلة التواضع، التي باكتسابه لها يستمر النجاح الروحي. وحسب قول الآباء فإن (فضيلة بدون فضيلة التواضع ليست فضيلة). أو حسب تعبير الأم كليز في بستان الرهبان القائل: (كما أننا لا نستطيع أن نشيد سفينة بدون مسامير, هكذا لا نستطيع بدون تواضع). لذا علينا أن نفعل كل شيء بتواضع ورصانة وبأنفس نظيفة, نعبر عنها بألسنتنا بلغة نظيفة. فاللسان الثرثار والديان يضيّع علينا كل ما اقتنيناه من فضائل.

بنيان الشخصية الإرشادية, يشبه بنيان بيت، حيث لا يسمى بيتاً ولا يقوم بدوره ووظيفته إلا بسقف متين يحتوي كل ما بداخله. وهكذا أمر المرشد, فبتجميعه للفضائل بدون حمايتها بفضيلة التواضع تجعلها متلاشية. 

وفضيلة التواضع تمتد لتكون سوراً للبنيان الشخصي للمرشد، فبدون سور يسقط من على أطراف بنيانه أولئك المرشَدين الذين يرشدهم. فلنحذر كمرشِدين أن نتهاون في مسؤوليتنا اتجاه هؤلاء الإخوة اللذين هم بعهدتنا. وحتى يتحقق ذلك فلنلتزم بفضيلة التواضع بصورتها الكاملة.

بنيان الشخصية الإرشادية حين يكتمل لا ينقصه إلا سكناه من قبل المرشدين. ولهذا على كل مرشد أن يعي لأن تكون شخصيته جدية وحازمة ومتصفة بالاستقامة. وتنقصنا فضيلة نربط بها هذه الفضائل بشخصنا كمرشدين، وهذه الفضيلة هي المعرفة, وبدونها نضيّع تعبنا سدى, لأننا بدونها نبقى مشتتين, لا نعرف كيف نتمم عملنا الإرشادي عملياً رغم غنانا بكل هذه الفضائل.

من أين نكتسب هذه المعرفة؟ من الإنجيل خاصةً والكتاب المقدس عامة فهما مرجعنا الأساسي. نعم هذه مرجعيتنا، ولكنه يجب ألا ننسى البتة أن هناك مرشدين حاذقين, وهم الآباء القديسون عاشوا حياة الفضيلة, وتمرسوا بالدور الإرشادي، وتركوا لنا كتابات اختباراتهم. فلننهل منهم, وليكن في كتبهم حقل اختبار لنا، كدورة تدريب نتأهل بها عملياً, لأن الاكتفاء بالمعرفة النظرية وإن كانت مقرونة بالتبني لتلك الفضائل ليست هدفنا بل إن، عيشها هو حاجتنا. فلنعشها لمداها الأخير في متعة منقطعة النظير، مرتبطة بكتب الآباء القديسين، ثم نخرج بعدها إلى ورشة حقلنا. إلى بيت الإرشاد الذي هو بيت المحبة أعني به الكنيسة, فالكنيسة هي حقل عملنا, وميدان وجودنا. وكل إرشاد غير مرتبط بالكنيسة, وكل نشاط غير منبعث من جو الكنيسة يجعلنا نقول مع الكتاب المقدس: "باطل الأباطيل كل شيء باطل" (جا2:1).

 

ثانياً: صفات المرشد الروحية:

1- المرشد والإضطرابات الداخلية: المرشد يصون فكره دائماً عن الاضطرابات، بكونه إنساناً يجاهد على صعيدين أولاً: السعي للرقي بمسيحيته نحو الكمال عن طريق سيره في النجاح لخلاص نفسه. وثانياً: السعي ليحقق وصية المسيح بإرشاده الآخرين، فيسرع لمساعدة الخروف الضال أو الشارد ليعيده إلى حظيرة خراف المسيح, ليكمل تعليمه وإرشاده له ليسكن المسيح ويقيم في داخله. وفي داخل كل من يرشدهم.

     يؤدي التحرر من هذه الاضطرابات إلى صفاء ذهن المرشد، فيميز من خلاله الأمور الصالحة الآتية من الله، والتي هي موضوع إرشاده. وبعونها يطرد كل فكر شرير يغزوه ولا يكتفي بتحرير نفسه فقط بل يطرد كذلك الفكر الذي يهدّم ذهن من يرشدهم, فيبعدهم عن الضلالات والبدع، وينقي في دواخل أنفسهم من كل ما لا يلتقي وفكر المسيح, ليبقى حضور المسيح دائماً، وثمار عمله الإرشادي في دواخلهم.

من هنا ندرك أهمية تنقية الحياة الروحية من كل ما يعكر صفو الرؤيا لإدراك سر المسيح المقيم في الذات الداخلية, ومنهما الاضطرابات التي تعكر صفاء الذات فلا يعود المرشد بسببها قادراً على الاصطياد حسب قول المسيح: "سأجعلكم صيادي الناس" (مت19:4) أي مرشدين لأن العاصفة في البحر "أي في النفس" تخفي من هيجانها المبهم والمعتم أية إمكانية لسبر الرؤيا التي يكشف البحر "أي نفس المرشد" ليصير جلياً، عندما يكون هادئاً.

فالإرشاد يقوم على أنفس هادئة، أي أنفس تجاهد لتتحلى بالهدوء والسكينة، حتى يتمكن بها المرشد من رصد تحركات مقره فلا يخفى عليه شيء.

 

2- المرشد في رؤيته لزلاته لا زلات الآخرين:

هو المرشد الناجح الذي يتحلى بعين تنظر إلى الذات, إلى الداخل لا إلى الخارج. فالمرشد مدعو لكي يرى زلاته بدلاً من زلات الآخرين. فالعين التي لا ترى ذاتها يتشوه لديها كل منظر ترى فيه ذات الآخر.

     فمحاربة الخطايا والزلات أمر مهم عند آباء النسك لأن مصدره إنجيلي بحت. ألم يقل المسيح: "انظر إلى الخشبة التي في عينك قبل أن ترى القشة في عين أخيك؟" (مت3:7) والمرشد مدعو لكي يتبين بدقة كل شوائب نفسه، وإلا فإن ذهنه لن يتمكن من تعميق العلاقة مع الله.

     لأن العلاقة مع الله هي في التواصل بذكره, والاستمرار في ترديد اسم ابنه، وفي السعي الدؤوب للاستنارة بنور الروح القدس. وهذه دعوة لكل مرشد لكي يصيرها، فعلى عيونه الجسدية أن تكون صحيحة وسليمة، لأن هذه العيون بالرغم من أنها جسدانية إلا أن مؤهلاتها روحية. وهذا لن يتحقق إلا عندما يكون المرشد متيقظاً إلى مصداقية أن ما يراه لا قيمة له إلا مقروناً بانتباه مع صلاة. بهما يقدم لله ذاته بوساطة دموع روحية تسكبها العين على ذاتها لأمورها الخاطئة وزلاتها الكبيرة والصغيرة منها. بهذه الروح يتقدم المرشد في إرشاده، وبهذه الروح المنسحقة يقود الآخرين إلى سفينة الخلاص. أما الآخر الذي يراقب غيره ولا يعود يرى نفسه فإنه  لا يفشل في خلاص نفسه فقط. بل يفشل أيضاً في دوره الإرشادي، لأنه يقدم أنموذجاً في السعي الفاشل الذي تعميه رؤية الزلات الذاتية على حساب أنه يظن أنه يرى عيوب الآخرين، فتستفحل عيوبه وتكبر وتزداد. فيتحول إلى متحدث بالفضائل الذي هو فيها. وبالرذائل التي هي من نصيب الآخرين. وهذا هو عمل الشيطان دون سواه.

 

3- نقاوة الذهن ويقظته: المرشد هو من تنقى ذهنه. ولكن ما هي أداة التنقية؟

     بالطبع لا يمكن أن تكون خبرة من الحياة أو علماً أو معرفةً فقط. فكل هذه الأمور وغيرها تخدم المرشد في تطوير ذهنه المتنقي. ولكن التنقية بحد ذاتها هي وليدة الروح القدس حصراً. فآباء النسك يؤكدون على معطيات الكتاب، ويربطون بين الذهن والقلب, منفتحين كلياً على نور الإضاءة التي بها ينيرنا روح الله القدوس. والتي بها نتغلب على الأفكار التي لا يرضى الله علينا بسببها.

     المرشد هو المسترشد بنور الروح حسب وصية بولس الرسول القائلة: "لا تطفئوا الروح" (1تس5: 19) والمرشد يطفئها بأعماله أو أفكاره الرديئة، فيقتل بنفسه أنوار البهاء الإلهي الظافر ليحل مكانه ظلمات الشرير الدامسة. وبهذا ينطفئ في داخل هذا النوع من المرشدين نور المعرفة آخذاً معه بهاء الكائن الأزلي المعطي الحياة، الذي به يرشد المرشد من هم داخل حدود مسؤوليته فيعطيهم بدلاً منه ظلمات نفسه الشقية حارماً إياهم من حصولهم على ثمرة قول السيد: "أنتم نور العالم" (مت14:5). وأيضاً كل مرشد بحاجة ماسة إلى إعمال يقظة الذهن. فاليقظة عمل روحي، ينقي الإنسان من التلوث، التي تأتيه من الأفكار السيئة، والأقوال الرديئة وممارستها.

إن يقظة الذهن هي الطريق الفضلى لاقتناء الفضائل، وتحقيق وصايا الله. لذا فإن يقظة الذهن ترتبط بالمحبة. لأن من يحب الله من قلبه يجاهد لكي يحفظ ذهنه وقلبه نقيين.

وأكثر ما يحفظ الفكر نقياً، هو اليقظة المرتبطة بالصلاة، وهي التي تطهر ضميرنا من ظلمة الأهواء. فصلاة يسوع خاصةً هي المكررة لاسم يسوع تحفظ ذهننا بنورٍ روحي متميّز. ولنعلم بأن يقظة الذهن تمنع الأفكار الشريرة من دخولها إلى النفس، لتكون هذه اليقظة بمثابة دور الحارس الحذر والمنتبه.    

 

4- أمثولة يوحنا المعمدان لشخص المرشد:

     إن شعار يوحنا المعمدان في قوله: "ينبغي أن ذلك يزيد وأني أنا أنقص" (يو3: 3) هو منطلق اتخذه آباء البرية، الذين يتخذون من المعمدان قدوة لكونه رائداً من رواد الرهبان قبل ظهور الرهبنة. وهم باقتدائهم به يعطون للمرشدين درساً أنهم حاملوا أنفس تحب الله, وأنها مدعوة لمحبته أكثر من محبتها لنفسها.

    فالمرشد مدعو في كل شيء وخاصة في إرشاده كي تكون نفسه متحسسة جداً لحب الله، فتطلب مجده هو لتحيا من خلال حفظ كل وصاياه دون استثناء، محققة بهذا النعيم سعادتها. وهذا النعيم لن تتلمسه إلا بانسحاقها المؤدي إلى فرحها. هذا الفرح الحقيقي هو غاية المرشد في أمثولة اقتدائه بالنقصان على مثال يوحنا المعمدان.

     ونصيحة آباء النسك للمرشدين في هذه النقطة. بأن هذا الامتثال لا يتحقق إلا بالحب. فالمرشد مدعو لكي يشعر بغزارة فيض محبته لله, حينئذ يبدأ روحياً بمحبة القريب أي محبة أبنائه المُرشَدين به. وبمعنى آبائي هم مُرشَدون بالمسيح دون سواه ولكن من خلاله, من خلال هذا الحب المزدوج الذي يدعو المسيح إليه: محبة الله ومحبة القريب. لأن الله يعرفنا من خلال محبتنا له من صميم القلب كما يقول بولس الرسول(1كو8: 3).

 

5- في التشبه بالله وبالمسيح:

     المسيحي عامةً والمرشد خاصةً حسب التعليم النسكي الآبائي، ترتكز شخصيته على محورين أساسيين الأول: (التشبه بالمسيح) والثاني: (التشبه بالله على قدر ما يتيسر هذا للبشر).

القلب لله من خلال ذكر دائم ليسوع. وهذا الذكر يقوم على لمسة الله بالمسيح في الإنسان، يسميها الآباء (التصاق يسوع بالنفس). إنها لمسة حياة يداهمنا الموت بدونها، وإن كنا أحياء. ذروتها صلاة يسوع, التي أثمرت خبرتها في امتلاك قدرة على التحرير من بلبلة كثرة الأفكار, حيث يتم استبدال تلك البلبلة بطلب اسم يسوع وعلى المرشد أن يكون مستعداً لطلبه من كل قلبه، ليحصل به على ملء داخلي يحقق للنفس توحيداً كاملاً لكل قواها لتثمر بفعل المحبة المتغلغلة في كامل النفس, ومن ثم بفعل هذه المحبة فينا ينقاد الكيان بكامله نحو الله.

ولكن ليعلم هذا المرشد أنه مدعو ليتحلى بفضائل كثيرة تساعده على هذا الوصول، أهمها فضيلتان داعمتان لهذا الانتصار، وهما: الثبات والصبر.

 

6- في ضبط الحواس الخارجية وحسن استخدامها:

     يشدد آباء النسك في الحياة الروحية على المرشَد والمرشِد في أن دور الله هو مصدر كل راحة وتعزية, وأن قلوبنا تنزع إلى طلب الراحة والتمتع باللذة التي مصدرها الله. ولكن بسقوطنا وقعنا في لذة مقلوبة لم يعد الله مصدرها, بل عبودية الجسد. فخرجنا حينها من ذواتنا, وشرعنا نبحث عن المسرات والملذات, منقلبين من حياة الداخل – الذي هو الله- إلى حياة الخارج – التي هي الملذات المادية والمرتبطة بالأهواء-.

فآباء النسك هنا يقدمون للمرشد النصح بإعادة تشييد نظام الحياة الأصيل, أي التوجه من الخارج نحو الداخل, أي نحو الله الذي هو الخير الأول ومعطي الفرح والسلام والحب.

وهذا التشييد الجديد بلغة الكنيسة في أدبها النسكي اسمه "التوبة"، الذي يتم عن طريق "ضبط الحواس الخارجية". لأن إثارة الشهوات لا يأتي إلا من الأمور الخارجية المطروحة أمامها. فتنبعث الشهوة إلى النفس بدون ضابط. خاصة إذا كان المرشد في بدء حياته الروحية وفي مطلع عمله الإرشادي. والنصح الهام الذي يقدم هنا هو السعي (لترويض الحواس)، مع الإستعانة بقانون يساعد على إغلاق أبواب الحواس، لتبقى اللذة إلهية داخلية مبعدة اللذة الخارجية خارج النفس حتى تبقى تحيا المسيح. أما التعايش مع الأمور الخارجية فيتم بالأخذ بها فقط عن طريق التأمل بروحها الإلهي لتساعدنا في الوصول إلى معاينة الله وتمجيده. وفي هذا يتنعم آباء النسك في ترداد آيات كثيرة من المزامير التي يساعد إنشادها الدائم على الوصول إلى تلك الرفعة. لأن الله هو سبب كل شيء جميل ورائع، وهو أصل وعلة كل شيء حسن.

وينصحنا آباء النسك بترويض حواسنا, لكي نرفع إليه كل منجزات الحواس الخمس، فننتقل من المحسوس إلى تذوق ذاك الذي هو وراء الحس، أعني به الله خالق تلك المحسوسات. أي أن نرى في الخلائق خالقها.

نعم, إن الكتاب يقول: "بعظمة الخلائق وجمالها نرى الله بقياس" (حكمة13: 5).

 

7- في إدانة الآخرين:

 يركز آباء النسك على أن أهم أسباب الإدانة التي أبعدنا السيد المسيح عنها بقوله: "لا تدينوا.... " (مت1:7) هو تمسكنا بالنواقص التي يجب على المرشد أن يتحاشاها وأهمها:

1- حب الذات.

2- التقدير الرفيع لأنفسنا والتي يقابلها استصغار الآخرين بأعيننا.

3- عدم النظر إلى خطايانا الداخلية.

كل هذا وغيره يقودنا إلى أسوأ حالة تصيب النفس البشرية ألا وهي "الكبرياء". فالمرشد عندما تكون نظرته فوقية وناقدة ومتعالية سواء كانت داخلية أم خارجية. يحل الشيطان حينها بدلاً من الله ليقود نفسه.

وأسوأ ما يصاب به المرشد عند ذاك أنه لا يعود ينظر إلى فضائل الآخرين. صحيح أنه ليس من كامل إلا الله وحده. وهو ما يشدد عليه آباء النسك وهو ما يعني أنه من السهل البحث عن ضعفات قد نجدها في الآخرين. ولكن التحذير من قبلهم يدعونا لكي نبقى متيقظين لرؤية عمل الله في الآخرين. بل هذا ما يجب على المرشد أن يجد في البحث عنه, وأن تسعى عيناه الداخليتان بالكشف عنه. فهناك فضائل جمة في الإنسان علينا أن نراها. أي أن نرى عمل الله, لا الضعفات العابرة التي يختبئ الشيطان وراءها. فإذا كان الله بداخلنا فسوف نرى عمله في الآخرين. وإن كان الشيطان بداخلنا فسنتعامى عن رؤية عمل الله فينا، لتحل الإدانة وتتأصل كعادة خبيثة فينا، علينا أن نتجنبها بتوبة.

لهذا ينصح آباء البرية لمجابهة الإدانة بـ:

1- عدم تذكر هفوات الآخرين والنظر إلى فضائلهم وحسناتهم فقط.

2- على تبني القول المأثور بأنه لا سلطان لي في أن أكون قاضياً ودياناً على أحد. فهذا عمل الله وحده. وحاشا لي أن أحل محله.

3- أن يتذكر المرشد ضعفاته الشخصية وهفواته وأخطائه، مستدركاً أنه بحمله لها أصبح لا شيء, وأنه بحاجة لكي ينتبه إلى نفسه، وإلا فإن قلبه يصبح قاسياً, خال من المحبة, ومريض. وبمرضه يفترض أن هناك أموراً خاطئة ودائمة عند الآخرين فتزداد دينونته لهم. وكما يقول الكتاب "الشرير من كنز قلبه الشرير يخرج الشرور" (مت35:12) وأيضاً قال الكتاب بالمقابل: "عيناك أطهر من أن تنظر الشر" (حبقوق1: 3) ويعني هذا أن المرشد الحقيقي مدعو لكي تكون عينيه نقية خالية من الشر. فترى أعمال الآخرين بدون شر، فيصير تعليم المرشد والحالة هذه هو تقديم كلمة منفعة نابعة من قلب محب خال من إدانة مرشديه فيتمكنوا بها الحصول على نعمة الدخول إلى حظيرة المسيح مقرونة بصلواته من أجلهم فيخلصون، وربما بفضل صلواته هذه يتحقق فعلاً خلاصهم.

 

8- جهاد من أجل التغلب على الإهمال والتراخي:

     دعوة الإنجيل نحو الكمال أساسية: "كونوا كاملين..." (مت48:5). ويرى آباء النسك أن التقدم نحو الكمال مصحوب بالابتعاد عن كل أنواع الفضول (كالثرثرة وحب الاستطلاع...). وفي عدم تأجيل القيام بعمل واجب الآن، وتأخيره إلى وقت لاحق, لأن هذا تتبعه أمور كثيرة تؤدي إلى خلل ضار في برنامج المرشد.

ومتى ذُقتَ أيها المرشد لذة التواني, فستبدأ بإيثارها وتفضيلها على العمل, وتنمو فيك عادة التراخي والكسل. مما يؤدي _إذا لم تحاربها- إلى تغلغلها في كل كيانك، فتسمم الإرادة وتبعد عنها كل جهاد روحي, وعمل مفيد. فتصير أمور الإهمال والتراخي طبيعية فيك، لتحجب الرؤية عن اكتشاف الأباطيل والحماقات. فيموت الضمير, ويفتقد القدرة على القيام بعمله الأساسي في التأنيب على كل ما هو غير نافع.

والنصح هنا قائم على إنجاز أي عمل كان في حينه مادياً أو روحياً, وبسرعة مع بذل كل عناية وتيقظ وانتباه لأنه مكتوب "ملعون هو من يعمل عمل الرب برخاوة" (أر48: 10) وينبهنا هؤلاء الآباء بأن الله, بسبب كسلنا وتوانينا سيسترجع جميع العطايا التي وهبنا إياها, كما حصل في مثل الوزنات في الإنجيل. أما المرشد المجاهد فسوف يضاعف له الله هذه الوزنات.

     كما ينصح أولئك المتألقون بالإستنارة والقداسة: أنك أيها المرشد إن كنت ضعيفاً وكسولاً, ولكنك تريد أن تغير ذلك إلى الاجتهاد فبادر جهادك خطوة خطوة. بكل اعتدال. وستصل في النهاية إلى هدفك أياً كان.

ويشبهون الكسل بالدودة التي تتلف جذور الشجر. فالكسل يقضي على كل الفضائل, واحدة واحدة. لذا فإن "نفس الكسول تشتهي, ولا شيء لها" (أمثال 48: 4).

فالدعوة للمرشد في الجهاد لأنه (لا يعرف متى يأتي الختن). فعليه كما يقول الرسول بولس أن "يجاهد الجهاد الحسن دائماً" (1تيمو6: 12).

 

9-  من هو المرشد؟

     الروح القدس هو المرشد الأول. وكل مرشد من ينبوع هذا النصوح يستقي. والله هو الذي يظهر لهؤلاء المرشدين حقيقة هذا الدور، ليسلك كلاً منهم درب الكمال الروحي.

وفي هذا يؤكد آباء النسك أن الله يمطر هؤلاء المرشدين بتجارب تشعرهم بالفشل، وكذلك يسمح أن يكونوا تحت نير الاضطهاد. وأصعب  أشكال الاضطهاد يأتي من الأهل والأصدقاء والمقربين. ولكن مثل هذه التجارب تفيد المرشد كثيراً، لأنها تفسح المجال للمرشد الصادق بأن يكتشف في نفسه المفاسد الداخلية من كبرياء وثقة بالنفس, لتعلمه التواضع وإنكار الذات, وعدم الخضوع للملذات الشخصية. ويحدد هؤلاء الآباء أربعة أمور يجب على هؤلاء المرشدين أن يقوموا بها لنيل الفائدة المرجوة هي:

1- لا تثق بنفسك في أي شيء. فيكون لك عمل النعمة بسببها.

2- ليكن في قلبك ثقة كبيرة بالله.

3- جاهد بدون توقف, عن طريق الانتباه واليقظة.

4- صلّ بلا انقطاع. فتنال  العون الإلهي الذي هو ثمار الصلاة الحارة المتواضعة.

 

10- كيف ترضي الله في الأمور الداخلية والخارجية؟

     ينصح آباء النسك دائماً بأهمية ضبط النفس، ويشددون على أهمية (ضبط الإرادة) التي تساعد على النجاح في عدم الجنوح نحو الرغبات الذاتية, حتى تكون الإرادة متطابقة مع إرادة الله تماماً.

فالمرشد أمام هذه المسؤولية مدعو ليتحمل جهاداً أعظم ضد طبيعته. لأن على المرشد ألا ينشد إرضاء الله فقط, بل أن يكون الله هو الذي يحرك هذه الإرادة.

     وعليه نستطيع أن نفهم قولهم بأنه ليس كل عمل روحي مفرح لنا بل فقط نحن مدعوون لننجز ما هو لمجد الله وإرادته. ويستشهدون بقول بولس الرسول القائل: "تغيروا عن شاكلتكم, بتجديد ذهنكم, فتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية" (رو12: 2) والمرشد هو الذي يستطيع أن يميز انخداع الذات في عملها المباين لإرادة الله ومشيئته. أما النصيحة التي يقدمها هؤلاء الذين عاشوا وعملوا ما يريده الله منهم, فهي السعي لتجنب  أي خداع في أي طريق اختبروه، حسب وصية المسيح في أحد تطويباته التي تحث على "نقاوة القلب".

لذلك يقولون أن بعد كل عمل يتحقق (التحرر من كل الرغبات الذاتية) وبتعبيرٍ آخر (قطع المشيئة الذاتية). لتكون مشيئة الله مكان مشيئة المرشد, وفي هذا سر نجاحه ومسيرته نحو الكمال. وينصح البعض  منهم أنه في حال الضياع بين مشيئة الله والمشيئة الذاتية, على ملتمسي الطريق (الصلاة ثلاث مرات) ويقولون (بعد ذلك اعمل بحسب ميل قلبك) أو بالمعنى الروحي المعاصر، بعد الصلاة هذه ينطلق المرشد لأبيه الروحي، ويضع نفسه تحت إرشاده ويسمع منه أين تكمن مشيئة الله في ما يجب عليه أن يعمله أو يرشد عنه.

 

11- الصلاة:

     يرى آباء النسك أن هناك أموراً كثيرة في طريق الكمال لنتخلص من عدم الاعتماد على النفس والثقة بالله والجهاد الدائم. وتبقى الصلاة بينها هي الأمر الأكثر أهمية.

فالصلاة تنسكب فينا من نبع المحبة الإلهية الذي لا ينضب. وهي فأس القتال في يد الرب. لذلك على المرشد أن يحافظ عليها في قلبه ويحفظها، وعليه أن يستلهمها في أمور كثيرة أهمها:

1- أن يجاهد لخدمة الله وإرضائه, فتصبح صلاته في الذهن ويصير ابناً لله.

2- يهبه الله عن طريق الإيمان الحار والثابت كل ما هو بحاجة إليه: "كل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه" (متى21: 22).

3- أن يصلي ويطلب إرادة الله لا إرادته وأن يطيعها في كل شيء. "لتكن إرادتك لا إرادتي" (لو42:24).

4- ويحمل مع صلاته في جعبته أعمالاً تليق بتضرعاته. فعندما يطلب من الله فضيلة ما, فعليه أن يجاهد أولاً والله سوف يعينه على امتلاكها.

5- بدء صلاته تكون أولاً بمجد الله, ثم شكره على عطاياه ومراحمه ثم الإعتراف بالخطايا, ثم يسأله ما هو بحاجة إليه من الأمور الروحية والنفسية والجسدية. ولا ينس مرشديه في الطلب من أجلهم.

6- لتكن طلباته مقرونة بشفاعة والدة الإله والقديسين وشفيعه الشخصي.

7- الصبر والجهاد في الصلاة أمر أساسي: "واظبوا على الصلاة ساهرين" (1كو4: 2).

8- إذا لم يستجب الله له فليثابر على صلاته بصبر المتواضع، لأنه لا صلاة بدون ثمر.

 

ثالثاً: خاتمة:

المرشد الناجح هو من يثق بالله، ويقتني إرشاده منه، ويغني مع المرنم داود القائل: "الرب عزي وعوني عليه اتكل قلبي فانتصرت" (مز7:28). لذا فإن اتكاله على الله وليس على نفسه. أما جهاد المرشد ففي نفسه، فبالجهاد نقطف الثمار الروحية لنضعها بين أيدي أولادنا كمرشدين وهي المحبة والفرح وطول الأناة والرحمة والوداعة والصبر والصلاح. وهم من كلفوا بالدفاع عنهم وتقويتهم روحياً، وأن نجعل أنفسنا قدوةً لهم وأهم ما يجب علينا أن يقتدوا به فينا هو ثقتنا بالله ووضع رجاءنا فيه مع استمرارية تمسكنا بقوانا الروحية التي اقتنيناها ليقتنوها بدورهم. وهذا كله لا يتحقق لهم إلا بتمسكهم بعضويتهم الكنسية.

ومن أجل إيصال أولادنا هؤلاء إلى تقوية البناء الروحي فيهم، علينا أن نعلمهم الرياضات الروحية النافعة، التي نستعين بها من خلال الصلاة والصوم والتأمل الإنجيلي، وأعمال الرحمة بأنواعها، مع مطالعة الكتب الروحية، والآبائية خاصةً، لتقوية الذهن والإرادة بأشخاصهم. فكلنا يعلم كم هو الجهل معيق للذهن عن بلوغ معرفة الحق. هذه المعرفة التي هي أساس العمل الروحي، وهدفه الذي تتطلع إليه أفئدة المؤمنين. وتعويد أولادنا المرشَدين أن يعملوا ما نعمل نحن كمرشِدين، وهو أن يستعين كل منا بأبيه الروحي، ولا يهمل استشارات أصحاب الخبرة من المرشدين، وليعلموا أن بهذا يتجلى تواضعنا. لا بل أن نسعى كذلك أن يكونوا مثلنا بأن يسعوا لعدم القيام بأي عمل خارج مشورتهم.   

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا