رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

دَيريْ القديس جاورجيوس والشيروبيم - صيدنايا - ..............................نشاطات الدير: سهرانية في دير القديس جاورجيوس لعيد القديس موسى الأسود يوم الجمعة 27 - 8 - 2010......................جديد الموقع: صفحة نشاطات الدير - آب :رياضة روحية لجامعين وعاملين مدارس الأحد الأرثوذكسية فرع دمشق (فرقتي القديس سابا والعنصرة) ......................... مخيم للتعليم الديني طفولة آيو ......................مخيم مشترك لطفولة مدارس الأحد الأرثوذكسية في داريا و الزبداني ..........................صفحة صوت الديرين: حديث الأسبوع 15آب :العفة في الكتاب المقدس(الأرشمندريت يوحنا التلي)....................صفحة  صنارة روحية: صدى أسرار قلب (الأخت ماريا)...........................صفحة سؤال وجواب: من هي مريم المجدلية؟........................... صفحة ملتيميديا: قصص للأطفال (الراعي المحب).................................صفحة مساهمات القراء: موضوع للأخ شادي رزق "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل"- تأمل للأب فادي هلسة "في عيد التجلي"

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

حديث الأسبوع (11 تشرين الأول)

أرشيف

وعظة الأحد

محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

"ميلاد نجمة، والشريط الذي لا ينقطع"

المركز الثقافي في صيدنايا 8-10-2009

"ميلاد نجمة، والشريط الذي لا ينقطع"

 

أيها الحفل الكريم،

بفكرنا وعقولنا وأفئدتنا، نستحضر باجتماعنا اليوم إنساناً نود لو أنه لم يمت, لا لأننا نحمل مشاعر وعواطف نحوه, فهذا نبلٌ شائعٌ في الإنسانية. وليس من أجل ذويه وأهل بيته، وأخص منهم بالذكر زوجته وابنته الوحيدة, وليس رفضاً لضرورةٍ أقدسها ألا وهي تكملة حياته العائلية، التي من أجل إكمال مسيرة حياة أسرة, أتمنى له لو بقي حياً، وقام بتربية ابنته متعاوناً مع أمها. وهو هدفٌ جليل في مسيرة الحياة الاجتماعية. ولكنني من أمنيتي هذه أبتغي شيئاً آخر.

قبل أن أذكر هذا الشيء لا بد أن أذكر أن حديثي لا يقوم على موقف رفضٍ للموت، وذلك لأنني أؤمن بالقيامة، تلك التي جعلت من بولس الرسول يقول عن الموت: "إن آخر عدوٍ يُبطَل هو الموت". بمعنى أن الله لا يحوله إلى صديق, ولكنه يحول الميت إلى صديق. هذا التخطي الذي يظفر به الميت بغلبته على الموت, استمراراً لما فعله المسيح حين داس الموت وغلبه. وهذا ما يجعلنا نتعزى بأن ميلاد ظافراً منتصراً ينتظرنا. ولمَ لا؟ فإن حياته تدل على ذلك.

إذاً ما الأمر الآخر الذي من أجله وددت ألا يموت ميلاد نجمة؟

إنه رغبتي بأن يبقى (الشريط مستمراً). ويبقى ميلاد من خلاله في مسيرة الأحداث يساهم في نقل (البؤساء) من جحيمهم. في ديمومة شريطه الأول كنت آمل أن نصل معه إلى مساهمة فعالة للانتقال بهم من حالِ ذاك البؤس, يمنحهم به جهاداً متجدداً لينتصروا على أحداث التخلف والزيف لا بل والفقر والجهل. وينقلهم إلى الحالة المنتظرة تلك التي نقرؤها بين سطور كلمات الحياة التي تركها في وحيديه اللذين تركهما. ممثلاً بالظفر الذي تحقق في شخص ابنته سميرة. فقد واصلت جهادها في دراستها، وأكملت السعي في زواجها، وحققت مع شريك حياتها أسرة تتابع درب الحياة، درب الشريط المستمر في الوجه الإيجابي له. وجه الانتصار.

أما كتابه، وهو وحيده الآخر وشريطه الذي لا ينقطع, فهو الكتاب الذي تتحرك فيه الحياة مع أبطال قصصه الواقعيين، والذي جعل أمنيتي بعدم موت ميلاد لرغبتي في أن تكتمل حياتهم، وهو ما سيمنح قارئه معرفة يتم له بها عيش الحياة الجديدة.

إذاً ما نريده من استحضار ميلاد هو أمرٌ آخر، إننا نريده أن يكمل شريطه ليستمر مناضلاً في مسيرة البشرية المعطاءة، تلك التي تضع يدها بيد كل من يعمل على توحيد الكون مقدماً ثماراً يانعة كمثل ثمار ميلاد، وهو ما زرع فينا أثراً دفع إلى اكتشافنا لحلمه الذي لم يحققه, وهو ما يحفزنا لأن نكمله نحن.

وإن أردنا اليوم أن يكون ميلاد معنا، فإنه حاضرٌ بعهدنا له في ألا نهمل رسالة حياتنا، نسعى بها إلى استمرارية مسيرة هذا الشريط، الذي يتنوع في غاياته التي تقود مسيرة حياتنا نحو (عيش الحقيقة).

فيا أسرة الراحل ميلاد نجمة, ويا أيها الضيوف الكرام, ويا أيها الحشد المحترم الذي أحب وقدّر الفكر والإنسان والقلم في شخص ميلاد, والذي من أجله أتوجه إليكم بكلمتي هذه التي تنتظر من كلٍ منكم أن يكملها بما تحمل جعبته عن شخص الفقيد ليتم بهذا المرتجى.

حديثنا اليوم عن ميلاد الذي رحل في ريعان شبابه, وهو ربٌ لأسرة لم يمتد عيشه فيها لأكثر من عام واحد، تاركاً مع زوجته الثكلى وحيدته التي لم يتح لعينيه أن يتكحَّلا برؤيتها لأنها تيتمت بوفاته وهي لم تكمل الشهر الأول من عمرها. وهي بعد هذه السنين قد صارت المهندسة سميرة نجمة زوجة الدكتور المهندس سهيل مرشه.

كانت حياة ميلاد منذ نعومة أظفاره حياةً جديةً، انتصر من خلال شقيها الاثنين الدراسة والعمل. فإذا كانت دراسته قد أوصلته إلى الجامعة, فإن عمله بأشكاله الشاقة والمتعددة نقله من كادحٍ حقيقي إلى صحفيٍ وكاتبٍ وأديبٍ.

فعمل محرراً في الصحافة السورية مثل: (الطليعة والجمهور وصوت العرب والنصر). كما ونشر قصصاً قصيرة في مجلة (الشهر المصرية). وفي لبنان عمل في جريدة (التلغراف والطيار). وقبل وفاته في لبنان بخمس أشهر التقى الأديب الكبير ميخائيل نعيمة في بسكنتا وتحديداً بتاريخ 18 آب 1963م، وجرى بينهما نقاش حول أدب جبران، وحول القصة العربية والرواية. وبعد اللقاء كتب ميلاد مقالاً في جريدة التلغراف بعنوان: (في أدب جبران).

جديته أثمرت, وقطفنا منها ثماراً مفيدةً كانت باكورةً مبشرةً. ولكن قبل أن نهنأ بقطف المزيد كان الرحيل. رحيل الإنسان الاجتماعي، ورحيل الفكر, ورحيل الأحلام التي كانت تنتظر يقظةً في عمرٍ منتظِرٍ، لتتحول إلى حياةٍ معاشةٍ عند الآخرين.

لقد أحب الله الإنسان قبل خلقه, فأبدعه ليصير وجوداً، فكان هذا ذروة الإبداع. واستمر الإبداع يعمل في هذا الإنسان، وكان جوهره بارزٌ عند كل من يفكر بالإنسان ويوجه رسالته لرقيّه. فيتحسس آلامه, ويعمل من أجل تقدمه, والتقدم هو تغيير وتعديل إلى الأحسن. وهذه كانت دعوة ميلاد، إنها إبداعٌ يحمل التغيير من أجل سعادة من يبدع لأجلهم. وفي هذه كمنُت عبقريته منذ البدء والتي كانت تنتظر النضوج. ولكنها وللأسف فما إن تفتحت حتى خبت. وهناك رسالة تلقاها من السيد (سام قباني) مدرس الأدب واللغة العربية في مدارس بيرلتس وجامعة فرانكفورت  في ألمانيا يقول له فيها: (ولقد طُلِب مني –من مصدرٍ وزاري- إصدار مجموعة تمثل النهضة الأدبية في سوريا ولبنا الحديثين. فأخذت خمسة عشر كاتباً سورياً، وخمسة مؤلفين لبنانيين يمثلون الوطن السوري، من جبران خليل جبران حتى غسان كنفاني ومراد السباعي. ومن البديهي والمسلَّم به أن يمثل السيد ميلاد نجمة إحدى درر هذه المجموعة). ولما كانت الرسالة قد أُرِّخت بتاريخ 15-11-1963 أي أنها وصلته قبل أيام قليلة من تاريخ وفاته. فلا نعلم ما إذا استطاع أن يُرسل رداً بالموافقة خاصةً أنه كان مريضاً حينها. إلا أن الرسالة تُثبت أنه تمنى ألا يكون أدبه لأهله من أبناء صيدنايا وسوريا، بل أن يكون أدباً أممياً وكونياً. وذلك لأنه كان يُدرك أن رسالة الإنسان موجهة لكل إنسان، وهي تسعى إلى إسعاد الناس بدون تمييز.

ورسالة المسيح في جوهرها تحمل هذا الامتداد. فموضوع التطويبات هو موضوع نشر السعادة، لأن كلمة طوبى تعني (يا لسعادة). يسوع كان يريد السعادة للإنسان وللبشرية كلها. كانت رسالته تحرك السماء لتجعل الفرح يعمّ الأرض حين يقدر إنسان أن ينقذ إنساناً من ضياعه. وميلاد الذي أجهل مدى وده للمسيح، أعلم من قصصه التي حواها كتابه الوحيد، أنه كان يشعر بمشاعر الإنسان الفقير المسكين الضائع، وقد سعى جاداً ليرد إليه السلام والفرح والسعادة، مُعبراً من خلال شخوصه عن أحاسيسه ومشاعره.

ومن خلال قراءتي لكتابه وضح أن عمل ميلاد ارتبط بإرادة المسيح، الذي أطلق رسالة الاهتمام بالآخر كل آخر، ليكون العالم أممياً بافتقاده للإنسان كإنسان. لقد علّم يسوع من عمق كيانه الداخلي، من ذلك المكان الدافىء والممتلئ بالمحبة لينطلق نحو الإنسان الآخر بهذا الحب وأيضاً بالعطاء والرعاية والاهتمام. لقد استحوذ على ميلاد مقتدياً بالمسيح هذا الحب للآخر. لقد استحوذ على فكره وقلبه وعقله, وظهرت آثاره في أخلاقه أيضاً. وبهذا الاقتداء في المحبة صار تلميذاً ليسوع يكره الشر والظلم, ويحب العدل والخير, وينخرط بواجب وإيجابية في الخدمة العامة عطاءً وحديثاً وفكراً وقلماً.

كان ميلاد ينجذب إلى الحق, وإلى قضايا الحق انجذاب النحلة لرحيق الزهرة، وكان يضع الحق بما يليق به من سموٍ ورفعةٍ, وكان يرتفع به حتى ولو كان على حساب نفسه. وكلنا يعلم أن أزمة الوجود والبشر هي أزمة حق. المحاكم بأنواعها حتى المحاكم الدولية، تنشغل بانتهاك الحريات والتخمة على حساب الجائع من أفراد إلى جماعات إلى دول. الكل يتحدث عن الحق بما يرضي مصالحه. أما أن تجد ميلاً للحق على حساب الذات كمثل ميلاد فهذا نذر وقليل.

ويطيب لي أن أشير في هذا الموضوع، إلى أنه كان من المواضيع المهمة في شخص يسوع، جعل تقديم الحق عنده فوق كلِّ اعتبار. وهذا ما جعله يطلق على نفسه اسم (الحق)، معلناً بذلك أنه أراد أن يقدم نفسه فداءً عن كثيرين، ليبقى الحق رائداً وفي الطليعة.

وكلنا نعرف أنه عندما سأل بيلاطس يسوع قبل ساعة الحكم عليه بالموت:"ما هو الحق؟" فلم يجب يسوع بيلاطس، وهو الذي قال له قبل دقائق معدودة: "... جئت إلى العالم لأشهد للحق, وكل مَن هو مِن الحق يصغي لصوتي" (يو37:18) نعم, لم يجب يسوع بيلاطس لأنه لم يكن على استعداد لأن يصغي للحق أو يعمل بموجبه. بل فضّل لنفسه سلامة كرسيّه على العمل بهذا الحق. فلو كان ميلاد مكان بيلاطس لأفرج عن يسوع غير خائفٍ إلا على سلامة الحق. وهكذا يكون الصوت والكلمة والقرار.

سأتجنب في الحديث الآن عن ميلاد محور الكاتب والإنسان لمن هو مقتدرٌ أن يُعلِمُنا عنه بقوةٍ. فالأستاذ نصر الدين البحرة بما قدمه لم يترك زيادةً لمستزيد.

إلا أنني سأنتقل إلى ميلاد الصيدناوي ابن هذه المدينة، والتي كانت قرية يوم ولد وترعرع في ربوعها, وهي التي نعتز جميعنا بانتمائنا إليها. لطُهر مكانها ونبل إنسانها.

وُلِد ميلاد نجمة عام 1932 في صيدنايا من أرومة أسرة كريمة عُرِفت بنقائها وطيبتها. كانت تعيش كمثيلاتها من الأسر على الزراعة البدائية والعمل اليدوي. تعلم في مدرستها (الابتدائية) وحصل على الشهادة التي كانت تسمى آئنذٍ (السرتفيكا). وكان من التلاميذ العصاميين يدرس ويعمل في آن، لأن والده توفي وهو لا زال صغيراً.

انتقل إلى دمشق بعدها ليتابع تحصيله العلمي في مدارس الآسية، تلك المدرسة العريقة التي يزيد عمرها عن القرن ونصف القرن. وقد احتضنت وعلمت الكثير من أبناء صيدنايا, ومن بينهم المرحوم ميلاد. في وقت كانت الأمية تخيم فيه على العديد من القرى والبلدات المجاورة. وعلى الرغم من أنه عرف اليتم طفلاً, فهو لم يتلقاه بالإحباط واليأس, بل بمزيد من العمل والنشاط. فكان الساعد الأيمن لأمه وشقيقه, في الشتاء يتعلم ويدرس بينما يعمل ويكدح صيفاً, في كروم صيدنايا وحانوت دير السيدة, وورش البناء في بلدته تشهد على ذلك. وعندما تتصفح كتابه اليتيم (الشريط الذي لا ينقطع), والذي أنجزه في مطلع الستينات في القرن الماضي, تشتم رائحة جفنات العنب الجوزاني, وأوراق أشجار تين (حويا). وتتراءى لك جرود صيدنايا ومناظرها في عزِّها مثل (رباعتا وغُذْره والوادي وتشالي وغيرها).

فعندما تقرأ قصة (الأرض أرضنا) لميلاد, تلمحه واحداً من الفلاحين، ينتقل بين الأفدنة وينكش حول تلك الكرمة, ويورّق تلك, ويختال بين التينات والعنبات. وبلسان الصيدناوي المتشبث بأرضه, والمدافع عنها كدفاعه عن عرضه يقول للسمسار محجوب الذي يغريه ببيع الأرض: (الله يبارك هذا الفدان, وحده يعادل مزرعتك يا حجوب أنا أبيعك أرضي! هه مسكين, بعدك تجهل ميلاد وعقل ميلاد, الأرض كنز, وإذا كنت العدل أنا رباطه) ويتابع ميلاد حديثه هذا مع آخر أطلق عليه في القصة اسم خليل قوله: "الأرض ما هي بيعة فجل يا رجل".

وكذلك في قصة أبو جبران والصخرة (وللعلم أبو جبران كان حجاراً من حجّاري صيدنايا المعروفين) ما أن تنتهي من قراءتها حتى تتناهى إليك قرقعات المخل وأصوات الرج من مقلع قرنة مارجريس, وتلمح عمال المقالع وهم يستخرجون أحجار المرمر الرائعة الجمال.

ولقد أصاب الكاتب والباحث نصر الدين البحرة حين قال: (ويحلو لميلاد ويفرحه أن يكتب عن ضيعته "صيدنايا". ولقد قرأت لعدد من الكتاب في وصف حياة الفلاحين, فلم أشعر وأنا أتصفح نماذجهم القصصية بمثل ما طاف في نفسي, وأنا أقرأ قصص ميلاد عن ضيعته).

ولمَ لا, فميلاد منذ يفاعته كان طليق اللسان, واضح البيان, معتزاً ببلدته ووطنه وأصدقائه, وكل شبر من الأرض التي كتب عنها. وأظن بأن كل من عرفه أو خالطه, أو قرأ كتابه يشعر-كما يقول الأستاذ نصر الدين البحرة– (بأنه كتب لك عن شخوص إن لم يكن هو منهم, فإنه على الأقل صديق حميم لهم, قريب جداً منهم, فتكاد أن تشم أنفاسهم, وتحس بخفوق قلوبهم, وترن من حولك أصدائهم).

وميلاد نجمة الذي عاش الظلم الاجتماعي والاقتصادي مذ كان طفلاً, شب ثائراً متمرداً على القيم البالية. وطبيعي أن يتبنى فكراً طليعياً يحقق طموحات الطبقة التي انتمى إليها. وأن ينحاز في سلوكه وفي كتاباته إلى جانب الحياة والإنسان. لقد شق لنفسه طريقاً بقي ملتزماً به ومعتزاً بقيمه حتى آخر حياته. تلك الحياة التي امتدت بين عامي 1932-1963 قدم خلالها الكثير من الدعم لهذه القيم. فهو إنسانٌ نقيٌ شفافٌ نموذجٌ حقيقيٌ للشاب العصامي الطيب. عاش فترة النهوض الوطني في خمسينات القرن الماضي, وقدم مع رفاقه في بلدته خدمات عديدة في التعليم والتثقيف والدفاع عن الوطن, وتبنى قضايا الفقراء والمناضلين, وكتب العديد من المقالات السياسية والوطنية في الصحف والمجلات المحلية. ولقد سمعت من معارفه أنه قرض الشعر أيضاً, وكتب الزجل أحياناً استجابةً لخاصية بلدته صيدنايا التي يشتهر أبناؤها بذلك حتى اليوم, وكذلك غنىَّ وسط الحشود في الأعياد الوطنية أو المناسبات الدينية.

وكان له وقفات لا تنسى تؤكد جديته واتزانه وخلقه, التي تبدت في أبيات أو ردّات زجلية فيها من الحكمة والدراية بأهمية صيدنايا في قلوب كل من عاش على أديمها أو شرب من مياهها, أو تنقل بين أوابدها التي بات يعرفها القاصي والداني في جميع أنحاء المعمورة. لهذا وصف بلدته مغنياً لها قوله:

"يا صيدنايا محلاكِ جنة فردوس                   واليوم زايد بهاك بعيد مارجريس"

أيُّ عشقٍ يختزن قلب هذا الإنسان لمدارج طفولته, وللمناسبات الحلوة التي عششت في ذاكرته, واحتلت حيزاً كبيراً من مخزونه الفكري والأدبي. ومن المعلوم أن الكلام الذي يخرج من القلب يدخل إلى قلوب كل من يسمعه. لهذا السبب ظلت هذه الردة, وهي هذا البيت من الشعر راسخةً في قلوب الأبناء والأحفاد. وهي بذلك تؤكد أن شريط ذكرياته لم ولن ينقطع.

والكثيرون يعرفون أنه عندما (خدم العلم) كان على الخطوط الأمامية أيضاً مدافعاً عن مقدسات أرضه وشعبه, وهو في ذلك لم يسع لتكون صيدنايا شامخةً وحدها, بل وضع الوطن كله في قلبه ووجدانه. وقصة "البندقية العتيقة" صدىً لما أقول. وتدعمها كذلك قصته "نمر البحيرة" ليشكلا حلقاتٍ في سلسلةٍ في شريطه الذي لا ينقطع. ولقد صورت قصته "البندقية العتيقة" حدث العدوان الثلاثي على مصر، وقد حملت موقفاً عملياً تحول به ميلاد ورفاقه من أبناء البلدة إلى التدريب على السلاح وتدريب غيرهم, ورافق هذا التدريب نشر التوعية بأن المستعمر لا يأتي إلينا إلا مستغلاً لشعبنا ووطننا. وبطل القصة أبو فارس يوضح ذلك بقوله: "الحرب وقعت يا سعدة... هاتي لي الخنجر والعصا أم راسين والبارودة... لقد اقتنع أبو فارس أن المعركة يمكن أن تنتقل إلى بلده, كما اقتنع بضرورة الاستعداد والتأهب للدفاع عن الوطن، إنه يفضل أن يموت على أن يشاهد بعينه ابناً له يدفن تحت وابل الغارات".

ومن المفيد الإشارة إلى أنه عندما كان في  الميدان وهو على خطوط النار اهتم بأن يعلم جنوده القراءة والكتابة إلى جانب التدرب على حمل السلاح. وهذه فقرات قصيرة من رسالة بعثها لأحد أصدقاءه يصور فيها وضعه في الجبهة. والرسالة منشورة في كتاب صدر عام 2006 لمؤلِّفه يوسف أبيض بعنوان (على طريق الجلجلة):

"هنا يا صديقي نقتات الحقد كل ليلة, على قدر حبنا لمن هم خلف الخطوط الأمامية, الأهل والأحباب والجيران والأطفال. يتأجج في داخلنا الحقد على أعدائهم. ألمَ يغتصبوا أرضنا فلسطين؟ أما ذبحت عصاباتهم أطفالنا ونسائنا وشيوخنا وشبابنا في قببّة ودير ياسين؟ لن نغفل هذه المرة,لن نسمح لهم أن يتسللوا أو أن يعبروا.

نعم أنا سعيد هنا, مع ذلك يقتلني الشوق إلى عالم الكتابة, عزائي أن أختزن كالبطارية.... علاقتي مع الكتابة لم تنقطع نهائياً, فقد احترفت كتابة الرسائل للجنود الأميين, تصور أن لدينا كثيرين ممن لا يفكون الحرف, لكم أشعر بالحزن نحوهم. في الوقت نفسه لم أقصر إذا ما سنحت لي الفرصة في تعليم بعضهم مبادئ القراءة والكتابة". ثم أتاه الرد من صديقه أبو رياض في رسالةٍ مطولةٍ، ومن بين سطورها يكتب له قائلاً: "بهذه المناسبة أتمنى أن تصبح عضواً في رابطة الكتاب العرب.... أنا على ثقةٍ الآن، بأن المستقبل يفتح لك ذراعيه، لتكون قاصاً ذا نكهةٍ متميزة".

هذا هو ميلاد نجمه, هو الأنموذج الساطع للصيدناوي الأصيل، والمواطن الصالح لبلدة سورِّية. والإنسان الذي يهتم بإنسانية كل إنسان في رحاب هذا الكون الواسع.

فهنيئاً لأسرة ميلاد التي قامت بتنظيم هذه الأمسية، مع الشكر الكبير للمركز الثقافي في صيدنايا الذي نجتمع باسمه اليوم لنستعيد حقبةً جميلةً من تاريخ بلدتنا, وقطرنا ليبقى شريطك يا ميلاد المتمثل بكتابك يحمل عطاءات فكرك ومثلك ومحبتك, ليتأكد الجميع أن شريط فكرك هو الشريط الذي لا ينقطع.

 وشكراً لإصغائكم.

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا