رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

..................دَيرا القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا............................

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

حديث الأسبوع (17 تشرين الثاني)

أرشيف

وعظة الأحد

موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

لأسرة العامليين في جديدة عرطوز

في دير القديس جاورجيوس، 7-11-2011

  النفس والروح والجسد

أولاً: مقدمة

       يتشكّل الإنسان بحسب الكتاب المقدس من عناصر خمسة هي: (نفس، قلب، جسد، جسم، روح). ولكن جرى أن ننظر للتكوين الإنساني على أنه: (روح وجسد) أو: (روح ونَفْس وجسد) (1تس23:5). فإذا أخذنا المكونات الثلاث للإنسان نرى أنه: نَفْس من حيث أن نفحة الحياة تبثّ فيه الحياة. وهو لحم من حيث أنه خليقة قابلة للفناء ذات مظهر هو جسم يعبّر عن ذاته للخارج. وهو روح من حيث أنه منفتح على الله. إن هذا التكوين هو الذي ننظر إليه من ناحية طابعه اللاهوتي، ليس الفلسفي وليس حسب علم النفس. إنما فقط بحسب أنه كينونة تجاه الله باعتباره مخلوقاً على صورته. فتاريخ الإنسان من هذا القبيل هو تاريخ يكون لله الدور الأول فيه. لماذا؟ لأن الله خلقه، والله افتداه، والله بذاته صار إنساناً.

          ومن هذا القبيل يحصل تغيير في معاييرنا المتجهة إلى الله عبر تحوّل له من الأهمية بقدر ما لقصة الخلق من أهمية. فالجديد في الأمر هو أن النموذج الأصيل للإنسان الحي ليس آدم، بل يسوع المسيح. أي ليس ذلك خرج من تراب الأرض، وإنما ذلك الذي هبط من السماء، فيسوع الذي هو مقصود بكلامنا، والمرموز إليه بآدم، هو آدم السماوي المصمم على شبه آدم الأرضي.

نعود إلى الإنسان فنجد أن دراستنا عنه لا زالت غير قادرة على أن تعطينا معرفة تطمح إليها أنفسنا. ربما لن يُتاح إلينا ذلك قبل اللقاء الفريد الذي سنعرفها فيه حسب قول بولس الرسول: «فإننا الآن ننظر في مرآة في لغز، وأما يومذاك فتكون رؤيتنا وجهاً لوجه. الآن أعرف بعض المعرفة، وأما يومذاك فسأعرف مثلما أنا معروف» (1كو12:13).

          إلا أننا ندرك بأن الإنسان يتميّز عن جميع الأحياء في الأرض (بالروح) التي بها يسمو عن كل كائن ذي جسد مأخوذ من التراب. وهذا الروح هو الجوهر العاقل المفكر الذي خلقه الله على صورته ومثاله، ونفخه في الإنسان فصار بهذه النفحة كائناً روحياً متلبِّساً بجسد من تراب الأرض: «وجبل الرب الإله آدم تراباً من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفساً حية» (تك7:2) قال عنها أيوب: «إنها روح الله في أنفي» (أي3:27)، وأضاف: «روح هو الذي صنعني ونسمة القدير أحيتني» (أي4:33).

          الله في ذاته وفي طبيعته روح «الله روح» (يو24:4 و2كو17:3) فالإنسان مخلوق على صورة الله في روحه. فالإنسان ظلّ الله على الأرض يشبهه ولكن لا يساويه. هذا هو الفارق الكبير بين الإنسان الذي خُلق على صورة الله، وبين المسيح «الذي هو صورة الله الغير منظور» (كولو15:1). فالإنسان ليس هو صورة الله ذاتها بل خُلق على صورة الله. أما المسيح فهو بعينه (صورة الله الغير منظور). أي أن الله الغير منظور في طبيعته صار منظوراً: «الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي خبَّر عنه» (يو18:1).

 

ثانياً: الإنسان ثنائي أم ثلاثي التركيب

          هي معضلة لا حل لها فالبعض يرى أن الإنسان يتركّب من جوهرين. وإذا تركنا الفكر الفلسفي الذي بغالبيته ينادي بهذا القول، فإن مرجعية الكتاب المقدس في سفره الأول المتعلق بقصة الخلق تظهر هذا الاتجاه: «وجبل الرب الإله آدم تراباً من الأرض، ونفخ في أنفسه نسمة حياة، فصار آدم نفساً حية» (تك7:2). هنا وبحسب النص لم يذكر سوى جوهرين فقط هما (الجسم والنفس). ولكن لا بد من القول أن كلمة نفس كثيراً ما تتبادل معها كلمة أخرى في أسفار الكتاب المقدس هي كلمة (روح)، وأن الكلمتين - النفس والروح - يفيدان معناً واحداً.

          ولمزيد من الترجيح لهذا التركيب الثنائي نلحظه عند نهاية مصير الإنسان، حيث تنفصل الروح عن الجسم الذي تتحد به بالموت: «فيرجع التراب إلى الأرض كما وترجع الروح إلى الله الذي أعطاها» (جا7:12).

          أما أن نقول بأن الإنسان يتكون من ثلاث مكونات هي:

1- الجسم وهو الكيان المادي الذي جبله الرب الإله من تراب الأرض. ويكوِّن الهيكل الخارجي للإنسان، ويشترك فيه مع سائر الحيوانات والنباتات.

2- الروح وهو الجوهر السماوي مصدر الحياة الذي نفحه الله في الإنسان. ولكونه صادراً من الله فهو الجوهر الذي على صورة الله ومثاله في الروحانية والعقل والإرادة الحرة والخلود. وبه ينفرد الإنسان ويتميز عن كافة المخلوقات الأرضية.

3- النفس وهي الناتج عن اقتران الروح بالجسم. ويشترك فيه الإنسان مع الكائنات الأخرى. وأن النفس هي قوام الحياة بصفة عامة ومبدأ الحياة الحيوانية بصفة خاصة. وعند حدوث الموت الطبيعي للحيوان ينحل التركيب المادي ويعود إلى التراب، ويزول مبدأ الحياة وتتلاشى النفس. أما عندما يموت الإنسان فيتحلّل جسده إلى التراب الذي أُخذ منه وتنحلّ النفس، وتذهب الروح إلى مقر الأرواح، حيث تبقى هناك إلى أن تتحد ثانية بجسدها في القيامة العامة: «ترسل روحك فتُخلقُ ثانية ونُجدِّد وجه الأرض» (104) (103):30.

          وقد أوضح بولس التكوين الثلاثي للإنسان بقوله: «ولتحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم عند مجيء ربنا يسوع المسيح» (1تس23:5). هذا وكثيراً ما يمر معنا في الصلوات ذكر لهذه المكونات الثلاث.

          وفي حديثنا هذا الذي نقبل فيه كلاً من التركيبتين للإنسان نترك لكل واحد من الحاضرين اختيار ما يشعر به أنه الأصح. لهذا سنعرض تبيان التركيبات الثلاث.

 ثالثاً: الجسد

          خلق الله الجسد، واتخذ ابن الله جسداً، تسامى الجسد بروح الله. ومن أجل ذلك يستطيع المسيحي أن يقول (إني أومن بقيامة الجسد). ومنذ أولى صفحات الوحي إلى آخرها يشير لفظ جسد إلى حالة الخليقة. ولكن عند القديس بولس، لم يعد هذا المعنى الوحيد، قد يشير أيضاً لا طبعاً إلى طبيعة شريرة، ولكن إلى حالة الخطيئة لدى الإنسان.

          ينظر الكتاب المقدس إلى الإنسان في وحدة كيانه الشخصي. فعندما يقول عنه أنه جسد فهو يميزه بشكله الخارجي الذي من خلاله يستطيع الإنسان أن يعبّر عن نفسه وبحسب الأمور التالية:

1- كرامة الجسد: هذا الجسد الذي شكّله الله كالنساج (أي11:10) أو كالفخاري (تك7:2 و أر5:1) فهو بالتالي جديد بإعجابنا. وقد يدلّ الكتاب المقدس عليه باعتباره جزء من كياننا الجسمي: (لحم ودم، قلب وجسد...) أو يدل عليه كما لو أنه الجسم بجملته (عندما يمرض أو يتألم أو يتعرّض للمحن) ففي كل هذه الأمور لا يبغضه الإنسان. بل على العكس سيتوصل الإنسان من جهة أنه قلب كما عند حزقيال من قلب متحجر إلى «قلب من لحم» (حز26:36) فيصير الإنسان سلس القياد ومنفتحاً.

2- الجسد هو رمز عن الشخص: يستعمل الكتاب كلمة «كل جسد» رمزاً عن الخليقة الحية كلها (تك17:6) أي رمزاً للجنس البشري (أش5:40-6 ولو6:3) كما ويشبر لفظ (جسد) إلى عمق الشخص، كمثل آدم في قوله عن حواء: «هذه عظم من عظامي ولحم من لحمي» (تك23:2). تعبِّر هذه الكلمات عن الوعي بشركة عميقة قد تمتد إلى كل قرابة: (تك14:29، رو3:9)، ولا سيّما بالنسبة إلى الكائن الجديد «الجسد الواحد» الذي يصبحه الزوجان معاً (تك24:2، متى5:19، 1كو16:6). ومن ثَمَّ يمكنه أن يعني الشخص نفسه «الأنا»: (جا5:4، 2كو5:7)، وحتى نشاطاته السيكولوجية فالجسد يتألم (أى22:14)، ويقشعر (مز120:118)، ويشتاق (مز2:63)، ويرنم فرحاً (مز3:84) وهو ينتعش من تعاليم الحكماء (أم22:4)، ويتمتع بالرغبة (يو13:1).

3- أوضاعه الأرضية: ما يخص (الجسد) للدلالة على أصله الأرضي تمييزاً عن العالم السماوي الخاص بالله والروح. فيتحدث الكتاب عن (الخليقة) فيعتبر كل شيء جسدي ما عدا الله. وعندما تذكر رسالة العبرانيين 14:2 عن المسيح أنه اتخذ لحماً ودماً، فللدلالة على أيام المسيح التي عاشها على الأرض. وأيضاً تعني كلمة جسد المحدودية والعجز. فالجسد من حيث أنه خليقة يعجز الدخول إلى الملكوت من تلقاء ذاته، ولا أن يعرف الحقائق الإلهية.

4- عالم الجسد: هكذا ينتمي الإنسان بواسطة جسده الترابي إلى العالم الأرضي، بينما سنتسب إلى العالم السماوي بالنفحة الإلهية.

          وأختم هذه الفقرة باعتزاز الجسد الذي حمله يسوع، لأنه قد شاركنا في حياتنا الجسدية. فبحسب الجسد ينحدر يسوع عن ذريّة داود (رو3:1، 9:5) وهو مولود من امرأة (غلا4:4). وهو عرضة بسبب جسده إلى الجوع (متى2:4) وللتعب (يو6:4) وللعطش (يو7:4) وللنوم (مر38:4). ويُضلّ كل مَن لا يعترف بأن «يسوع قد أتى بالجسد» (1يو2:4، 2يو7).

 

رابعاً: النفس

          تدل النفس على الإنسان في كلّيته، باعتباره منتعشاً بروح الحياة. والنفس لا تسكن جسداً، إنما تعبر عن ذاتها بواسطة الجسم أو الجسد، للدلالة على الإنسان بكليته. وإذا كانت النفس بسبب علاقتها بالروح الأسمى، هي الدليل في الإنسان على أصله الروحي، فهذه الروحانية تغرس جذورها بعمق في العالم المحسوس، ونتبيّنها في المدلولين التاليين:

1- النفس والشخص: التنفس الذي هو النسمة أيضاً هو علامةٌ للحياة. وكون الشخص حياً معناه أن الروح لا تزال فيه (أع10:20)، وعندما يموت الإنسان تنطلق النفس (تك18:35). وبالمقارنة في الموت مع دم الإنسان فإنه يكون الإنسان حياً بوجود الدم فيه، ولا يبقى دم بموته لهذا يرى الكتاب المقدس أن النفس والدم واحداً (راجع لا14:17). فيصير الأمر بالنسبة لنا على أن النفس تكون في الدم (لا10:17-11)، بل هي الدم ذاته (تث23:12)، وهي الإنسان الحي.

والكتاب المقدس الذي يدلّ على معنىً واحداً في كلمتي حي وحياة فتتماثل بموجبها كلمة (الحياة) و(النفس) ولكن للدلالة على الحياة الروحية كتمييز لها عن الحياة الجسدية، لأننا نجدها منفتحة على الحياة السماوية والأبدية.

إلا أن الكتاب المقدس غني باستعمال مفردات الحياة للدلالة على عدة معاني فعلينا أن ندقّق أثناء قراءتنا له لنستدل على توافق معنى النفس والحياة للتعبير المعلن. خاصة أن السيد المسيح أعطى كلمة حياة بعداً يرتبط بالحياة الأبدية كقوله:  «لأن مَن يريد أن يخلِّص حياته يفقدها، وأما الذي يفقد حياته في سبيلي فإنه يجدها» (متى25:16-26) فبناء على ذلك يكون (خلاص النفس) في النهاية انتصاراً للحياة الأبدية المودعة في النفس (يع21:1 +1بط9:1 + عب39:10).

وفي حديثنا عن النفس لنقصد به الشخص الإنساني علينا ألا ننس أن لفظة نفس تُطلق على كل كائن حي بما فيه الحيوان  (تكو20:1-21). ولكن في أغلب الأحيان يقصد بالنفس البشر. فالنفس هي إنسان، أي شخص معيّن (لا1:5 + مر40:3 + أع43:2) ولكن من الناحية الشخصية الذاتية، فالنفس تعني (الأنا الذاتي) أسوة بالقلب أو الجسد. كقولنا «أشهد على نفس» (2كو23:1) وأيضاً كقولنا مع يوناتان بمحبته لداود: «مثل نفسه» (1صم1:18و3). وفي هذه المعاني ليست بالضرورة كلها مواقف روحية، كما عبّر الغنيُّ بقوله: «يا نفس لك أرزاق وافرة تكفيك مؤونة سنين كثيرة، فاستريحي وكُلِي واشربي وتنعّمي... فقال الله يا جاهل في هذه الليلة تُؤخذ نفسك منك أي حياتك» (لو19:12-20). وهناك علاقة مع النفس بالطمأ (مز2:63)، والنفس الجائعة (مز9:107) وتبدل المشاعر بين الفرح (مز4:86) والقلق (يو27:12) والحزن (مت38:26) وغير ذلك. والنفس بحاجة لتتقوّى لتتحمّل الاضطهاد (أع22:14) ولتحب أو ترضى عن الشخص وتمجّد الرب...

2- النفس وروح الحياة: الله هو ينبوع حياة النفس وأصلها. لذا فإن النفس هي مبدأ الحياة، والروح هي التي تعتبر ينبوعها، تتميزان هكذا إحداهما عن الأخرى في باطن الكائن البشري، حيث تستطيع كلمة الله وحدها أن تنفذ (عب12:4).

          ومقارنة أخرى مع النفس التي لا يقول الكتاب المقدس عنها أنها تموت فهي غير مائتة، إنها تعود إلى الله (أي14:34-15) أما النفس فيمكن أن تموت (حز19:13) بمعنى أن «النفس لا تكون فيما بعد» (1يو8:7 و21).

          ولكن، هذه النفس يعطيها الله قدرة فائقة أن تُبعث (2مك9:7) وتعود فتحرك العظام المبعثرة. والإيمان يؤكّد ذلك.

 

خامساً: الروح

          الروح تأتي من كلمة الريح بمعنى النسمة أو نسمة الريح. وأيضاً نسمة التنفّس من الله لدى الإنسان (تك7:2 +أي4:33). وترجع هذه النسمة إلى الله عند الموت: (أي14:34-15).

          وما دام الإنسان حياً فهذه الروح ملك له، وتجعل من جسده الجامد كائناً عاملاً ونفساً حية (تك7:2) ومن جهة أخرى فكل ما يتصل بهذه النفس من الانطباعات والانفعالات، يعبر الإنسان عنه بنوعية تنفّسه: الخوف (تك8:41) والغضب (قضاة3:8)، والفرح (تك27:45)، فكلّها تغيّر شكل تنفُّسه. فكلمة روح هي إذن اللفظ المعبِّر الأساسي عن الحياة النفسية للإنسان، أي عن الروح. ومتى استودع الإنسان روحه في يدي الله (لو46:23) فهو في الوقت نفسه يلفظ النَّفَس الأخير، ويستودع في يدي الله كنزه ذاته.

          وللروح القدس علاقة بأرواحنا فهو يعطينا أي يعطي أرواحنا القدرة على تمييز الأرواح من خلال المواهب الإلهية التي تنالها منه. وعلينا أن نعرف أن اعترافنا بروح الله لا يعني تنازلنا عن شخصيتنا الذاتية، بل بالعكس يزيد من نمائها. والعهد الجديد كمثل العهد القديم يرى في الإنسان أنه بالإضافة إلى الجسد فهو روح ونفس معاً (1تس23:5)، ويرى في الروح قوة لا تنفصل عن النسمة وعن الحياة (لو55:8 + 46:23) وتحس بكافة الانفعالات (لو47:1 + يو33:11)، وكثيراً ما تكون في صراع مع الجسد (متى41:26 + غل17:5). ولكن الاختبار الأساسي هو أن روح الله يسكن روح الإنسان ويجددها (أف23:4)، ويقترن بها (رو16:8) ليبعث فيها الصلاة والصرخة النبوية (رو26:8)، ليجعلها تقترن بالرب وتصير وإياه روحاً واحدة (1كو17:6).

 

سادساً: الإنسان بحسب آباء الكنيسة والعلماء

          الإنسان بحسب الآباء هو على صورة الله. وهو لا يُرجع حياته إلى ذاته بل إلى الله. المسيح هو صورة الله. وكما يقول بولس الرسول «فالمسيح هو صورة الله الذي لا يُرى» (كو15:1) الإنسان هو صورة المسيح. إن الله خلق النفس. وكل شيء خلقه الله له بداية ونهاية. مع ذلك أراد الله أن يخلق النفس ويجعلها خالدة. هكذا، فالنفس بالطبيعة زائلة لكنها بالنعمة خالدة. هي خالدة لأن الله أراد كذلك.

          فالله خلق النفس التي هي ليست جزءاً من الألوهة. ولا هي نفس الله. كما يقول بعض الناس. ولكن كما يقول الذهبي الفم (بما أن تنفّس الله هو قوة الروح القدس. فإن قوة الروح القدس هي التي خلقت النفس من دون أن تتحول إلى نفس).

          إن القديس غريغوريوس بالاماس الذي اختبر ثالوثية الله ووحدانيته في نفسه، يُعلِّم كما أن الله ثالوث واحد آب وابن وروح قدس = ذهن، وكلمة وروح، كذلك فالنفس أيضاً ذات طبيعة ثالوثية أي أنها تملك (الذهن والكلمة والروح). الذهن هو ما ندعوه بمركز وجود النفس، الكلمة تأتي من الذهن، والروح هو الحب الذهني للإنسان.

          النفس بحسب الآباء هي واحدة ومتعددة الأوجه وتملك عدة قوى: (الذهن والكلمة والروح). ويمكن النظر إليها بموجب التقسيمات العديدة التي تحدث الآباء عنها. فالأمر يختلف بحسب الوجه الذي يتفحّصه القديس في كل مرة لذا سنقدم الأوجه الثلاث الأساسية لهذه التقسيمات:

1- لدى دراستنا للنفس من جهة الأهواء، ولنا غاية هو شفاؤها فيكون تقسيمها كالآتي: (النفس ذات قوى عقلية وشهوانية وغضبية).

2- أما في دراسة طبيعة النفس التي هي واحدة وثالوثية بآن، حينها نتكلم على القوى (الذهنية والعقلية والحسية).

3- ولدى رؤيتنا للنفس من جهة عودتها إلى ذاتها، وصعودها إلى الله، نجدها في (الذهن والمعرفة والحب).

          وإذا أردنا أن نفصّل أحد هذه التقسيمات ولتكن الثانية المتعلقة بطبيعة النفس، فإن الآباء القدّيسون يعلِّمون أن (عدم الإيمان بالله والهرطقة والكبرياء... الخ) تسود في القوة العقلية. بينما (حب المتعة والجشع) تنمو في القوة الشهوانية وأخيراً (الغيظ والغضب والخبث وغيرها) تنمو في القوة الغضبية.

          ونضيف القول بأن الوحي المسيحي كشف لنا أنه لا توجد نقطة اتصال معينة بين الروح والجسد. فالروح لا تستقر في مكان معين محدود في الجسد، وإنما ترتبط بكل جزء منه، وتتصل بكل الجسد بطريقة ما غير قابلة للوصف، بصورة روحية.

          ويتساءل الذهبي الفم عن كيف هي النفس موجودة في الجسم فيقول: (ما هو جوهر النفس؟ كيف هي موجودة في جسمنا؟ هل هي منتشرة في كتلة الجسم؟ هذا مجهول ومبهم. الامتداد خاص بالأشياء الجسمية. فإن قُطعت يداً أو رجلاً لبقيت نفسه هي هي. وإذا لم تكن في كل الجسم، فهل هي في قسم من أقسامه؟ لا. لأن ذلك يعني موت الأقسام الأخرى. إذ إن كل ما ليست له نسمة حياة هو ميت. النفس موجودة في جسمنا. ولكن لا ندري كيف هي موجودة فيه).

          ومن أجل التوسع بالمعرفة قد يتساءل متسائل: ولكن ما رأي العلم بهذا الأمر؟ لنأخذ جانبين من جوانب العلم، أولاً علم النفس وثانياً على جراحة الجملة العصبية. فمن الناحية الأولى أي علم النفس وخاصة بدءاً من فرويد وما بعد وبالارتباط بالعلم الحديث تتلخص تلك الأبحاث بالقول مفتشين ببحوثهم عن المركز في الإنسان فقال البعض (الدفاع هو المركز). وقال البعض (القلب هو المركز). ولكن القديس غريغوريوس النيصصي – ومَن سبقه ومَن تلاه من آباء - قد نسخ كلا القولين وسما إلى آفاق الروح الرحبة، مؤكّداً أن الروح هي غير الجسد جوهرياً. إذ لكل منهما جوهره المتميز عن جوهر الآخر.

          أما جرّاحي الجملة العصبية فقد حاولوا تحديد علاقة الروح بالجسد تحديداً علمياً، وأحياناً تشريحياً. وأتى الفشل في الوصول لهذا التحديد من كون الجسد مادة، وأما الروح فهي ليست مادة. وبالتالي فلا حيز عادي لها تسكنه في الجسد بمكان معين قابل لوضعه تحت المجهر، ومعاينة تبدلاته التشريحية.

          ولكن الذي يفيد من تداخل العلم لقضايا الروح هو أنه تم إثبات أمر لم ينتبهوا إليه وهو إثبات أن القلب ليس مركز الروح، وأن الدماغ ليس مستوطنها، خاصة بعد ظهور جراحة القلب المفتوح، وعزل القلب وظيفياً عن الجسد، أُثبت أن المريض يبقى حياً بعد فترة من هذا العزل الفيزيولوجي أثناء العملية الجراحية المجراة. فلو كان القلب مركز الروح، لكان عزل القلب عن الجسد يؤدي إلى عزل الروح عن الجسد وبالتالي إلى الموت. والأهم أنه بعد زرع القلب، تبيّن أن تبديل القلب الطبيعي بقلب آخر (بشريّ كان أو صنعي) لا يؤثر على علاقة الروح بالجسد، ولا ينقل للمريض روحاً ثانية هي روح الشخص صاحب القلب المنقول والمزروع.

          وهكذا أيضاً عند فصل القشرة الدماغية (المادة السنجابية أو المفكرة) عن بقية الجملة العصبية المركزية، فإن هذا يؤدي إلى السبات لا إلى الموت مباشرة. وهكذا أيضاً معظم الأمراض العصبية التي تصيب الجملة العصبية لا تؤدي إلى الموت بسبب كون الجملة العصبية مركزاً للروح. بل تؤدي إلى الوفاة بمقدار ما تؤثر على الوظائف الحيوية الحياتية مثل مركز التنفس وغيرها. أو بإحداثها صدمة عصبية شاملة شديدة. لذا لا يوجد تناقض بين العلوم الحديثة وتعاليم الكنيسة.

          هذا الترابط بين النفس أو الروح والجسد نلاحظه خاصة في أحداث ذات فرادة حصلت عندما كان ينال الإنسان نعمة الله. فهذا أمر من حيث علاقة النعمة بالإنسان فإنها من نصيب النفس، ويحدث فيها تغييراً. هذا التغيير يلحق أيضاً بالجسد. ونحن نرى ذلك في تجلّي المسيح عندما سطع وجهه كالشمس، كما أيضاً في حالة موسى الذي سطع وجهه متألقاً (أع29:34) وأيضاً في وجه رئيس الشمامسة استفانوس الذي أصبح كوجه ملاك (أع15:6) ولا بد من القول أن هنالك تمايز واضح بين النفس والجسد، لكنه من غير الممكن التواجد لأحدهما بشكل مستقل عن الآخر.

          وحتى عند الموت: (تنفصل النفس بشدة عن انسجام وتجانس هذا الرابط الطبيعي). وهذا الانفصال تحدثه الإرادة الإلهية. وهكذا فالنفس ليس الإنسان بل نفس الإنسان، وكذلك فالجسد ليس الإنسان بل جسد الإنسان. إذاً فالإنسان يتألف من نفس وجسد. ولذلك فالجسد أيضاً سيتألّه، ويُقام في المجيء الثاني ويجتاز إلى الأبدية.

 

سابعاً: قيامة الجسد

          الله لم يخلق الإنسان كي يموت بل كي يحيا. والحياة الحقة لا تعني سوى الشركة مع الله مصدر كل حياة. لذلك فقد شاء له المجد بسر تدبيره العظيم أن يعيد إلينا الحياة التي فقدناها. أن يعيد إلينا لا سعادة آدم في الفردوس بل سعادة أعظم بكثير. آدم والإنسان كله مات روحياً، فصار بحاجة إلى قيامة روحية، وقيامة الروح تُمنح منذ المعمودية (إن قيامة الأجساد يتم تأملها اليوم، على الأخص، بالإيمان. أما قيامة النفس فإنها تبدأ من المعمودية) هذا ما يقول القديس غريغوريوس بالاماس.

          وفي حياة المسيحي، قيامة الروح تسبق قيامة الجسد، لأن الأولى تبدأ بالمعمودية وتكتمل في يوم القيامة. وهي بالوقت نفسه عربون لقيامة الجسد التي تحصل في يوم القيامة.

          فرجاء قيامة أجسادنا لا يسكن فقط في العقل. وإنما في القلب إذ يكتشفه الإنسان ويحيا به لأنه جزء من إيمانه والإيمان ينعش ويحرك كامل الكيان البشري ويبعث فيه النشاط والحرارة. إذ هو التصاق لا مشاهدة عيانية فالعقل في حياة المسيحي الروحية ينزل إلى القلب. والقلب يأخذ بمجامع العقل فينتهي الفصام بينهما ويسيران إلى وحدة.

          يقول القديس غريغوريوس بالاماس: (إن قيامة النفس ليس سوى استباق للقيامة الجسدية والعامة في اليوم الأخير. ففي الواقع يعني الأمر ضمانة حياة جديدة جلها المسيح تعمل في قلب الإنسان وإنما على العقل أن يتعلق بهذا الضمان فيكتشفه في القلب ويساهم هكذا في الصورة العقلية وغير الجسمانية الخاصة به في نشاط شامل للإنسان المتجه نحو إلهه).

          فقيامة الجسد تلك القيامة التي رفضها الكثيرون ولم يصدقها العديد من الناظرين للأمور الحياتية نظرة مادية خالية من الروح والحياة. إن النفس المعتمدة مستنيرة بالنور الثالوثي الإلهي الذي فيها وهذا النور غير المخلوق هو الذي يظهر في الجسد ويتجلّى فيه. فاستنارة الروح هي عربون قيامة الجسد واستنارته في يوم القيامة.

          يقول القديس يوحنا الدمشقي: (نؤمن بقيامة الموتى، إذ ستكون هناك في الحقيقة قيامة للموتى. وبالقيامة نحن نعني قيامة الأجساد إذ أن النفوس غير مائتة فكيف يمكنها أن تقوم ثانية؟ فإذا كانوا يعرّفون الموت بأنه انفصال النفس عن الجسد فإن القيامة حتماً هي إعادة الاتحاد بين النفس والجسد).

          إن تلك العلاقة الوثيقة بين الروح والجسد تستمر في القيامة فالانسجام الداخلي الذي كان مفقوداً بسبب الخطيئة يعود إلى الإنسان في الملكوت الآتي.

          وهكذا يعود الجسد من التراب ويلزم الشخص الروحي فيعودان كائناً واحداً. يقول الدمشقي: (فإذا كانت النفس وحدها تشارك في اكتساب الفضيلة فإن النفس وحدها أيضاً سوف تنال الإكليل. وإذا كانت النفس وحدها تنغمس في الرذيلة فإن النفس وحدها ستعاقب. ولكن بما أن النفس لا تمارس الفضيلة أو الرذيلة بانفصال عن الجسد فإن كليهما (النفس والجسد) معاً سوف يحوزان ثوابهما.

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا