رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

دَيريْ القديس جاورجيوس والشيروبيم - صيدنايا - ..............................نشاطات الدير: سهرانية في دير القديس جاورجيوس لعيد القديس موسى الأسود يوم الجمعة 27 - 8 - 2010......................جديد الموقع: صفحة نشاطات الدير - آب :رياضة روحية لجامعين وعاملين مدارس الأحد الأرثوذكسية فرع دمشق (فرقتي القديس سابا والعنصرة) ......................... مخيم للتعليم الديني طفولة آيو ......................مخيم مشترك لطفولة مدارس الأحد الأرثوذكسية في داريا و الزبداني ..........................صفحة صوت الديرين: حديث الأسبوع 15آب :العفة في الكتاب المقدس(الأرشمندريت يوحنا التلي)....................صفحة  صنارة روحية: صدى أسرار قلب (الأخت ماريا)...........................صفحة سؤال وجواب: من هي مريم المجدلية؟........................... صفحة ملتيميديا: قصص للأطفال (الراعي المحب).................................صفحة مساهمات القراء: موضوع للأخ شادي رزق "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل"- تأمل للأب فادي هلسة "في عيد التجلي"

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

حديث الأسبوع (13 أيلول)

أرشيف

وعظة الأحد

محاضرة لقدس الأرشمندريت يوحنا التلي

                                                                                                                                                                        لمخيم ثانويي فرع والدة الإله

دير التجلي- كفرام-21-8-2009

 الحياة الروحية

 

أولاً: مقدمة: مفترق الطرق

عندما يجد الإنسان نفسه وسط ميدان تتشعب طرقه، عليه أن يختار طريقاً يسلكها، وهي التي تـؤدى إلى الموضع الذي يريد أن يصل إليه. ونحن في درب حياتنا وسط ميدانٍ كهذا، يسير كل واحد منا في الطريق الذي يختاره، والذي تكون إهتماماته كلها منصبةً فيه.

وأنتم اليوم كشبيبةٍ لكنيستكم يرسم كل منكم طريق مستقبله، آمالاً وآمنياتٍ تسعون لتحقيقها. وبوجودكم اليوم مجتمعين معاً لرسم هدفكم. فلكل طريق نهاية ولكل طريق غاية. وغاية الإنسان المسيحي عيش الحياة الروحية للوصول في النهاية إلى الحياة الأبدية.

والكتاب المقدس يرسم خريطة الحياة للإنسان، وعليها طرقها المختلفة، وينصحنا بالبحث والسؤال عن السبل القويمة، لنتعرف على الطريق الصالحة المؤدية إلى الحياة الأبدية، لكي نسير فيها. يقول أرميا النبي: "قفوا على الطرق وانظروا. واسألوا عن السبل القويمة ..أين هو الطريق الصالح ...وسيروا فيـه". (أر16:6). كما ويرشدنا السيد إلى الطريق القويم الذي يصفه بالضيق: "أسلكوا من الطريق الضيق لأنه واسع الباب ورحب الطريق المؤدى إلى الهلاك". (مت13:7).

أول ما يلفت نظر الإنسان في مفترق الطرق، منظر الطريق الواسع من حيث رحابته وسهولة السير فيه. هذا إلى كثرة السالكين فيه. إنه طريق الغالبية العظمى من بنى البشر، حتى ليخيل للبسطاء أنه الطريق السليمة بدليل إجماع الناس عليه!!! في ظاهره يحمل مغريات كثيرة، وحين نضعه تحت المجهر ونتأمل فيه جيداً، نجد حقائقه الآتية التي توهم أنها ميزات، ففيه: سعادة وهمية-  كآبـة قلبيـة- تعاسـة أبدية. 

أما طريق الضيق فيكاد لا يرى، ولا يشاء أحدٌ أن يسلك فيه. رغم أنه طريق ضيق، فهو مستقيم. ولا ننكر أنه كرب، ولكنه مضيء. ليس فيه من بهجة الدنيا شئ، ولكنه مملوء بأفراح من نوع آخر. هذا هو الطريق الصالح المؤدي إلى الحياة الأبدية.

يقول الرب يسوع: "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وكل شئ يزاد لكم" (مت33:6). أي أن يكون الإهتمام الأول للإنسان هو السير في طريق الملكوت. وعندما نتحدث عن السير في هذا الطريق، فهذا يعني هذا الإهتمام بكل ما يخص الروح. فالإنسان هو جسد وروح، وأن يعيش بحسب الروح، فهذا يعني العيش من خلال الفضائل، التي تغذي الروح وتقويها، ليكون الجسد خاضعاً للروح.

لكن كما قرأتم جميعاً القصة التي بين أيديكم، فنحن نضع أولوياتنا في أمورٍ ماديةٍ كثيرة ونهمل حياتنا الروحية. غالبية الأهل يجعلون قصارى همهم تربية أولادهم، بتأمين الطعام واللباس والعلم لهم. متغافلين عن أن يعطوهم الغذاء الروحي اليومي كمثل إعطائهم غذاء الجسد. وإن سألناهم عن عدم التوازن في واجبهم هذا يجيبون (نحن نبعث بهم إلى مدارس الأحد)، والسؤال هنا، هل يتابع هؤلاء الأهل ما يتعلمه أولادهم من أمورٍ روحية في مدارس الأحد؟ أو هل يتابعون تدريبهم على حياة الفضيلة؟ أقول والآسى يملأ نفسي بأنهم إذا وجدوهم يطبقون التعاليم الروحية، ينزعجون ويستخفون بهم!! بالطبع هناك أهالٍ يتابعون تعليم مدارس الأحد مع أولادهم، فيعمقون لهم ما أخذوه، ويتباحثون معهم في كل الموضوعات المعطاة لهم عن طريق التعليم. ويساعدونهم على تطبيق مضمونه في حياة أولادهم لكي يعيشوا حسب ما تعلموا، وينطبق على هذه القلة من الأهل ويساعدونهم على تطبيق قول المسيح: "طوبى لمن يسمع كلمة الله ويعمل بها" (لو28:11).

ونظراً لأن غالبية الأهالي هم من القسم غير المكترث، وغير المتعاون بجدية مع الإرشاد الروحي. فيصير لزاماً علينا أن نقول من خلالهم أنّ هذا الجو الذي نشأ فيه عدد كبير من شبيبتنا، جعلهم دون أن يدروا يهملون كل ما هو مختص بالروح، وينصب اهتماهم أكثر وأكثر على أمور الجسد والدنيا، مما جعل الحياة الروحية شيئاً غريباً عليهم، وأوهمهم أن عيشه صعب للغاية. لذالك إن أردنا أن نحيا بالروح، علينا أن نعرف ما هي الحياة الروحية وما غايتها؟ وما مقوماتها؟ وكيف نسلك فيها؟

  

ثانياً: الحياة الروحية وغايتها

الحياة الروحية هي الحياة بالروح القدس، أما الحياة الجسدية فهي الحياة بدون الروح القدس أي حياة الخطيئة. الحياة الروحية تتطلب تضحيةً بمتطلبات الذات من أجل البدء بأي عملٍ صالحٍ. أما الحياة الجسدية فهي اتباع الشهوات والرغبات الجسدية، التي تحمل اللذة الملموسة. وبما أننا لم نتعود على التمتع والفرح بالنعمة الإلهية، وبتذوق حلاوة الحياة الروحية، فنحن نكتفي بما تقدمه لنا الحياة الجسدية من مواد هذا العالم دوماً.

السيد المسيح يقول لنا: "المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح". (يو6:6).  وبما أننا ولدنا بالمعمودية من الروح القدس فنحن أبناء الروح. أي أننا أناس روحانيون، ولسنا أناساً دنيويين ننتمي إلى الجسد.

ولذلك ينبغي أن نعرف من هو الإنسان الجسداني؟ ومن هوالإنسان الروحاني من خلال ما يلي؟

v   الإنسان الجسداني: هو ذلك الإنسان الذي ورث الطبيعة الجسدية بالولادة من أبوين جسديين. فوجوده مقصور على طبيعة اللحم والدم البشرية. له الغرائز والميول الحيوانية. له عقل ومنطق الحكمة العالمية.

لذلك فهو لا يستسيغ الأمور الروحية، إذ أنها ليست  بذات قيمة في نظره، كما قال معلمنا بولس الرسول: "الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة، ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يحكم فيه روحياً".(1كو14:2).

وهو لا يُعجَبُ بتصرفات الروحانيين، ويرى أنهم غير طبيعيين، وأنهم غير واقعيين ويهربون من واقع الحياة ومسؤلياتها. وهم بالإضافة لذلك معقدون نفسياً. إذ يميلون للانعزال عن المجتمع، ولا يشتركون في لهوه وخمره وحفلاته.

وقد قال القديس انطونيوس: "كما أن السذج وغير المعلمين، يستهزئون بالعلوم، ويرفضون الاستماع إلى شئ منها، لأن المعرفة تفضح جهلهم، لهذا يودون أن يكون الكل جهلاء مثلهم. هكذا أيضاً المنحلون في حياتهم وأخلاقهم لهم شوق عظيم أن يكون الكل أشر منهم. ظانين أنهم بهذا يجدون عذرا لأنفسهم باعتبار أن الأشرار كثيرون".

هكذا هي حال الإنسان الذي لا يعيش بحسب الروح. إنه يستمتع بهذه الحياة حقاً. لكنه سيدفع الضريبة الباهظة لهذه الملذات. إذ يدفع آلاما وعدم سلام. علاوة على حرمانه لاحقاً من التمتع بالأبدية، لأنه لم يحصل على جنسيتها، ولم ينل الطبيعة الروحية التي تتذوق حلاوة الملكوت. وكلامنا هذا لا يعني أن الجسد هو مصدر الخطيئة، لكن الخطيئة هي أن تخضع الروح لشهوات الجسد.  

v   الإنسـان الروحـي: هو ذاك الذي وُلِد من الروح القدس فحصل كما يقول عنه القديس بطرس الرسول: "على الطبيعة الروحية وصار شريكاً للطبيعة الإلهية" (2بط4:1).

وهو الذي اختبر في أعماقه التحول الجذري من الطبيعة الجسدية إلى الطبيعة الروحية الصالحة. وذاق نعمة الرب، فانحصرت كل آماله وميوله، وعواطفه وحبه، وحياته وأبديته في شخص المسيح، ليقول مع بولس الرسول: "لي الحياة وهي المسيح". (في21:1).

الذي يحيا بالروح يعرف بالخبرة أن الحياة مع الله ليست حرماناً أو كبتاً أو تزمتاً أو حزناً، بل هي على العكس من ذلك. فما أمتع الحياة مع المسيح وما أسعدها!! إذ يعيش القلب خالياً من الصراعات النفسية التي تصحب الخطيئة، يقول الكتاب "الأشرار كالبحر المضطرب، لأنه لا يستطيع أن يهدأ وتقذف مياهه حمأة وطيناً، ليس سلام قال إلهي للأشرار". (أش20:57-21).

أما عن متعة الحياة المسبقة في عيشها مع المسيح فيقول داود النبي والملك: "يارب بقوتك يفرح الملك وبخلاصك كيف لا يبتهج جداً" (مز1:21). ولهذا قال: "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب. طوبى للرجل المتوكل عليه." (مز8:34).

 

ثالثاً: السلوك بحسب الروح:

كما علِمنا أن الإنسان روح وجسد، ولكل منهما طبيعته وصفاته الخاصة. لذا فالمرء يحيا في صراعٍ دائمٍ بين الإنسان الجسدي العتيق الفاسد. والإنسان الروحي الجديد الطاهر.

وتظل الحرب بينهما حتى ينتصر أحدهما. فالأمر كما قال القديس بولس الرسول: "الجسد يشتهي ضد الروح، والروح ضد الجسد وهذان يقاوم أحدهما الآخر" (غل17:5). كما ويوصينا قائلاً: "إنما أقول اسلكوا بالروح فلا تكملوا شهوة الجسد". (غل16:5). بهذه الآية نفهم من كلام بولس الرسول أن الروح القدس الساكن فينا، هو الذي سينتصر على شهوة الجسد، ليصبح الروح ملاذاً للإنسان الروحي لضبط جماح الجسد وشهواته وذلك من خلال ممارسة الرياضات الروحية، التي تدرب الجسد وتغذي الروح ويأتي على رأسها:

1- الصلاة: التي هي مركز حياة المسيحي، إنها تنفس الروح. فالجسد بدون روحٍ ميت، هكذا الإنسان بدون صلاة.

ليست الصلاة الحقيقية هي أن نقف أمام الأيقونات ونتلوا الصلوات شفاهاً فقط. فهذه كلها مظاهر خارجية للصلاة وإن كانت مهمة. الصلاة الحقيقية تعني التوجه غير المنقطع للقلب نحو الله. وهي كمثل العاشقين اللذين على الرغم من بُعدِ جسديهما عن بعضهما، إلا أن تفكير كلٍ منهما يكون منشغلاً بالآخر. وهذا الانشغال يجعل الآخر حاضراً أمامه. وهذا الحضور يمنع الشريك من الخطأ بحق شريكه. هكذا هي الحال أيضاً في حياتنا الروحية، فعندما نشعربحضور الله من خلال الصلاة، فنحن لن نستطيع أن نخطئ أمامه.

2- الصوم: الصوم ليس عبادةً الغرض منها هو حرمان الجسد من الملذات لأجل تعذيبه. بل هو فرصة نستطيع فيها إضعاف شهوات الجسد عن طريق ضبط النفس وبهذا أستطيع أن أدرب ذاتي على ضبط شهواتها في أي وقتٍ. وبالتالي يصبح الإنسان الروحاني هو السائد على الإنسان الجسداني. فالمشكلة ليست في الطعام الذي هو بركة من الله، بل في كيفية تناول هذا الطعام بشهوة وبأنانية بعيداً عن محبة الآخر ومساعدة المحتاج. الصوم هو تحريضٌ على محبة الآخر، وللخروج من أنانيتي عن طريق امتناعي عن تناول بعض الأطعمة، وبالتالي تقديمها للمحتاج.

الصوم ليس هو صوم الجسد فقط، بل هو موقف نافع للروح أيضاً فهي تتغذى منه، وخاصةً عندما يرافقه مطالعات روحية (كتاب مقدس- سير القديسين)، إضافةً للاشتراك بالمناولة الإلهية بشكل مستمر. هكذا يتحرر الإنسان تدريجياً من الماديات ويتروحن الجسد. فبالصوم يتضع الجسد، ومن ثمّ يتضع القلب. فنستطيع بذلك كله محاربة الخطيئة والقضاء عليها بنعمة الله.

 3- الإرشاد الروحي: من أهم العوامل التي تحفظ الإنسان في الحياة الروحية، هي الارتباط بقيادة روحية خبيرة، ووضع نفسه تحت إرشاد روحي لأبٍ حكيم، ممتلئ من روح الله. ويمكن للبعض أن يسأل، هل من الضروري استشارة أب روحي؟  الجواب يأتي من بولس الرسول: "أطيعوا مرشديكم واخضعوا لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم كأنهم سوف يعطون حساباً" (عب17:13).  فالأب الروحي هو خبير في الأمور الروحية وحاجتنا إليه من هذه الناحية، فهو كأي إنسان خبير في مجال عمله، يأتي إليه المبتدئ ليسأله عن بعض المشاكل ليقدم له حلولاً لها، فالرياضي مثلاً يلجأ إلى مدربه الخبير دائماً، ليتعلم منه الأصول والطرق الصحيحة ليصل في النهاية إلى هدفه، في أن يصبح رياضياً مشهوراً وذا خبرة- يستطيع من خلالها الاعتماد على نفسه. هكذا تظهر حاجة إنسان الروح إلى هذا المدرب (الأب) الخبير- ليصل إلى هدفه الأخير في عيش الحياة الروحية، التي توصله إلى الملكوت. الأب الروحي هو الجسر الذي يصلنا بيسوع، ونتكلم مع يسوع من خلاله. الأب الروحي هو الطبيب الذي يكشف أمراضنا الروحية، ويعطي لنا العلاج المناسب. لذلك علينا أن ننفتح تماماً على الأب الروحي، ليصبح صديقاً لنا، وأباً حقيقياً نكشف له أسرارنا.

4- عيش الأسرار الإلهية: في سبيل أن يتقدم الإنسان في حياة الروح، عليه أن يعيش أسرار الكنيسة المقدسة، وخاصةً سر المناولة الإلهية. وهذا لا يتحقق إلا من خلال التنقية من الخطايا عبر سر التوبة والاعتراف. وبعد ذلك نتقدم نحو الكأس المقدسة بإيمان وخوف وقلبٍ متخشع لله. نتقدم نحو هذا السر المقدس دون أن نحمل أي كره لأخينا، دون أن نحمل أي إدانة للآخر. إنما ندين ذواتنا شاعرين بأننا أكبر الخطأة، بل إننا لا نستحق أن نأخذ جسد الرب ودمه.

نحن بالمناولة الإلهية نتحد مع الله لنصبح كما يقول بطرس الرسول: "شركاء الطبيعة الإلهية". أي أن يسوع يسكن فينا لنصبح أجساداً له نحمله في دواخلنا. وهذا يعني أن تخرج الخطيئة منا، لأنه لا شركة للنور مع الظلام. وهو أمر لا يتحقق إلا بالارتقاء الروحي نحو عالم الملكوت، من خلال عيش الفضيلة المقدسة. عندها يسكن السيد فينا ونرتقي رويداً رويداً لنتحرر من الإنسان الجسداني. ويحيا الإنسان الروحاني فينا.

 5- عيش الفضائل: أن نعيش الفضيلة، وهو يعني أن نحيا بحسب وصايا الإنجيل المقدس، التي أوصانا بها السيد المسيح، والتي عاشها هو نفسه منارةً لنا لنسير على دربه. ومن أهم هذه الوصايا: المحبة التي تدفعنا لكي نهتم بكل إنسان، مقدمين له المعونة. وأيضاً الوداعة والتواضع دون استعلاء على الآخرين. وعلى قمة هذه الوصايا تتربع فضيلة الصبر على الشدائد والضيقات، وذلك حين نتذكر بإيمانٍ وثقةٍ، بأن لله غايةً من كل محنة يختبرنا بها. في النهاية عليّ أن أسأل ذاتي في كل يومٍ وفي كل موقف: لو كان يسوع مكاني الآن فماذا كان سيتصرف؟! بسؤالي هذا أجد أنني اهتديت إلى الجواب والتصرف الصحيح لكل أزمة اتعرض لها. وهذا كله لن أستطيع عيشه إلا إذا كان لي صحبة يومية مع يسوع عبر حياته التي أقرأها كل يوم في الإنجيل.

    

رابعاً: مقومات الحياة الروحية:

لا يمكننا أن نبني حياتنا الروحية في نفوسنا إلا إذا أقمناها على أسسٍ تدفعنا لنحيا بها، ومن أهم هذه المقومات:

1- الإيمان: وذلك لأن الإيمان هو ما يحرك الإنسان في سلوكه. فمن خلال سلوكه يظهر إيمانه ويُكتشف. والإيمان الحقيقي هو الثقة بكلام الله، أي التسليم الكامل لمشيئة الله. وهذا الشيء لا يتحقق إلا بحياةٍ روحيةٍ سليمةٍ. والعكس صحيح. فالحياة الروحية لا تقوم إلا بالإيمان الصحيح.

على المسيحي المؤمن أن يؤمن بشكلٍ أكيد لا تراوه شكوك، أنه مخلوق على صورة الله ومثاله. وهو مدعو ليحقق هذا المثال ويصل إلى الله، إلى عالم الروح. إيمانه يدفعه لإظهار بنوته لله، والعمل على تحقيقها، من خلال عيش حياة روحية صحيحة، يرتفع الإنسان الروحاني فيها فوق الماديات ليحلق في عالم الروح. وفي عمل المؤمنين يكون هذا الإيمان له كترس الجندي، الذي يصد به كل هجمات الضعف أو الشك خلال مسيرته الروحية.

 2- الجهاد: وهو ركيزة الحياة الروحية، حيث يشكل الجهاد قاعدة التحمل والصبر في كل شيئ. وذلك لأن الحياة الروحية هي الطريق الضيق الذي يسير به كل من أراد أن يتبع المسيح كما قلنا.

الجهاد الروحي يأتينا من النعمة الإلهية التي تجدد روحنا من خلال عيش الفضيلة، فتكتسب روحنا قوةً لمحاربة الخطيئة. فنجاهد بثبات وعزم لتخطي المحن. ونستمد قوتنا من الله الذي يجاهد معنا "الحرب للرب". ولنحذر ضعفنا البشري المؤدي إلى تهاوننا وكسلنا وميلنا نحو الخطيئة، وذلك حين نتناسى الجهاد في معركتنا الروحية ضّد الخطيئة.

من هنا تأتي أهمية الجهاد في حياتنا الروحية. لأننا من خلاله نضبط أهواءنا، ونحارب الخطيئة بالرغم من ضعفنا، متعزين بقول بولس الرسول: "استطيع كل شيئ في المسيح الذي يقويني" (في13:4).

 3- الجدية: هي صفة النجاح في الحياة كلها، وليس في الحياة الروحية فقط، فالجدية ميزة أساسية للتقدم في أي عمل نقوم به. وأي عمل تنقصه الجدية يُمنى بالفشل. من هنا تبرز لأعيننا الجدية والعمق في حياة القديسين. وهي عندهم تحقيق لما قاله السيد لتلاميذه: "ابعدوا إلى العمق" أي لا نبقى سطحيين مستهترين بأمورنا الروحية، نأكل ونشرب وننام، وكأنا حياتنا تخلو من الأهداف.

الجدية في الحياة الروحية تقوم على الصدق في علاقتنا مع الله، فالله لا يريدنا فاترين "كن حاراً أو بارداً لا تكن فاتراً". الله يحب الإنسان الحار الجدي الذي يعرف ماذا يريد في حياته. فالطالب الجدي الذي يدرس بجدية وبتركيزٍ عالٍ ينجح، على العكس من الطالب السطحي، الذي يدرس بدون اهتمام وغير مبالاة، ولهذا فهو لا يحصد أي نجاح. هكذا هي الحياة الروحية للإنسان إن لم تتصف بالجدية فمصيرها الفشل. 

 4- المحبة: يُعرِّفنا يوحنا الإنجيلي بالله في قوله: "الله محبة"، فالله هو مصدر كل محبة يوجهها إنسان نحو الآخر ونحو الله. الإنسان لا يستطيع أن يحب الآخر بدون محبته لله. فتصير مواعيد الله بمحبته لنا متحققة. حيث وعدنا بالملكوت السماوي. فإذا كنا في حياتنا الأرضية نتناول جسد ودم ربنا يسوع المسيح باسم مائدة محبة، فإننا بعالم الملكوت سنكون مقيمين مع الله نفسه، وهو مائدة محبتنا. فالمحبة تغذي الإنسان أكثر مما يفعل الطعام والشراب. وهي بمثابة "خمرة تفرِّح قلب الإنسان" (مز15:103). خمرتنا هذه، وهي عيش المحبة، غيرت أناساً كثيرين بالتوبة، فالمستهترون صاروا جديين، والمتكببرون صاروا متواضعين، والأغنياء أحسنوا بمالهم إلى الفقراء وعاملوهم كأنفسهم. والجهلة صاروا حكماء.....إلخ.

إن الوصول إلى المحبة يتحقق بصورته الصحيحة عن طر يق الإيمان. فالإنسان في بحر الحياة محتاجٌ إلى أداة يمتطيها ليجول بوساطتها مرافق الحياة الصعبة. فسفينة هذا البحر وأداة العبور هي المحبة، فبها نتوجه إلى كل عملٍ صالح، لا بل إلى الله نفسه.

الحياة الروحية، هي حياة المحبة لله. فبها نغازل الله، أي نتبادل معه الحب. هو يعطينا النعمة لنحيا بحسب مشيئته، ونحن نأخذ منه ونجاهد لنعمل رضاه. فكما أن المحب يشتهي إرضاء حبيبه مهما كلفه الأمر، من تعبٍ وجهاد ورفض الآخرين لموقفه، بل إن هذا يزيده ليعمل كل شيئ ليحافظ على هذا الحب. كذلك هو طريق المؤمن في محبته لله، يتجاوز كل العقبات أمامه ليبقى مع الله في علاقة المحبة هذه.

فضيلة المحبة هي كمال كل الفضائل. فبدونها يكون حالنا كما يقول بولس الرسول: "صنجٌ يرن أو نحاسٌ يطن" (1كو1:13). حتى بالنسبة لحياتي الروحية، فإن لم تكن الفضائل والجهادات نابعة من حب الله، فكل ما أقوم به من (صلوات وأصوام وسجدات...) باطل الأباطيل.

 5- التوبة: (التوبة نعمة أعطيت للناس بعد نعمة المعمودية) لذلك تدعى عند الآباء بالمعمودية الثانية. أي أن التوبة هي عودة النفس التائبة إلى حالة القداسة يوم خروجها من جرن المعمودية، لأن فيها قد تم ارتداء المسيح: "أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح لبستم" وهكذا نجد أن التائب يعود إلى الله ويناديه بقوله: "توبني فأتوب" (أر18:31).

ولكي لا تبقى التوبة ناقصة. على التائب أن يتناول جسد ودم يسوع بعد نيله من الكنيسة صلاة الحل، عليه بعد أول قداس يحضره.

ويعني هذا أن رحمة الله لنا تنبني على تجديد حياتنا الروحية بتوبة، يتبعها اعتراف أمام الكاهن في الكنيسة، نستعيد فيها شخصيتنا الجديدة التي صارت لنا يوم عمادنا المقدس. فالتوبة فيها رجوع إلى الله وعودة إليه، لأنه يتم فيها تغيير العقل والقلب. وتحويلهما من الأهواء والشهوات إلى حيث الله.

   6- الذكر الإلهي: قلب الإنسان الذي يلهج بذكر الله هو الذي يعمل أعمال الله، ويتعامل مع الآخرين منطلقاً من كون الله محرِّكه من أجلهم. أما البعيد عن ذكر الله فيتحول إلى إنسان امتلأ قلبه حقداً وكراهية للجميع. لذلك فإن المسامحة عن كل إساءة دليل الحنان والمحبة، أما لوم المذنب فدليل على الفكر السيء. إن طريقة المحبة في التعامل دليل الاستقامة، أما الرغبة بالثأر فدليل فراغ الإنسان من المحبة.

 

خامساً: خاتمة

إن بذار الحياة المسيحية وتطورها مختلفان بالجوهر عن بذار الحياة الطبيعية وتطورها، ذلك بسبب الميزة الخاصة للحياة المسيحية وعلاقتها بالطبيعة. فالإنسان لا يولَد مسيحياً، بل يصير كذلك بعد الولادة. إن بذار المسيح يقع على تربة القلب الذي ينبض أصلاً عند النبتة. فعلى سبيل المثال، تكون بداية الحياة في تنشيط الجذر في التربة، أي إيقاظه وكأنه كان قوة نائمة. وهكذا الإنسان المولود طبيعياً يواجهه مطلب المسيحية فتكون بداية الحياة المسيحية عنده نوعاً من إعادة الخلق، ومنحه قوى جديدة وحياة جديدة.

لهذا السبب، فالثمر في النباتات، على سبيل المثال، هو تطور تدريجي لكل المَلَكات. وهو سهل وغير مقيّد. بينما هو في حياة المسيحي معركة مع الذات، فيها الكثير من العمل، وهي صعبة ومحزنة، وتتطلّب منه أن يعرّض مَلَكاته لأمور هي لا تميل إليها. كمثل جندي، عليه أن يأخذ كل جزء من الأرض عن طريق الحرب، حتى الأجزاء التي يحتلها الأعداء، مستخدماً في ذلك السيف ذي الحد المزدوج. أي إرغام نفسه ومواجهتها في آن واحد. وفي النهاية، بعد أعمال طويلة وجهادات، تظهر المبادئ المسيحية منتصرة، حاكمة بدون معارض. وهي تتغلغل في جميع تركيبة الطبيعة البشرية، طاردة منها التطلبات والميول العدائية، وواضعة في مكانها حالة من اللاهوى والطهارة، جاعلة إياها مستحقة لبركة طهارة القلب. أي أن ترى الله في ذاتها في الشركة الأكثر إخلاصاُ معه.

هذا هو مكان الحياة الروحية فينا. ولهذه الحياة ثلاث درجات يمكن ذكرها: التحوّل إلى الله، والتطهّر أو تغيير الذات، والقداسة.

في المرحلة الأولى يتحوّل الإنسان من الظلمة إلى النور، من سلطة الشيطان إلى الله. في الثانية، يطهّر غرفة قلبه من كل نجاسة حتى يستقبل المسيح السيد الآتي إليه. في الثالثة، يأتي الرب، ويأخذ مسكنه في القلب ويشترك مع الإنسان. هذه هي حالة الشركة المباركة مع الله، وهدف كل الأعمال والمساعي النسكية.

وصف كل هذا وتحديد قوانينه يعني تحديد طريق الخلاص.

إن الإرشاد الكامل في هذا الأمر يأخذ الرجل الواقف على مفترق طرق الخطيئة، يقوده عبر طريق التطهر الملتهب، ويرفعه إلى درجة الكمال التي يمكنه إحرازها بحسب درجة نضجه في المسيح. وهكذا يظهر كيف تبدأ الحياة الروحية فينا، وكيف تكتمل وتنضج وتتقوّى، وكيف تظهر ذاتها في كمالها.

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا