|
محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي
لمخيم ثانويين في صلنفة
21-8-2009
الشخص
وأثر الله في شخصية الإنسان
1- مقدمة: الإنسان مخلوق على صورة الله
نقرأ في سفر التكوين: "وقال الله لنعمل الإنسان على صورتنا ومثالنا"
(تك26:1). وأيضاً: "فخلق الله الإنسان على صورته، على صورته خلقه، ذكراً
وأنثى خلقهم" (تك27:1). ولكن الله مجهول لا يُدرك، والإنسان صورته، فهو
إذاً مجهول لا يدرك. إلا أننا نعرف من الكتاب المقدس أن خلق الإنسان يختلف
عن خلق الكائنات الأخرى.
هذه الميزة للإنسان في اختلافه عن باقي الخليقة هي طابع الصورة فيه.
فالإنسان هو الذي تم خلقه عندما "جبل الرب الإله آدم تراباً من الأرض"
(تك7:2).
يضيف الكتاب المقدس ويقول: "ونفخ في أنفه نسمة حياةٍ فصار آدم نفساً حية"
(تك7:2).
إذاً الله نفسه جبل الإنسان بيديه اللتين هما حسب تعبير القديس إيريناوس
(الكلمة يسوع والروح القدس). وحسب القديس غريغوريوس اللاهوتي "ونفخ في
أنفه نسمة الحياة" هذه النسمة هي من روح الله. وهي النعمة الإلهية
الخاصة بالإنسان، فيسميها (جزءاً من الألوهة) أو (تدفقاً من اللاهوت غير
المنظور). فيكون الإنسان منذ خلقه (حاملاً الله في قلبه). ويحافظ عليه حتى
يستقر أخيراً هو في قلب الله.
نعرف من هذا أن الإنسان خُلِق كي يصير إلهاً بالنعمة الإلهية، وليس بالجهد
البشري وحده. وهي الغاية الأخيرة للإنسان، التي بحسب بطرس الرسول: "نصير
شركاء الطبيعة الإلهية" (2بط4:1). ومن هنا دعوة الإنسان أن يُرقي صورته
ليكون حسب المثال، فالصورة الإلهية هي المنطلق لتحقيق المثال، ولهذا يقول
القديس مكسيموس المعترف: "كل طبيعة عاقلة هي صورة الله، ولكن الذين على
مثاله هم فقط أولئك الصالحون والحكماء".
وأهم صورة للإنسان من حيث هو على صورة الله، تظهر في طبيعته الروحية. أي في
نفسه، أو في ذهنه المتمثل بالملكات العليا لديه، التي هي الفكر والعقل.
وهذا التحديد يمتد لتشمل صورة الله الحرية الممنوحة له، التي تتمثل
بالاختيار الحر الداخلي لديه. كما ويمكن أيضاً أن تشمل معنى صورة الله لديه
قدرته على معرفة الله، أو السعي إلى الحياة في شركةٍ معه.
والوسائل التي تساعد الإنسان على تحقيق المثال كثيرة، منها عيش الفضيلة.
والقديس بالاماس يرى في الأسرار المقدسة (سُبُل مخلوقة, تهب نعمة الله
غير مخلوقة وتعتبر كواسطة لتأله الإنسان الذي هو غاية حياته). إن سري
الشكر والمعمودية هما السران الأساسيان فيقول: (بهذين السرين يتعلق
الخلاص. كل التدبير الإلهي يتعلق بهما). يقول بالاماس هذا من دون أن
يرفض أو يقلل من أهمية الأسرار الأخرى.
ولابد من القول أن محبة الله هي وراء خلقه للإنسان على صورته. وهذا الخلق
تعبير عن عظمة الخالق أيضاً. وقد عبر عنها لوسكي بقوله: (إن المخاطرة
الإلهية المتأصلة في قرار خلق كائنات على صورة الله ومثاله, هي ذروة القوة
الكلية القدرة).
2-
الإنسان عقل:
يتألف الإنسان من مادة وروح, من نفس وجسد. وبقوةٍ يطلق عليها أسم (النوس)=
العقل أو الذهن وهي قوة النفس)- بهذه القوة يرتقي الإنسان من العالم
المحسوس إلى غير المحسوس.
ولقد خلق الإنسان على صورة الله المثلث الأقانيم. في صلاة نصف الليل في
قانون الثالوث الأقدس نقرأ:(العقل الذي لا بدء له, ولد الكلمة ولادة
يتعذر النطق بها. وبَثَقَ الروح المساوي لهما في القوة. لذلك نقر معترفين
أن الله, سيد الكل, هو ثالوث متساوي في الجوهر).
والإنسان أيضاً هو ثالوث على صورة الله. إنه عقل وكلمة وروح. فالله خلق
الإنسان بمحبةٍ إلهيةٍ مما أوصله إلى حالة السمو الإنساني الذي هو عليه,
وهذا هو جوهر ما نجده من فرقٍ هائل بينه وبين الحيوان.
والنفس في الإنسان- بحسب تعليم الآباء القديسين- واحدة، ولكننا نراها في
ثلاث قوى العاقلة والشهوانية والغاضبة. ويبقى الذهن (أعني به العقل) هو
الأداة التي تعمل بها القوة العاقلة في الإنسان.
سأل أحدهم ناسكاً: يا أبت ما هو الذهن –أي العقل- ؟ فأجابه ببساطة: حسناً
يا بني, ماذا يحصل لو غاب ربان السفينة؟ هل تقوى السفينة على الوصول إلى
شاطئ الأمان؟ ألا تكدها الأمواج وتحطمها؟ الأمر نفسه يقال في الذهن. إنه
ربان سفينة الإنسان.
العقل هو القوة التي تفعّل الفكر والحدس. وهي التي يطلق عليها الكتاب
المقدس اسم (القلب)، وهي تحتل مكان المركز بين سائر قوى النفس. لهذا يقال
إن النفس البشرية إلهية في هيئتها وشكلها. لأن الذهن الذي هو العقل، يسمى
(عين النفس) أو (العين الساهرة) أو (القسم العاقل من النفس)، والذي هو ذاته
(الثيوريا).
فالإنسان بذهنه الذي منحه، وهو المسمى في كتب اللاهوت بـ (النوس) الذي هو
العقل هو مخلوق على صورة الله. ولهذا فهو يتصف بأنه عنصر خلاق في إنتاج كل
وجوه الحضارة الإنسانية. والعكس يحدث فيصبح الإنسان عاطلاً عن عملية الخلق،
عندما يفقد (التمييز)، فيكون هذا العقل قد أصبح أعمى.
وعقل الإنسان (بحسب أحد الرهبان المعاصرين) أشبه بعصفور يطير في السماء؛
فتارة يحلق ليكون شغله شغل الآباء القديسين، وذلك عندما ترتقي النفس
بارتقاء العقل. وتارة يطير على علوٍ منخفض فيكون العقل بذلك قد سقط إلى ما
دون الحضيض بفعل الأهواء.
3- مكونات الشخص:
هناك ثلاث عوامل تشارك في مكونات الشخصية الإنسانية وهي: 1- بيولوجي 2-
بيئوي واجتماعي وأسري 3- نفسي/ روحي.
1-
فمن الناحية البيولوجية يتلقى الشخص مؤثرات تأتيه من ناحية
الوراثة, ولها دور في حياته، وذلك مرتكز في خصائص الجينات أي الصبغيات
المورثة. وتأثيرها محدود أمام وراثة الإنسان للصفات المكتسبة. وهذان
العاملان مجتمعان يكسبان الفرد صفات مختلفة. كما ويجب أن نضيف بأن الصفات
النفسية لمكونات الشخصية تتأثر بالمحيط. وفِعْلُ التربية فيها واضح الأثر.
وأكدت الدراسات العلمية على الاهتمام بهذين العاملين فقالت إنه بإمكان
البيئة الجيدة والتربية الحسنة وتطوير ذكاء الفرد أن تحسن صفات معظم الناس،
وأن تدفع بهم نحو قدرات أرفع وحياة أفضل.
2-
وننتقل إلى الناحية الثانية وهي عامل البيئة وأثر المجتمع
والأسرة والمدرسة. إن احتضان الشخص في محيط جيد، تتألف من بيئةٍ عامةٍ
تتكون من مجتمع مخصوص تحتل الأسرة فيه مكانة هامة تمنحه القدرة على السير
بالإنسانية نحو أهدافها. وليحقق ذاته بكامل مكوناتها، ولينشئ علاقات بشرية
سعيدة، وصلات إنسانية سليمة.
ويعني هذا أن تأثير البيئة في تكوين الشخصية يرتكز على تأثير العائلة
والبيت والمدرسة. وكل هذا لا يتحقق واقعياً بكماله هذا إلا من خلال معرفة
الإنسان لنفسه، واستعانته بإرادته في سعيه لتحرير نفسه والسيطرة عليها.
سواء كان بالتمرد على ضعفات الجسد أو في محاولة التعايش معها إيجابياً
بمعالجته لفقر البيئة. وبذلك يتمكن الشخص أن يحقق ثورة على ظروفه ومحيطه من
خلال رؤية سليمة يستطيع بها تكون شخصيته وفق إرادته. سعياً منه للوصول إلى
تحقيق الرجاء الذي يحمله.
وبإضاءة مدخل هام يمكن القول بأن الشخص الإنساني، هو طفل يولد بمقدار ضئيل
من السلوك الغريزي الموروث، وبقدرة كبيرة على الاكتساب والتعلم. على خلاف
وليد الحيوان الذي يولد بقدر كبير من السلوك الغريزي الموروث، وبقدرة قليلة
على الاكتساب والتعلم. وبداية الاكتساب يحصِّله الطفل من ناحية أسرته.
الموصوفة بأنها أهم عناصر عامل البيئة في تكوين الشخصية. وبحسب فرويد فإن
البناء النفسي في شخصية الإنسان بأخذ أهميته بدءاً من سني الطفولة الأولى.
لأن العلاقات العائلية بين الولد ووالديه تكوِّن مستقبل الطفل النفسي وصحته
ومرضه, وكذلك لعلاقاته ورغباته، واستوائه أو انحرافه.
وليس ما يكتسبه الطفل من أسرته هو العنصر الذي يدرسه علماء النفس، حين
يعرضون لمشكلة مرضية أو بطولية لإنسان ما. فهم يقررون أن تأثيرات البيئة لا
تعتمد على الطفولة المبكرة فقط. بل تحتاج إلى نظرة شاملة في مظاهر سلوكية
متعددة. ولكن حجر الزاوية فيها يعود للأسرة وأثرها في تشكيل الصحة النفسية
للطفل. وهكذا يتضح أن طبيعة علاقة الزوجين أمر ذو أهمية خاصة في الصحة
النفسية لأي طفل، فهي من أهم العناصر التي تكوِّن شخصيته في سنوات نموه.
فالحياة الزوجية يجب أن تقوم على إبراز المثل الصالح في حياة الوالدين، وهو
ما سيمنح أطفالهما امتزاج وانسجام عناصر الشخصية السوية.
3- وهذا ما يرجح العاملين (النفسي والروحي) ويسمح لنا بالقول:
إن النمو المتكامل للشخصية الإنسانية يستدعي وحدة بين الجسد والروح. فكما
أن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله, فهو أيضاً قد هندس كيانه الداخلي
وبيولوجيته ليكون واحداً بدون تعقيد بعيداً عن الارتباك واليأس. ولكن
الواقع يرينا أن البيئة تحاصرنا بكل ما يساعد ويقود إلى (توتر الأعصاب).
إننا لا نتوقع أن تتغير مجتمعاتنا فتصبح أقل تعقيداً, أو تصبح العلاقات بين
أفرادها أقل تداخلاً وتشابكاً. ولكننا نرجو أن يمتلك الفرد إمكانية أفضل،
للاحتفاظ بصحة نفسية طيبة في مواجهة مواقف الفشل والإحباط، التي تحدُّ من
نموِّ شخصيته. تلك الشخصية التي تطالبه بأن يحافظ على هويته كائن حي مختلف
عن الحيوان. أما إذا أصر على أن غريزتي الطعام والجنس وحدهما المطلب، فهو
منحدر من خلال التمسك بهما إلى الحياة الحيوانية. أما الإنسان الحقيقي فهو
الذي ينمو على قاعدة: (ليس بالخبز والجنس وحدهما يحيا الإنسان).
فالإنسان يمتلك العقل والتفكير وعنده سمو الروح التي يتفرد بها عن غيره من
الكائنات. تلك التي تنحصر حاجاتها ومطالبها ببقاء النوع من أجل خدمة
الإنسان.
من خلال هذا المنظور في رؤية العامل النفسي والعامل الروحي نستخلص أن
الدوافع النفسية الأساسية التي تعمل كغرائز في الإنسان هي من مكونات النفس،
التي أودعها الله بالإنسان من أجل استمرار النوع الإنساني: كالجنس والطعام
والاستطلاع والخوف....... وإلى جانبها أيضاً حاجات نفسية أخرى: كالحاجة إلى
الحب والأمن والتقدير والانتماء. وذلك إضافةً لعناصر مكتسبة مثل العواطف
والعادات والاتجاهات. مجمل هذا يلعب دوراً هاماً في تحديد الشخصية يمكن أن
تفيد أو تضر. فالعمل ضروري لتجنب الأمور الضارة، وضبط العواطف، والتحرر من
أزمات القلق والاكتئاب والتأزم.
وهذا العمل بكل آثاره الجانبية لا يكفي وحده لتكوين الشخصية. إن بحثنا عنه
لتلافيه يوصلنا إلى العامل الروحي الصرف.
4- (الحاجة الروحية) ركنٌ هامٌ لتكميل الشخصية الإنسانية: وأهميته التي
تحتلها لا تعني أنه ليس من قيمة للحاجات الجسمية والفيزيولوجية, ومن ثم
الحاجات الاجتماعية والنفسية القائمة على الحاجة لاعتبار الذات وتحقيق
أهدافها، وكذلك الحاجة للأمن وغيره. وهذه وتلك تستهدف حفظ حياة الفرد
والإبقاء عليه.
هناك حاجة أساسية تعالج الخلل الذي قد تفرزه الحياة. وهي ركيزة في تكوين
الإنسان مدعوٌ لكشفها، لتكون عزاءه الأولي، محققاً بها ما تصبو إليه نفسه.
وهي تسمى (الحاجة الروحية) حسب تعبير
fromm
. فالإنسان مهما أشبع من نوازعه الجسمية والاجتماعية لا يحس بالشبع
والارتواء الحقيقيين، إلا عندما يُشبع مطالبه الروحية. تلك التي ترتبط بقوى
الإنسان العقلية والروحية، لتأخذ دورها مثلها مثل دوافع السلوك التي تقود
الإنسان وتحميه.
إن الحاجة إلى التوجيه الروحي هي وسيلة تحقيق التوازن والانسجام بين
الإنسان والحياة, وهي المصدر الرئيسي الذي يمد جماعات المؤمنين بالسلام
الداخلي، ويخلصهم من كل توتر وقلق. وبحسب مواهب الأشخاص يكون لكل واحد منهم
دور تكريسي له من خلال علاقته بالله, وبه يتميز عن سائر الكائنات الأخرى.
وهذه الحاجة الروحية لا يتم إشباعها بمجرد الإدراك العقلي لوجود الخالق, بل
هي تتدخل في كل جوانب الحياة الإنسان, وفي علاقته بالآخرين بعد علاقته
بالله. وهو ما يعني أن الإنسان يستطيع أن يقيم توافقاً بين مطالبه الجسمية
والعقلية, وكذلك بين وجوده كفرد ذي كيان مستقل, وبين الجماعة التي يحيا في
وسطها.
إن الصراع بين محاور حاجات الفرد يمكن أن تضبط بتلك الحاجة العليا، التي
توجه جهوده في سائر جمالات الحياة، وتصبغها بصبغتها. وهو ما يجعلها التعبير
الحقيقي عن حاجة الإنسان، في سعيه لأن يحيا حياة متكاملة يقل فيها الصراع,
ويتم الإشباع الحقيقي فيها لتلك الحاجة الروحية. عن طريق التنسيق بين كل
آمال الإنسان وأمانيه، المتشكلة من أهدافه وحاجاته الجسمية، سواء منها
والعقلية والفردية والاجتماعية. والتي تترابط جميعاً وتتعاون في سبيل تحقيق
رسالة كبرى يرى فيها الإنسان غاية حياته.
4-
تأثير الله على شخصية الإنسان:
1-
الحياة الروحية طريق السعادة الحقيقية:
التكريس في الحياة هو برهان الأصالة, وتعبير عن النضوج والوعي في حياة
الإيمان, التي يكون فيها الهدف هو الله دون سواه. وبكل تأكيد هناك طرق
متنوعة لهذا التكريس يرسم فيها الشخص مسيرةً تختلف عن هذه المسيرة الموصلة
إلى السعادة الحقيقية.
وطريق السعادة هذا لا يتحدد من خلال غايات تنبني على المال أو الملذات,
فمثل هذه الغايات تدفع إلى طرق للوصول إليها تتسم بأنها منحرفة. أما الطريق
السوية فترتكز إلى الميل لطرق الروح. التي يستعان لتحقيقها بالعقل لمعرفة
الخالق الذي هو سر الوجود, والذي هو السبيل الرئيسي لتحقيق التوازن
والتكامل. وبالتالي إزالة التوتر والابتعاد عن مسببات الانحراف.
ولما كان الإنسان وحدة لا تتجزأ فإن طريق سعادته تأتي بواسطة عواطفه وطموحه
ومشاعره, وتنبع من عالمه الحقيقي, المتوازن بقواه الروحية, وطبيعته
المؤمنة, وأحاسيسه السليمة. لتتوحد كلها ليكون تكاملها الموجه الحقيقي
للسلوك والنظام في مجال النشاط الإنساني، المحقق لمثل هذا الشخص فرحه
وسعادته. تلك السعادة التي لا يمكن أن تُنتزع من صاحبها. على العكس من
الإحساس الوهمي بالسعادة الآتية عن طريق المخدرات وما شابهها، فإنها تتحول
لألمٍ معاكسٍ لمثل هذه السعادة.
وتكتمل هذه السعادة الحقيقية لدى تذوقنا اللذة العقلية الروحية دون سواها.
وهذا يتم في درب يبتعد عن الأنانية والانطواء على الذات, مما يجعل الله
والإنسانية كلها مجالاً لاهتماماته وطموحاته. وفي هذا الكلام رد على الذين
يبنون حياتهم الزائفة من خلال الشعار: (نأكل ونشرب لأننا غداً نموت).
أما ابن الإنجيل فإنه يتطلع إلى عالم الملكوت ناشداً الخلود في كفاحه على
الأرض من خلال حب وتضحية يجد فيهما السعادة العظمى له، ولكل من يعيش بقربه.
2- حياة الفرح والتمتع بالسلام:
لا تخلو حياة أي فرد من مآسٍ، تتنوع حسب الآلام الأرضية، والضغوط
الاجتماعية، بكل ما تنتجه من أنواع المشاكل. ويظل الإنسان المرتبط بالله
مستمتعاً بالسلام الداخلي، ويبقى صوت المسيح العذب والحلو منادياً له
بقوله: "سلامي لكم سلاماً أعطيكم" (يو27:14). فتنحل، بحصولنا على
سلامه هذا، كافة الضيقات. لا بل ونصير متمتعين بالقدرة على التحمل، لأن
الرب يقوينا وينصرنا. ومن هذا الطريق يدخل إلينا الفرح الإلهي رفيق السلام،
فنحيا ببهجة وتهليل وانتعاش.
ولا بد أننا نلمس هذا الفرح المقرون بالسلام في أوجه المؤمنين، فكم بالحري
يكون وجوده عند القديسين. وكلنا يذكر كيف كان الشهداء يضيئون حين استشهادهم
بنور المسيح الساكن فيهم. ولنا في شخصية استفانوس أول الشهداء المثل
النموذجي.
3- هدف الحياة المقرون بالكفاح:
حياة الإنسان بدون هدف لا معنى لها، والعلاقة مع الله تستدعي وجود هدف
يتناسب وأهمية الله في حياتنا. وهو ما يتمثل أمامنا في سعينا للخلاص
وسكنانا في عالم الملكوت أيضاً. وهذا الهدف الكبير يستدعي منا كفاحاً نبرهن
فيه على قوة شخصيتنا. وهو ما ينحي أي دور للتراخي، والتكاسل، والتردد،
والتأرجح بين اتجاهات متناقضة في حياتنا. وهكذا يبقى السعي نحو الكمال هو
هدف الإنسان المسيحي: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل"
(مت48:5). وبفضل علاقة الإنسان المسيحي بالمسيح، ينال منه التشجيع
والمساندة وحمل الرجاء من أجل النجاح. وكل هذا يدعم الشخصية ويبنيها.
4- محبة الآخرين:
العلاقة بالله تقود الإنسان ليكون منتصراً على أنانيته دائماً، وبعيداً عن
تمركزه حول ذاته. ويؤكد العلم أن الانغلاق على الذات هو أحد أسباب التوتر
النفسي والعصبي. وعلى النقيض من ذلك، فإن اتساع دائرة العلاقات بانفتاح
مبني على الحب والعطاء، ينصب على الاهتمام بحاجات الآخر، والسعي لتقديم كل
ما نقدر عليه من مساعدات وخدمات، فالمحبة برهانها العيش من أجل الآخر،
وثمارها التماس مع الله. وهذا التماس يولِّد دعوة مستمرة لمحبة الآخرين،
والذي جعل يسوع هو نفسه أنه هو الآخر يقول: "كل ما فعلتموه بأحد إخوتي
فبي فعلتموه" (مت40:25). ويجب ألا ننسى أبداً بأن لكي لا يكون لنا
أعداء. لأن محبة الأعداء، والتسامح مع من يخطئ إلينا هو الأساس الأول لهذه
المحبة. ولنعلم أن المحب بهذه الصورة هو المستفيد الأول من هذه المحبة، لأن
داخله يصبح نظيفاً، إذ يخلو قلبه من الحقد والضغينة والرغبة في الانتقام.
وهي سموم تضر كلها بالشخصية، وتمنع من تكوينها على الصورة الصحيحة، كما
وتستهلك طاقاتها أيضاً فيما لا يفيد.
5- محاسبة الذات:
تدربنا الحياة مع الذات على فحص أنفسنا في كل وقت، ومراجعتها لمعرفة وتقييم
ما نقع به من أخطاء لتفادي النقائص. فكما أن الطبيب يقيم فحصاً لمريضه قبل
تشخيص المرض ووصف العلاج، هكذا هي حال الإنسان منا أيضاً، فهو بحاجة إلى
طبيب روحي هو الأب الروحي. فهو الذي يصف لنا العلاج بعد أن نكون قد قمنا
بمحاسبة نفوسنا حسب الخطوات التالية:
-
مراجعة النفس
-
الاعتراف أمام الله وإقرار بالتوبة عن الخطأ
-
جلسة مع الأب الروحي حول كل ما أتصرفه، والاستماع إلى
نصائحه.
-
التعهد لله أمام الأب الروحي بعدم السقوط ثانيةً.
6- لأن الإنسان كائن اجتماعي فهو مدعو من خلال عضويته الكنسية للتأكيد على
ذلك، لأن الانتماء إلى مجموعة في رابطة شركوية ضروري لتوازن الشخصية
الإنسانية، أما العزلة والبعد عن الآخر فهي دمار للشخصية. فالصداقات التي
يحصِّلها الإنسان من بيئته، سواء كان على مقاعد الدراسة أو لسكنه بين
الجوار لا تكفي لسد هذه الحاجة. ولكن الانتماء إلى الكنيسة هو الذي يسد هذه
الحاجة. ومن البديهي أن اختيار الأصدقاء الصالحين يساعد على بناء الشخصية،
على عكس الرفقة غير الصالحة التي تهدم الشخصية. والعلاقة مع الله فيها
انحياز إلى الاختيار الصالح.
إن الانتماء إلى الكنيسة هو دخول في أعمق وأروع شركة يشترك فيها الإنسان مع
آخرين. لأن الكل فيها يمثلون أعضاءً في جسدٍ واحد، يكون المسيح رأساً له،
وبهذا الموقع يربطنا المسيح بعضنا ببعض بعلاقةٍ أخويةٍ وثيقة. يبرز طقس
المناولة أهم ما في هذه الشركة. وهكذا نكتسب المواظبة على قراءة الكتاب
المقدس كل يوم باستمرار ونظام، وننحاز إلى تطبيق تعاليم يسوع في علاقتنا
بعضنا مع بعض. فيتحول مجتمعنا إلى حظيرة محبة تؤكد على صدق روابطنا بعضنا
ببعض.
7- اليقظة والصلاة:
اليقظة والصلاة هما من أهم أركان إشادة البنية الروحية في شخصية الفرد.
فاليقظة هي الانتباه المقرون بالرقابة الدقيقة على حركات الذهن والقلب، وهي
تعني بدقة (ضبط الفكر).
اليقظة تحتاج إلى صلاة، وهي لا تُفهم بدونها. وإن أردنا أن نتكلم بدقة أكثر
فإن اليقظة لا تتصور بدون (صلاة قلبية). ولكن من جهة أخرى فإن الصلاة لا
تحقق نتائجها أيضاً بدون يقظة.
فكلاهما تعمل من أجل تنقية القلب من الأهواء. هذه التنقية هي ما تساعد كل
مسيحي ليصير نقي القلب. نظيف الفكر. ويقول يسوع: "طوبى لأنقياء القلوب
فإنهم يعاينون الله" (مت8:5). فاليقظة والصلاة يضمنان لمن يسير في
دربهما الوصول إلى الكمال.
5-
خاتمة:
الكتاب المقدس يؤكد على وجود ثلاثة عناصر في الإنسان هي: (الجسد والنفس
والروح) كما يظهر لنا في الآيات التالية:
-
"تعظم نفسي الرب, وتبتهج روحي بالله مخلصي"
(لو47:1).
-
"لتُحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم"
(1تس 23:5).
-
"نفسانيون لا روح لهم"
(يهوذا19:1).
كما وأننا في صلواتنا نستعمل هذه الكلمات الثلاث، ولكنه يصعب في الحقيقة
التفريق بين الروح والنفس.
فكثيرة هي آيات الكتاب المقدس التي يحل فيها أحدهما محل الآخر بلا تفريق.
فمثلاً بولس الرسول يتحدث عن خلاص الروح (1كو 5:5) في حين يتحدث بطرس
الرسول عن خلاص النفس (1بط 9:1). وكذلك السيد المسيح يقول: "هل يحل في
السبت فعل الخير أو فعل الشر، تخليص نفسٍ أم قتلها؟". وكما أن هناك
أحاديث عن دنس الجسد والروح, فهناك أحاديث عن تطهير النفوس "فإذ لنا هذه
المواعيد أيها الأحباء لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح" (2كو
1:7)، وأيضاً "طهروا نفوسكم في طاعة الحق بالروح للمحبة" (1بط22:1).
وهناك في الآخرة تتواجد الأرواح التي عاشت في السجن "ذهب فكرز للأرواح
التي في ال سجن" (1بط 19:3) والتي كرز لها المسيح بالحرية. كما أن
يوحنا رأى تحت المذبح السمائي "نفوس اللذين قتلوا" (رؤ 9:6).
ومن الناحية الآبائية يتبين لنا أن الروح الإنسانية هي العنصر السامي في
النفس البشرية. وأن الطبيعة الإنسانية تتكون من النفس والجسد.
ومن الملاحظ أننا عندما نتحدث عن روح الإنسان نستخدم في حديثنا صيغة المؤنث
فنقول: (هذه الروح الإنسانية). أما حينما يرد ذكر الروح القدس في كلامنا أو
صلواتنا فالصيغة تأتي بالمذكر فنقول: (الروح القدس الذي يقدسنا ويطهرنا). |