رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

دَيريْ القديس جاورجيوس والشيروبيم - صيدنايا - ..............................نشاطات الدير: سهرانية في دير القديس جاورجيوس لعيد القديس موسى الأسود يوم الجمعة 27 - 8 - 2010......................جديد الموقع: صفحة نشاطات الدير - آب :رياضة روحية لجامعين وعاملين مدارس الأحد الأرثوذكسية فرع دمشق (فرقتي القديس سابا والعنصرة) ......................... مخيم للتعليم الديني طفولة آيو ......................مخيم مشترك لطفولة مدارس الأحد الأرثوذكسية في داريا و الزبداني ..........................صفحة صوت الديرين: حديث الأسبوع 15آب :العفة في الكتاب المقدس(الأرشمندريت يوحنا التلي)....................صفحة  صنارة روحية: صدى أسرار قلب (الأخت ماريا)...........................صفحة سؤال وجواب: من هي مريم المجدلية؟........................... صفحة ملتيميديا: قصص للأطفال (الراعي المحب).................................صفحة مساهمات القراء: موضوع للأخ شادي رزق "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل"- تأمل للأب فادي هلسة "في عيد التجلي"

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

حديث الأسبوع (15 تشرين الثاني)

أرشيف

وعظة الأحد

   محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

            في المركز الثقافي في صيدنايا

                                                                                                            21-6-2009

العنف الأسري

أولاً: هل الإنسان بطبيعته عنيف؟

يتحدث البعض عن العنف، أن الإنسان يتصف به من باب الحتمية البيولوجية. ومن أشهر من أيد ذلك كان العالم (كونراد لورانز) في بحثه الشهير عن (العدوانية). إذ تحدث عن (غريزة عدوانية) ورثها الإنسان عن السلالة الحيوانية التي تحدَّر منها، وهي لا تزال قائمة في أعماقه حسب رأيه، تخلِّد البهيمية فيه، ولا يقوى عقله عليها.

إن مثل هذا الكلام يجعله البعض من الناس، تبريراً لكل عنف ولكل عدوان يشاهدونه في عالم الإنسان. أما علماء الأعصاب اليوم، الذين درسوا السلوك العدواني لدى الحيوان والإنسان، فهم ينكرون وجود مثل هذه الغريزة العدوانية عند الإنسان. فليس هناك من طاقة غريزية مخزّنة مسبقاً في الكيان، تنفجر لتنقذف خارجاً بأشكال متعددة.

وهذا ما يدفعنا للبحث والتفتيش عن الأسباب الدقيقة للتصرفات العدوانية. مادام الجهاز العصبي لا يحمل أية هيكلية يمكن اعتبارها مركزاً لتوليد طاقة العنف هذه.

العالم البروفسور (بيار كارلي) الأخصائي الكبير في بيولوجيا الأعصاب وعضو أكاديمية العلوم الفرنسية، أثبت في دراسة له عام 1987 في باريس. أنه ليس في الإنسان غريزة مستقلة تدفعه آلياً إلى العدوان. لكنَّ هناك (سلوك فطريّ) يخوّله الحصول على ما يلبي حاجاته ويتجنب ما يعارضها. ومن بينها اندفاعات عدوانية تستند إلى هيكليات في الدماغ، لكنها ليست وليدة حاجة إلى العدوان، جاهزة مسبقاً. بل هي ناتج تفاعل الكائن الحي مع حاجاته ووضعه ومحيطه، حيث يتفاعل مع العديد من العوامل الداخلية والخارجية ليخدم أغراض الحياة، مستخدماً آليات كثيرة، بعضها يكون خشناً وعنيفاً.

العدوانية إذن ليست تركيباً بيولوجياً، بل هي سلوك يتلوّن ويتأثر بكافة العوامل المتفاعلة والمتصارعة في وضع الإنسان الراهن، من شخصيّ وظرفي واجتماعي وثقافي. تلك الأوضاع التي بمقدور الإنسان أن يتعهدها، وفقاً لتوجّه يرسمه باختياره، وبكامل مسؤوليته.

نوجز ما تقدم بأن الإنسان يحمل طاقات ونوازع، لا تحدد سلوكه مسبقاً بل تترك المجال لعدة احتمالات سلوكية، مرتبطة في كيفية توجيهها حسب مواقف الإنسان وخبراته وخياراته، كما وأيضاً حسب خصائص البيئة التي فيها نشأ وعاش. وبحسب مقولة الوجوديين. فإن الإنسان يسبق طبيعته ويحددها. فالإنسان هو من يرسم طبيعته، وهي غير محددة مسبقاً. هو يصنعها بنفسه فردياً وجماعياً من طاقات ودوافع مسجلّة في تكوينه، يتعامل معها ويكيفها وفقاً لأهدافه وتطلعاته، ووفق ظروفه الشخصية والاجتماعية.

 

ثانياً: أسباب الميل إلى العنف

هنالك- كما رأى الباحثون- فرق كبير بين العنف، وبين النضال من أجل خدمة أغراض الحياة للحفاظ عليها، وإنمائها، وإزاحة العوائق من طريقها. إن هذا كله يمثل النضال الحياتي، ولايتمثل بالعنف الذي فيه تعدٍّ على الأهداف الإيجابية، لأنه يميل إلى التدمير بحد ذاته، من حيث هو تدمير للآخر وللذات أيضاً.

ومن هذا المنظور نعلم أنه ليس في مجال الحيوان عنف بقصد التدمير، بل سعياً إلى القوت، الذي يسمح له بالاستمرار في العيش. أما إذا تشاجر حيوانان على طعام أو في موضوع التناسل، فنادراً ما يؤدي الشجار إلى عدوانية فيها قتل. لأن هناك طقوساً غريزية تحول دون تطوره إلى هذا الحد.

أما الإنسان، فالضوابط السلوكية لديه لم تعد كافية لتوجيه سلوكه في هذا المجال، فهو قد تُرِك لقدراته النفسية المتفوقة التي تؤهله لأن يصنع مصيره بنفسه. فإذا عرف كيف يوظّف هذه القدرات، ارتفع فوق مستوى الإنسانية ليصنف بين الملائكة، أما إذا أساء استعمالها، فإنه ينحدر إلى أدنى من المرتبة الحيوانية. حيث تتحول النزعة العدوانية حسب تعبير (إريك فروم) إلى (شهوة التدمير)، فيصير حينها التدمير أي العنف غاية بحد ذاته.

 

ثالثاً: عوامل الميل إلى العنف

تأتي هذه العوامل بفضل عدة أسباب تتشابك فيها العوامل الفردية بالعوامل الاجتماعية. وأهم هذه الأسباب هي:

+ نزعة الإنسان إلى الاستئثار:

إنها نزعة عميقة الجذور تبدأ منذ تأسيس شخصيته وهو رضيعٌ بعد، حيث تلبّي الأم حاجات رضيعها عند الطلب، فيتوهم أنه هو (مركز الكون وقلب الوجود). مما قد يوجد عنده فيما بعد قاعدة لتصرفه على أنه حقاً هو (محور الوجود). فلا يعود يشعر بأهمية الأشياء إلا من خلال وجوده. وكأن لسان حاله هذه العبارة الشعبية: (بعد حماري لا ينبت حشيش، وبعدي ما حدا يعيش).

هذه النزعة الاستئثارية غالباً ما نتقنع بأقنعة مختلفة، وهي في أية صورة كانت فهي تمثل موقفاً استئثارياً عدوانياً، طالما أن حاملها يرفض الاعتراف بالآخر مستخدماً مقولة يعلل بها تصرفه، فالآخر إما معي، أو يجب إزالته. فيظهر العنف حينها في شكل الاستغلال، والاستعباد، والظلم، والاغتصاب، والإذلال، والتعذيب، والقتل.

وليست الآثار المدمرة لهذه النزعة الاستئثارية تقتصر على الآخر، بل هي ترتد أيضاً على صاحبها لتدمِّر إنسانيته. فأهم نزعة يريدها الإنسان لنفسه هي أن يكون موجوداً بالفعل، أي أن يكون إنساناً بالحقيقة. لأن المرء قد يمتلك كل أموال الدنيا وجاهها وملذاتها، فإذا كانت مقرونة بالاستئثار فإنها لا تشعر الإنسان بإنسانيته، لأن هذا الشعور لا يتحقق إلا من خلال انفتاحه على الآخرين في العمق، وتواصله معهم في الصميم. وهذا يُترجم عملياً بأن على الإنسان أن يعطي بقدر ما يأخذ من غيره. علماً بأن السيد المسيح طالب بأكثر من هذا عندما قال: "مغبوطٌ العطاء أفضل من الأخذ" (أع35:20). بدون هذا كله يبقى الفرد بفراغ تام على الصعيد الإنساني وتفاهة وجودية لا يحسد عليها. فيحيا بعزلةٍ داخلية رهيبة، حتى ولو كان حوله آلاف من الأتباع المزيفين. لأنه حسب قول الإنجيل: "ماذا ينتفع الإنسان، لو ربح العالم كله وخسر نفسه" (مت26:16). فالنفس هنا تشير إلى إنسانية الإنسان، أي إلى معنى وجوده.

(الإنسان موجود بقدر ما يشارك). فالنزعة الاسئثارية قاتلة للآخر، بقدر ما هي نحرٌ لذات صاحبها الإنسانية . إنها تصبح قتلاً انتحارياً حسب تعبير موريس يلّيه.

 

رابعاً: العنف الأسري

هو عنف إنساني يتشكل من خلال علاقة الإنسان الفرد بالنظام الذي يضبطه من خارجه زائداً على وجوده. وهذا العنف يمكن أن يتخذه الباحثون نموذجاً لدراسة أشكال عنف أكبر منه ينصب على الإنسان الفرد من أُطر تنظيمية حية أوسع من الأسرة كالدولة مثلاً، مما دعا الحقوقيون إلى تقنين قواعد حقوق الإنسان. وبما أن الإنسان ليس عنيفاً أو غير عنيف بطبيعته، إنما هو قابل لهذا وذاك. وقد يصير هذا أو ذاك بفعل عوامل داخلية أو خارجية، نستطيع إذا ما أدركناها، أن نتعامل معها بالتي هي أحسن من أجل تحقيق أفضل لإنسانيتنا.

للعنف في المجتمعات الحديثة أوجه كثيرة سأفرد حديثي الآن عن العنف الأسري، الذي هو أحد أنواع العنف وأهمها وأخطرها. لأن الأسرة هي قاعدة المجتمع وركيزته، وأهم بنية فيه. وهي عبارة عن اجتماع فردين يجمع بينهما رابط مقدس هو الزواج، فتتشكل الأسرة منهما مع من سيتولد عنهما من الأولاد.

والعنف الأسري هو وجه من وجوه السلوك العدواني، لأن القوي فيها يُظهر سلطته وقوته على الضعيف، لتسخيره في تحقيق أهدافه وأغراضه الخاصة، مستخدماً في ذلك كل وسائل العنف، سواء كان جسدياً، أو لفظياً، أو معنوياً. وهكذا يتشكل العنف في الأسرة ممن هو الأقوى فيها.

 

خامساً: أنواع العنف الأسري  

من أخطر أنواعه:

أ- العنف المادي

1- القتل: وهو من أبشع أنواع العنف، وأشدها قسوة. وأكثر أسبابها: الدفاع عن الشرف.

2- الإيذاء الجسدي: إيذاء الجسد نتيجة تعرضه للعنف، بدرجات متفاوتة.

3- الاعتداءات الجنسية: خاصةً الاغتصاب الذي يترك لدى الضحية آلاماً نفسية، واضطرابات انفعالية تلازم الإنسان عمره كله.

ب- العنف اللفظي والمعنوي

1- الإيذاء اللفظي: هو كل ما يؤذي مشاعر الآخر، بكلام وتجريح أو اتهامات مزرية، خاصة إذا كانت على مسمع من الآخرين فيؤدي للشعور بالامتهان أو الانتقاص ويظهر ذلك كثيراً من خلال اتهام الرجل امرأته بالفكر السطحي ونقص الخبرة، ونقص العقل، والتفكير السليم.

2- العنف الاجتماعي القائم على انتقاص الحرية: هو لون من الاستعباد يظهر في عقوبة الحبس المنزلي أو غيرها، فيؤدي إلى انتقاص الحرية واستعباد الإنسان. وفي هذا يقول عمر بن الخطاب: "متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟" ويتأسس العنف منذ بدء الزواج وذلك حين يكون قائماً على الإكراه، والحرمان من اختيار الشريك. وكذلك يظهر في الطلاق. كما يبدو في تعاطف المحاكم الدينية مع الرجل، دون النظر إلى متطلبات المرأة بذات النظرة التي هي للرجل.

3- الطرد من المنزل: يعد هذا النوع من العنف هو السهم الأخير بيد الوالدين، أو أحدهما ضد ابنه الذي لا يمتثل لإرادة أبيه.

 

سادساً: الأسباب الداعية للعنف الأسري:

في الحياة الأسرية تجري الأحداث، ومنها تتكون شخصيات المستقبل. فطفلٌ يرى أمه تُهين والده وتذله، يشب وهو حاملاً في نفسه شيئاً ضد المرأة، ينعكس على زوجته بعد زواجه. وطفلةٌ ترى والدها يُهين أمها ويضربها، تنغرس في نفسها كراهية للرجال عامةً. ومهما بلغت نسبة هذه الحالة، فإن كليهما عند زواجهما، سيحملان للأسرة الجديدة أحداث أسرهما الماضية. وهكذا فالزوجة ترى في زوجها شخصية والدها الذي كان يضرب أمها، والزوج يرى في زوجته شخصية والدته التي كانت تُهين والده. ومن هنا يبدأ كل منهما في التهيؤ للدفاع عن نفسه. فالبنت- الزوجة الآن- لا تريد أن تُضرب مثل أمها، والابن- الزوج الآن- لا يريد أن يُهان مثل أبيه. كل ذلك يكون قابعاً في لاوعي الإنسان، ويشكِّل -حين تذكره- دافعاً للتصرف العنيف بسبب ترافقه مع صور مؤلمة.

وهنالك وجه نسبي آخر للموضوع، فالطفل (هو أو هي) الذي ينشأ مدللاً مسرفاً في الاتكال على والديه، يصبح بعد الزواج منتظراً مثل ذلك الدلال، ومتلهفاً لمثل تلك المعاملة. فإن لم يجدها فإنه سيثور ويغضب ويتمرد كما كان يفعل بطفولته، ولكن العنف الآن يصير أكثر قساوة.

ويقابل ذلك حالة الطفل الذي لم يذق طعم العطف في صغره، فيستحيل أن يهبه لغيره وخاصةً لأولاده. وكذلك أحياناً يشعره بالنقص، فيصير ضعيف الثقة بنفسه، شديد الغيرة في زواجه، وشديد الحساسية لأية ملاحظة أو نقد.

ويتسبب خلل إلى أن يشب الفرد أنانياً في حبه لنفسه، عاجزاً عن حب غيره. وهذا ما يجعل زواجه ناقصاً، بسبب عجز الأناني عن التضحية التي يتطلبها كل زواج سعيد. وإن رُزق الزوجان أولاداً فسيكونون كبش الفداء. علاوة على ذلك فقد يكون سبب العنف آتٍ من التأثر بالبيئة المحيطة بالبيت الأسري.

فالأسرة لها التأثير الأكبر في رسم ملامح شخصيات أفرادها وتشكلهم. وهو ما يوجههم إلى الخير أو الشر، وإلى الصحة أو المرض، وإلى الاستقامة أو الشذوذ.

وقد تتفاقم الأمور بتدخل أهل الزوجة أو أهل الزوج أو كليهما. فيكبر العنف في الأسرة بسبب هذا التوتر غير الطبيعي، مما يؤثر على سلوك الأبناء، وهذا ما يشكل عقبات كأداء أمام تحقيق الهناء في الأسرة.

فتتصدع الأسرة، وتتهدم أركان البيت، وتصير الحياة- وخاصةً بالنسبة للأبناء- جحيماً لا يطاق.

فالحل السليم منع هذه الأشكال من العنف الأسري هو السعي لتقديم التضحيات من الزوجين بالتنازل عن بعض مطالبهم، النابعة مما جلباه من أسرة والديهما، لتكن محبتهما المشتركة لأبنائهما السبيل إلى تقارب قلبيهما وتعميق المحبة بينهما من جديد.

علينا ألا ننسى أهمية الأسرة، بكونها الخلية الأساسية الحاملة لهذه الحياة الممتدة في الجنس البشري بكامله. فالزوجان لهما رسالة، وعليهما إكمالها، ليتلقاها أولادهما منهما. وذلك كي يبقى المسيرة متقدمة بأفضل حال بدون توقف.

+ عوامل غير أسرية تؤثر في العنف الأسري:

1- ضعف الاهتمام بحياة قائمة على السلام: هو مناخ موبوء لا يمنع من أن تتفتح فيه الشخصية الإنسانية وتنمو. لأن السلام هو إلغاء جميع أشكال القهر والاستلاب والفقر والتبعية والتخلف مع تأسيس لنقائضها. كلها عوامل تدخل في حياة الإنسان وتنعكس في بيئته على أسرته سلبياً، وهي من ناحية أخرى تشكل عملية حياتية إيجابية إذا استعاد الإنسان عن طريق السلام التزامه أمام الذات والآخر والله.

2- منابع العنف: لما كان العنف عامةً هو إنزال قدر من التشويه والأذى غير الشرعي بالآخرين، وهذا العنف يشمل الأسرة أيضاً لأنه يقوم على ما تسوغه النظم الطبيعية والوضعية. نستطيع أن نحدد أهم منابعه على الشكل التالي:

أ- منابع سياسية تتمثل بغياب المؤسسات التمثيلية والنقابات غياباً تاماً أو بعده عن التدوال والاهتمام بإحقاق الحق في المساواة الأسرية من الناحية العملية المعاشة لدى الزوج والزوجة والأولاد.

ب- منابع اقتصادية، يغيب فيها الاهتمام بمعالجة الفقر، الذي له النصيب الكبير في خلق توازن أسريّ. وهو ما يسبب على الأغلب اضطرابات نفسية تستدعي من هذا الإنسان تفريغ شحنة الخيبة الآتية من فقره، في مظهر انعكاسات نفسية عنيفة. 

ج- منابع اجتماعية تظهر في شيوع الأمية والبطالة، وقهر الفئات الضعيفة، فتحيا الأسرة في قلب تلك الممارسات، فيزداد اضطرابها، ويكثر العنف فيها.

ويضاف إلى ذلك أيضاً دوافع اجتماعية، تتمثل في مترسبات العادات والتقاليد التي اعتادها المجتمع، والتي تتطلب أحياناً من الرجل قدراً من الرجولة يثبت فيها رجولته. فنجد أن طريق العنف هو طريق الرجولة، وأنه إن لم يمارسه يُعتبر إنساناً ضعيفاً، وأدنى من غيره. وكل ما كان المجتمع على درجة عالية من الوعي والثقافة كلما غاب عنه هذا اللون من العنف.

ء- منابع تعليمية وتربوية في الأسرة والمدرسة والشارع: وأكثر ما يميز هذه المنابع أنها تظهر في السلطة الأبوية الضاغطة بإفراط. ويتبعها التراتبية الصارمة والقمعية لدى أفراد الأسرة. وقد كانت هي الطريق لكي تتأسس القيم الاجتماعية المتداولة والقائم الكثير منها على الخطأ التربوي.

ولا تخلوا أساليب التربية في المدرسة من أن تكون امتداداً للنهج الأسري لأن برامجها تلقينية وسلطتها ضاغطة أيضاً.

وتتأثر الأسرة في الشارع الذي يعكس مظاهر العنف وأشكاله المتعددة، ليتشكل رديفاً للسلطة البيتية.

هـ- منابع إعلامية: الإعلام هو أداة إيصال المفاهيم والمعتقدات ومنظومة القيم السائدة، وهو يلعب دور المرجعية الهامة على حساب ضعف المرجعيات الشرعية والتقليدية. والإعلام ينشئ تناقضات كبيرة بين المرجعيات، إذا ما انحرف عن مهمته الأساسية. ولما كان العالم يعيش ثورة اتصالات، وإعلام متطور، فقد بات الإعلام أشد فاعلية في إشاعة العنف وشرعيته.

وتأثير الإعلام السلبي هذا يؤثر في حياة الزوجين ويشيع الخلافات فبسببه تنتهي مبارة كانا يشاهدانها بالعنف. ولكن الأهم هو انعكاس هذا الإعلام على حياة الأطفال. فاستمرار متابعتهم لمشاهد تعرضها الشاشة الصغيرة، يترك في نفوسهم انفعالات كبيرة عنيفة. تسمح لعادات سيئة أن تتسلل إلى نفوسهم، فيتربون على التعود على قبولها فتشكل شخصياتهم على تعودهم على الامتثال لحقيقة واقعة، يتقلدونها لتشكل لديهم نتائج مدمرة وسيئة. خاصةً وأن الآثار النفسية قد لا تظهر في حينها، بل تبقى كامنة في العقل الباطن، منتظرة توفر الظروف المناسبة لإبرازها. تُنبع من هذا تشويهاً لسلوك الطفل القائم على تدمير نفسيته. وسيتلقى تبعيتها ونتائجها المجتمع في المستقبل.

و- منابع دينية: مما لاشك فيه أن الدين هو الحافظ للقيم الروحية، مصدر كل أخلاق. وهو مبدأ وسلوك وحسن علاقات. لكن الخطورة تأتي من انحراف الطريق الديني عن محتواه الروحي، ودوره في تنظيم العلاقة مع الله، وبين الناس بعضهم مع بعض. لأن أبشع مسببات العنف هو تغليف الدين بالتعصب الأعمى باسم الدين، فيصبح الإنسان مصدراً لأشكال العنف والقمع.

إن الكتب السماوية ملهمةٌ ليعيش أتباعها التفاهم والمحبة والاحترام، وهي تتحول عند البعض لاستعمال بعض هذه التعاليم بصورة تخدم ميلهم إلى العنف.

ز- المنابع الذاتية: يمكننا أن نعتبرها الأبشع بين أنواع الدوافع للعنف الأسري، لأنه يكمن وراءها دوافع تنبع من ذات الإنسان ونفسه فلا يحس بها ولا يحاول أن يمنعها.

لأن تلك الدوافع تكونت على الأغلب لديه نتيجة ظروف خارجية، مشكلةٍ ينبوعاً خارجاً عن إطار الأسرة، آتٍ من مؤثراتٍ طَبعت في نفسه ردود فعلٍ آتيةٍ من إهمالٍ تربى عليه، أو سوء معاملة تلقاها من أحد مصادر تعليمه في البيت أو في المدرسة، أو بسب عنفٍ تعرض له في طفولته. هذا وغيره يُشكل لدى الإنسان عُقداً نفسية، تقوده إلى التعويض عما فقده عن طريق العنف داخل الأسرة.

 

سابعاً: توصيات من أجل الحد من العنف الأسري

نقدم الآن خلاصة لدراسات وآراء وتوصيات من أجل الحد من العنف الأسري تمت صياغتها من قبل كثيرين وهذه التوصيات تعمل في طريق الاهتمام بالتوعية الدينية والاجتماعية والفكرية والثقافية والقانونية، مع إعطاء كل فرد من أفراد الأسرة حقوق حسبما تم الاتفاق عليها في قوانين حقوق الإنسان، التي لم يعد ينازع أن من حق كل إنسان أن يتمتع بها. مع التأكيد على عدم غياب الواجبات الواجب تقديمها للحد من هذه الظاهرة. وهناك توصيات متمثلة في التدريب وورش العمل والتأهيل والمحاضرات والكتيبات والنشرات، بالإضافة لعقد المؤتمرات والندوات، مستفيدين من كل وسائل الإعلام والاتصال. لذا يجب التعاون بين مؤسسات الدولة إضافة إلى سلطتيها التشريعية والتنفيذية مع كافة المؤسسات التربوية الخاصة بالإضافة إلى الرسمية وغيرها، وأن يصب الاهتمام المشترك على الأدوار التالية:

+ تخصيص مواقع على الإنترنيت لتقديم الاستشارات الأسرية.

+ تقديم الخدمات القانونية بصورة متاحة للجميع.

+ سن القوانين لحماية الأسرة وأفرادها من العنف الأسري ومتابعة تنفيذها.

+ الحد من البطالة، وما لها من آثار سلبية.

+ إلزام المقبلين على الزواج بضرورة خضوعهم لدورات تدريبية حول تربية الأبناء، والعلاقات الزوجية والأسرية.

+ تأهيل المتزوجين وإكسابهم مهارات اتخاذ القرارات وحل المشكلات.

+ إقامة الدورات التدريبية للأبوين لتدريبهم على السيطرة على الانفعالات الجسدية والنفسية واللفظية.

+ إيجاد مراكز للمتضررين من العنف الأسري للاهتمام بقضاياهم وحمايتهم وإعادة تأهيلهم.

+ توضيح القانون والعقوبات المستحق على الأفراد المستخدمين للعنف ضد الأبناء.

+ ضرورة تأمين دور حضانة في مقر عمل الأمهات تحت إسراف الجهات المختصة.

+ ضرورة وجود اختصاصيين نفسيين واستشاريين اجتماعيين للعناية بشؤون الأسرة.

+ التواصل مع المراكز الأسرية المختلفة لتبادل الخبرات والطاقات.

+ المساواة في التعامل مع الأبناء.

+ إشباع احتياجات الأبناء الاجتماعية والسلوكية، أما المادية فبدون بذخ.

+ المشاركة الحسية والمعنوية بين الأبناء مع الآباء، ومصادقتهم لبث الثقة في نفوسهم.

+ التقليل من مشاهدة مناظر العنف على أجهزة التلفزة.

+ الحد من ظاهرة تعدد الزوجات لسلامة حياة الأسرة والسلام بين الأبناء.

+ غرس القيم والمبادئ والأخلاق في نفوس الأبناء منذ الصغر، مع متابعة وتوجيه سلوكهم.

+ تنمية المهارات الإبداعية والمواهب الدفينة لدى الأبناء.

+ تنمية العواطف الكامنة، حب الوطن والمجتمع والإنسان، والانتماء إليهم.

+ حسن العشرة بين الأبوين بتضحيات مستمرة تكون مدرسةً للأبناء.

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا