حديث الأسبوع (12 تشرين الثاني)

أرشيف

وعظة الأحد

موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

لعائلات جديدة والزبداني

جديدة 11-11-2017

 السلام والصلاة في العائلة

 أولاً: مقدمة

          يتمحّور حديثنا حول العائلة بركيزة فضيلتي الصلاة والسلام. ونعتمد بذلك التشديد على العودة إلى الذات، باحثين في التفتيش عن حالة نفوسنا الداخلية، لأن داخل الإنسان هو الأساس، وكما يقول يسوع: "من داخل الإنسان تنبع كل الأفكار الشريرة" (متى19:15). ولما كان الإنسان مُعرَّضاً للتمحّور حول الذات، وفي هذا يقول القديس أثناسيوس الكبير: (لقد سقطنا في شهوة الذات، مفضّلين التأمّل في ذواتنا على التأمل في الله)، فإنه لهذا السبب يبقى مهتماً بالمظاهر الخارجية للإيمان مع المبالغة بهذا الاعتقاد. فيحصل أن يبتعد، ليس فقط عن محوري الصلاة والسلام، بل وأيضاً يبتعد عن روح الإنجيل وعن التقدم الروحي بحسب إرادة الرب.

          والمسيحي مدعوٌ إلى حياة متكاملة ليكون الداخل والخارج متطابقان ومتوافقان. علينا أن نتذكّر لوم المسيح لنا بما يخص الأمور الخارجية في قوله: "لماذا تدعونني يا رب يا رب ولا تعملون الأعمال التي أريد" (لو46:6) أما بخصوص العنصر الأساسي للدين والذي هو العنصر الداخلي فأهم ما فيه هو (الاتحاد الحقيقي بالله) وأيضاً (إعداد أنفسنا للأبدية).

          ويتطلّب هذا من الإنسان، وهنا أقول من العائلة، أن يكون السير للحياة الروحية الداخلية قائماً على تخصيص وقت لله، في المواظبة عليه: (صلِّ صباحاً ومساءً ولو لفترة قصيرة) وأن (نقرأ في الإنجيل ولو آيات قليلة، وكذلك في كتاب روحي).

          وكما في الحياة، كذلك في العائلة، هنالك صعوبتان تواجهاننا في حياتنا الروحية: الأولى هي اهتمامنا المفرط بذاتنا، ونتيجته عدم اهتمامنا الكافي بـمَن حولنا، وأخصّ بالذكر أفراد عائلتنا. والثانية عدم محبتنا الكافية للمسيح، فهذه المحبة أساس الحياة الروحية وقوّتها كلها. وللصلاة والسلام مع باقي الفضائل دور كبير في تنمية هذه المحبة وتقويتها في أنفسنا، ونستمر جاهدين ليحل السلام الكامل في القلب، السلام الذي يقول عنه القديس اسحق السرياني: (كنْ في سلام مع نفسك، وحينئذٍ تكون الأرض والسماء في سلام معك). وأن يتبع هذا السلام استغراق صحيح في الصلاة فننال من الله الهدوء وسلام الروح والصبر، واضعين كامل أفراد العائلة على الطريق الروحي باقتدائنا بالمسيح في درب الخير والكمال.

ثانياً: السلام

          عندما يقول ربنا في إحدى تطويباته: "طوبى لصانعي السلام..." (متى9:5)، فصانع السلام هو الذي يعطي السلام للآخرين. ونحن لا نستطيع أن نعطي شيئاً للآخرين ما لم نملك ما نعطي. لذا يجب أن نكون بذاتنا ممتلئين من خيرات السلام.

          فالسلام هو نوع من المحبة تجاه الآخرين، لأن ما يناقض هذه المحبة هو الكراهية وما يتبعها من غضب وسخط وحسد وحقد ونفاق... عديدة هي الأمراض التي تناهض السلام. ولكن من الضروري التأكيد على أن تلك الشرور كافة تختفي عندما يحلّ السلام، تماماً كما تختفي الظلمات عندما يظهر النور. (فالسلام هو ترياق الكراهية) كما يقول القديس غريغوريوسالنيصصي.وأهم المعاني التي تعنيها كلمة (سلام) هي: (الانسجام الداخلي) و(الهدوء) و(الصحة النفسية الداخلية).

          يبحث الإنسان عن الكمال وهذا ما وجّهنا إليه المسيح لنكون مقبولين من الله. فيعلن لنا المغبوط أوغسطين بقوله: (الكمال تجده في السلام حيث كل شيء مقبول، ولذا فإن فاعلي السلامة هم أبناء الله).

          إن فاعلي السلامة هم الذين يسيطرون في أنفسهم على جميع ميولهم النفسية ويخضعونها للعقل والروح. وكل مَن يريد السلام يعمل البر والصلاح بحسب قول المزامير: "السلام والبر تعانقا" (مز11:134). إذن نحن بمحبتنا للبر والصلاح يتحقّق لنا السلام. وهذا هو قوام العائلة التي يسوس أفرادها بعضهم بعضاً بهذه الروح ليبقوا في سلام دائم. والعائلة التي يريد أفرادها السلام هي صورة مصغّرة للبشرية.

 ثالثاً: أنواع السلام

          الجميع يريد السلام ويَنشده، حتى الأشرار يريدون السلام. هؤلاء يريدون سلاماً يغذّي أهواءهم ويرضي مصالحهم الذاتية، بمعنى أنهم يريدون سلاماً يفرضونه هم على غيرهم. لكن سلام المسيح له بعدٌ آخر. لذا سنعرض ثلاثة أنواع من السلام، نتعرّف من خلالها إلى سلام المسيح:

1- السلام الخارجي غير العادل، هو سلام يفرضه الأقوياء على الضعفاء والدول القوية على الدول الضعيفة، وبه تتحقّق شريعة الغاب على الأرض.

2- السلام الخارجي العادل، والكنيسة المسيحية انطلاقاً من رسالة المسيح تدعو كل الشعوب إلى تحقيق سلام قائم على العدل بعيداً عن الظلم، لهذا تصلي الكنيسة طالبة بقولها: بسلام إلى الرب نطلب. وأيضاً لأجل الحكّام والجميع نطلب إحلال السلام.

3- السلام الداخلي، هو السلام الذي تكلّم عنه المسيح، وهو المحقّق السلام للنفس والأفكار. وهو الذي نجاهد لاكتسابه ضد الخطيئة ونحن محمولون بفضيلة المحبة. وفي هذا قال يسوع لتلاميذه: "سلاماً أترك لكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا، فلا تضطرب قلوبكم ولا ترتعب" (يو27:14). هذا يعني أن نتيجة عمل الروح القدس في حياتنا هي السلام العميق الدائم. وبهذا النوع من السلام، لسنا بحاجة لأن نخاف من الحاضر أو المستقبل. فلو امتلأت حياتنا بالضغوط، علينا أن ندعو الله لكي يملأنا بسلامه الحقيقي. ولنتابع مع بولس الرسول قوله: "لا تقلقوا من جهة أي شيء، بل في كل أمر لتكن طلباتكم معروفة لدى الله بالصلاة والدعاء مع الشكر. وسلام الله الذي تعجز العقول عن إدراكه، يحرس قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع" (في6:4-7). هذا يعني أنه عند قلقنا وخاصة من جهة بيوتنا وعائلاتنا علينا بنصيحة بولس الرسول في أن نحوِّل كل ما يقلقنا إلى صلاة. فالمسيح بفعل صلاتنا يعالج قلقنا بروح السلام الـمُعطى لنا من لدنه.

 رابعاً: السلام في العهد الجديد

          في العهد القديم كان يغلب البعد الخارجي على مفهوم السلام، فاتصف بأنه حالة (خير ورفاهية)، أو حالة (سلام وأمان)، وأيضاً حالة (ازدهار ونجاح) وكذلك حالة (سلام بعد حرب). ولما أتى العهد الجديد، أضاف إليها الحالة الداخلية والحالة الروحية للإنسان كهبة من الله بسبب الإيمان والمصالحة مع الله، وأيضاً بسبب البر الذي نلناه من الله. وعلاوة على هذا صار للسلام دور في هدوء الفكر والضمير والنفس بسبب النعمة.

          وأجمل ما أتى علينا السلام به هو أنه أتى مقروناً بالمسرة. هذا الفرح الذي أخذناه مع ولادة الطفل يسوع: "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة" (لو14:2). لقد لبست البشرية إكليل فرحها يوم وُلد المسيح لأنه قد حلَّ في قلوبنا سرور وسلام. لقد فهم بولس الرسول هذا المفهوم وذلك العطاء الإلهي وعبّر عنه على أنه ملكوت الله لنا بقوله: "إذ ليس ملكوت الله بأكل وشرب، بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس" (رو17:14) كما أنه أضاف بقوله لاحقاً: "فليملأكم إله الرجاء كل فرح وسلام في إيمانكم حتى تزدادوا بقوة الروح القدس" (رو13:15). هذا تأكيد على أن الفرح لا ينفصل عن السلام، ولا السلام عن الفرح. لقد أتى المسيح ليقيم على الأرض سلاماً ومع الناس مصالحةً فنستمتع بالسلام الذي لنا من خلال هذه المصالحة مع الله والتي تتم على الصليب والظفر فيها هو حدث القيامة. لهذا يقول بولس الرسول: "فبما أننا قد تبرّرنا على أساس الإيمان، صرنا في سلام مع الله بربنا يسوع المسيح" (رو1:5).

          هو سلام نصل إليه في العمق لأنه يربطنا بالله ويحرّرنا من الخطيئة، لذا نجده يختلف عن كل إحساس بالسلام مثل اليقين والأمان والثقة، فالسلام مع الله يعني أننا قد صولحنا معه لأن المسيح قد دفع أجرة خطايانا بموته على الصليب، فدخل حياتنا عن طريق قلوبنا كل من الفرح والسلام ليصيرا مع المحبة دستور حياتنا.

 خامساً: المسيح هو سلامنا

          سلام العهد الجديد هو قوة روحية داخلية تحيط بالفكر والقلب والضمير، فتُبعد كل قلق ينتابنا، فينال الإنسان الاطمئنان النفسي للنمو والتقدّم في طريق الروح بنجاح. فيصير هذا السلام بالنسبة لنا درعاً إلهياً نحتمي به فنقول مع بولس الرسول: "مَن سيفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف؟ كما هو مكتوب إننا من أجلك نُمات كل النهار. قد حُسبنا مثل غنمٍ للذبح، ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا. فإني متيقّن أنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء، ولا قوات، ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علوّ ولا عمق، ولا خليقة أخرى، تقدر أن تفصلنا عن محبة الله في المسيح يسوع ربنا" (رو35:8-39).

          إن الذي جعل القديس بولس يقف موقف التحدي ضد كل خليقة في السماء وعلى الأرض مستعداً للنـزال والنضال وواثقاً من الانتصار هو السلام القلبي الإلهي الداخلي عن طريق نيله لنصيبه من السلام الذي حصل عليه من الله بالسلام الذي أعطانا إياه الذي هو أيضاً (سلام المسيح) المقدَّم لنا كموهبة إضافة إلى المحبة سيدة المواهب، كل هذا من أجل مواجهة عالم الظلمة بحسب قول بولس الرسول: "وإله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعاً" (رو20:16). وإله السلام هذا هو بذات الوقت مصدر الهدوء والاطمئنان للنفس مهما اضطربت الدنيا. لأنه يكفينا أن يكون المسيح نفسه "هو سلامنا" (أف14:2). كيف لا؟ وقد هدم المسيح الأسوار التي بناها الناس لتفصل بينهم. وحيث أن هذه الأسوار قد أُزيلت، نستطيع أن نكون في وحدة حقيقية مع الناس الذين يختلفون عنا. هذه هي المصالحة الحقيقية، فبموت المسيح صرنا جميعاً عائلة واحدة، ليكون صليبه هو مركز وحدتنا.

          بالسلام الذي حقّقه لنا المسيح على الصليب، قد اختفى غضبنا بعضاً على بعض، وصرنا نستطيع جميعاً الاقتراب إلى الله بالروح القدس، ولم نعد غرباء عن الله، بل صرنا جميعاً في هيكل، والمسيح نفسه هو حجر الزاوية فيه "الله الذي هو غنيٌ في الرحمة، من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها، ونحن أموات بالخطايا فأحيانا مع المسيح وأقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويات.... لأنه هو سلامنا. فجاء وبشّركم بسلام، أنتم البعيدين والقريبين..."(راجع أف4:2-22)

 سادساً: علاقة الأفكار بالسلام   

تعتمد حياتنا على نوعية الأفكار التي تغذّيها. فإن كانت أفكارنا سلامية هادئة ووادعة وودية، هكذا تكون حياتنا. أما إذا كان اهتمامنا منصبّاً على الظروف التي نعيش فيها بما تحمله من قلق واضطراب فننشدّ منجذبين لمثل هذه الأفكار، فإننا نفقد سلامنا وهدوءنا وتتعثّر صلواتنا.

          كل شيء يأتي من أفكارنا كمثل الخير والشر. لذا فإننا بأفكارنا نؤثّر في الآخرين تأثيراً عظيماً. نحن قادرون على أن نكون صالحين للغاية أو أشرار للغاية، تبعاً لنوعية الأفكار والرغبات التي تعشّش في ذواتنا. فإن كانت أفكارنا ودية سلامية وهادئة ومليئة بالحب واللطف والنقاوة، وأن تكون متّجهة نحو الخير، فإننا نؤثّر أيضاً في ذواتنا ونشع بالسلام في كل ما حولنا وبالأخص داخل عائلتنا، ولكن أيضاً في كل مكان، فينتشر الانسجام الإلهي والسلام والهدوء عند الجميع.

          أما إذا تركنا الأفكار السلبية تُعشش في داخلنا فذلك شر عظيم. وإذا كان فينا فإننا نشعّ به ما بين أفراد عائلتنا وأينما نذهب. لذا فأهم ما علينا أن نبدأ به هو أن نختار الصلاح، لأن الأفكار المدمّرة لا تدمّر العائلة في بيوتنا فقط، بل تدمر أيضاً السكون في داخلنا، وعندها نفقد السلام.

          خطؤنا الكبير غالباً أننا نريد أن نبدأ بتغيير الآخرين أولاً، في حين أن البداية الصحيحة والبنّاءة هي أن نقوم بتغيير أنفسنا قبل كل شيء. ولو بدأ الجميع بأنفسهم لخيّم السلام في كل مكان. وفي هذا يقول الذهبي الفم: (لا أحد يستطيع أن يؤذي الإنسان الذي لا يؤذي نفسه، ولا حتى الشيطان).

 سابعاً: شهادة الآباء القديسين

          يقول الآباء القديسون: إنْ هاجمتنا الأفكار التي تنتزع منا السلام، فلنعلم أنها آتية من الجحيم، لذا علينا ألا نقبل مثل هذه الأفكار، بل أن نطردها على الفور. ومن مصلحتنا أن نحارب ونجاهد حتى يتجذّر السلام في نفوسنا، لأن أبينا السماوي يودّ أن ينال كل أبنائه ممتلكاته الإلهية. يودّ أن نمتلئ من الحب والسلام والفرح والصدق واللطف، يود أن نتعايش في أُسرنا وعائلاتنا هذا اللون المبارك من الحياة التي يسبغ الله علينا فيها من حضوره الإلهي بيننا بواسطتها، فينال الجميع حينها تعزية من بعضنا البعض. ويسوع يقول لنا: "تعلّموا مني فإني وديع ومتواضع القلب" (متى29:11) لأن الوديع والمتواضع يشعّ بالخير واللطف، ومثل هذا الإنسان لا يشعر بالإهانة على الإطلاق ولو صرخت في وجهه وأنّبته.

          ولنا شهادة من القديس أنطونيوس حيث حصلت له رؤية عن شبكات الأفكار المحيطة به، فهتف: (مَن سيخلص يا رب؟) فسمع صوتاً يقول له: (وحده الوديع والمتواضع القلب). هذا يعني أن الأرواح الشريرة تعجز عن التعرّض للودعاء والمتواضعي القلوب لكونهم متحدين بالسلام والصمت المقدس وليست لهم أفكار سلبية.

          أما شهادة القديس نكتاريوس فترتكز على الصلاة، فيقول: (الصلاة هي فرع الوداعة والسلام، ووضعية الفرح والشكران، وحماية من الحزن والكآبة. إنه لمن الضروري أن يكون الذهن في حالة يقظة كبيرة في ساعة الصلاة، وأما الفم في حالة صمت، عندها يقدر المرء أن يصلي).

 ثامناً: التربية الروحية بما يخص الأولاد

          فلننطلق من هذه القاعدة: (الطاعة تبني والمشيئة الذاتية تهدم). على العائلة المسيحية أن تهتم بتعليم أولادها في البيت طاعة والديهم وكذلك طاعة الله. فالولد عليه أن يتذكّر طوال حياته كلمات والديه، وأن يحترم دوماً مَن يكبرونه سناً، بل وأيضاً مَن هم أصغر منه. عليه أن يكون ودوداً ومهذّباً مع الجميع. ولكن للأسف أن قلّة قليلة هي العائلات التي تربّي أولادها بهذه الطريقة. فإذا كان الأبناء متشبّهين بوالديهم، وبحسب تربيتهم يتكوّنون، بمعنى أن أبناء السلام يُنشؤون أولاداً هم بدورهم محبي السلام وصانعيه، بعكس البيت الذي تسوده الكراهية، فينشأ أبناءه غير محبين للسلام.

          وعلى العائلة في البيت المسيحي، أن تكون كنيسة، علاوة على الكنيسة الرعائية التي تضم كافة العائلات، أن يكون هناك لكل عائلة (كنيسة بيتية). تحتوي على رف يوضع عليه أيقونتي السيد والسيدة والشفعاء الذين يذكرهم أفراد الأسرة جميعاً وعلاوة على ذلك الكتاب المقدس وكتاب الصلوات وقنديل الزيت. وتُقام الصلاة تارة جماعية وتارة فردية. وهكذا يتربى الأولاد منذ نعومة أظافرهم على قراءة من الكتاب المقدس كصلاة تنير العقل والقلب، كما وأيضاً تنتقل الصورة الإلهية ببعدها الروحي بواسطة الأيقونات التي تشكّل انتقالاً من الحسي إلى الروحي. ولا مانع أن يتم استعمال المبخرة الصغيرة التي بتصاعد البخور منها تصعد معها صلاتنا إلى الله بحسب قول المزمور: "لتستقم صلاتي كالبخور أمامك.."(مز2:141).

 تاسعاً: لسان حال أفراد العائلة التوبة التي يكمن فيها التغيير الدائم

          أعظم ثمرتين للمسيحيين عامة هما (السلام والفرح). قد نمتلك العديد من الأمور المادية، ولكن كل ذلك سيكون دون جدوى إنْ لم يكن لنا السلام. ونتذكّر كيف أن "التلاميذ حين كلّمهم يسوع والأبواب مغلقة خوفاً من اليهود وقال لهم: سلام لكم" (يو19:20). ونحن الآن وفي كل حين نطلب من الرب أن يمنّ بسلامه علينا ليُغيّرنا. نعم نطلب منه أن يغيّر فينا طريقة تفكيرنا ومخططات تربيتنا لأولادنا وعلاقاتنا ضمن عائلاتنا ومجتمعنا باتجاه الصلاح المطلق الذي هو الله نفسه.

          الله يريد أن يمتلك أولاده هذه الصفة الإلهية. فهو خلقهم على صورته الإلهية ويريدهم أن يصلوا إلى مثالهم الإلهي. ولنعلم أن المنطلق لهذا البلوغ هو ارتداء ثوب التواضع، خاصة وأن التواضع هو أيضاً صفة إلهية: "تعلّموا مني فإني متواضع.." (متى29:11) وحيثما يسود التواضع أكان ذلك داخل عائلة أو داخل مجتمع فإنه يشعّ على الدوام بالسلام والفرح الإلهيين.

          غالباً ما ينقص المسيحي في مسيرته التربوية الروحية المتّجهة نحو يسوع شيءٌ ما من خلال تغيير مستمر، هو السعي لتطبيق نداء يسوع لنا بقوله: "توبوا..." (متى4) لماذا هذا التشديد؟ لأن تغيير الحياة يتحقّق عن طريق التوبة. والتوبة تستدعي حكماً الاعتراف الذي به يشعر المرء أنه أزال ثقلاً عن كاهله. فالتوبة هي تغيير للحياة والأسرة التي أفرادها يمارسون الاعتراف ويتوبون عن نمط حياتهم القديم خاصة إذا كان مجبولاً بالخطيئة، فيصبحوا مدركين أنهم حصلوا على تَحوّل في القلب بالكامل باتجاه الصلاح المطلق، لأن هذا التحوّل يَطول أيضاً الذهن والمشاعر والجسد وكل كيان الإنسان. والتوبة أيضاً هي اتحاد المحبة مع أبينا وخالقنا اتحاداً لا ينفصم. لذا علينا أن نكون في كل حين في حالة الصلاة.

          فلنتصوّر أي عائلة هذه التي يحيا أفرادها في ولادتها الجديدة هذه مع الله ومع بعضها البعض بأفكار صالحة ورغبات طيبة ومشاعر حب تجاه الجميع تشع بالسلام وتمنح الفرح للكل. ومن المفيد القول أن الإنسان حينها يشعر بالراحة وانشراح الصدر لينتقل هذا الشعور إلى جميع أفراد العائلة. والكل يتمثّل بالكل.والعكس صحيح أيضاً. فإن كان رب العائلة أو غيره مثقلاً بهموم العائلة ومتاعب الحياة، فلن يُتاح لمثل هذه العائلة العيش في سلام بما فيهم الأولاد الصغار. لماذا؟ لأن بعض أفراد الأسرة يعكسون على البيت جواً يكدر الجميع. في حين أن الأسرة الأولى ارتضى أفرادها البوح لأب روحي ونالوا من الله التعزية التي تعطي الفرح.

          إذن التوبة التي هي تجديد الحياة، تعني أن نتحرّر من كل السمات السلبية ونتحوّل إلى الخير المطلق. ليس من خطيئة لا تُغتفر سوى خطيئة عدم التوبة.

 عاشراً: الصلاة

جُلَّ ما نختم به حديثنا عن السلام والصلاة في العائلة هو تكملة الموضوع بمختصر مناسب عن الصلاة التي بها يرتقي الإنسان لننال بالصلاة السلام المرجو تحقيقه، للعائلة، وبالتالي لكل علاقات حياتنا.

الصلاة في طبيعتها هي عِشرة المؤمن مع الله والاتحاد به. وأما في فعلها، فهي مصالحة الله، وطلب الرحمة من الخطايا، وجسرٌ لاجتياز التجارب، وسور في وجه الأحزان.

فالصلاة هي التي تدعو جميع المتعبين والثقيلي الأحمال لكي يأتوا إلى الرب ويستريحوا (متى28:11-30). لذا على قلبنا عندما نصلي أن يكون خالياً من الحقد، وإلا لا نستفيد شيئاً. أما طلباتنا فلتكن بسيطةً، وخاليةً من التكلف والتزويق، لننال الجواب والمصالحة من الرب. كما يجب أن نكون مستعدين عند متابعة صلواتنا وأن نكون تائبين وصادقين.

طلباتنا نحن الكُثر، أفراد العائلة الواحدة، تتعدد بتعدادنا فمثلاً: أن نصلّي متضرعين إلى الله من أجل بعضنا البعض، لا من أجل أنفسنا فقط. المهم أن نقدّم مع صلاتنا وطلباتنا الشكر لله، ونندم على خطايانا. هذه هي الصلاة المقبولة لله.

الصلاة الطاهرة النقية تتطلب منا النجاح في السعي للتغلب على كامل قلقنا، وأيضاً ألا تصدر منا رغبة في الافتراء وتشويه السمعة والحديث التافه والنميمة والكلام الأحمق. وعلاوة على كل ذلك أن نستأصل الغضب والحزن، وأن ننزع من أنفسنا بقوة شهوة الجسد ومحبة المال.

ويجب أن تترافق الصلاة مع تبني الإنسان لطريق العفة والبساطة والبراءة، مع ترسيخ روح التواضع الكامل والعميق. وتتصف الصلاة بدرب نسير فيه بالتدريج صعوداً نحو الأعالي لنصل إلى إمكانية التأمل في الله بعليائه مكتشفين هناك وجود الحقائق الروحية، التي يُفسح لها المجال لتنشغل بها عقولنا، بمعنى أن كل الفضائل التي تغمرنا والتي بها ننشغل بدلاً من الرذائل التي رفضناها. وسأختم كلام الصلاة بأقوال عن الصلاة للأب أفاغريوسالبنطي أحد آباء الصلاة:

+ إنْ رغبت أن تصلّي كما ينبغي، لا تُحزن أحداً البتة وإلا باطلاً سعيك.

+ قيل: دعْ قربانك أمام المذبح واذهب أولاً واصطلح مع أخيك ثم تعال (متى24:5) وصلِّ دون قلق لأن الحقد يعمي بصيرة المصلي ويُغلف صلواته بالظلام.

+ إذا كنت صبوراً، صلّيت دوماً بفرح.

+ لا تصلِّ لتحقيق رغباتك، لأنها لا تتفق بالضرورة وإرادة الله. لكن بالحري صلِّ كما تعلّمنا قائلاً: لتكن مشيئتك فيَّ (متى10:6) وهكذا في كل شيء اسأله أن تكون مشيئته، لأنه هو يريد خير نفسك ومنفعتها، أما أنت فإنك لا تطلب ذلك بالضرورة.

+ الصلاة هي ارتقاء الذهن (الروح) نحو الله.

+ إنّ صلّيت مع اخوة أو بمفردك، اجتهد أن تصلّي بإحساس وليس على سبيل العادة.