|
موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي
لفرقة عاملين في جديدة عرطوز
دير الشيروبيم 30-7-2010
أنا
في فكر الله
أولاً:
مقدمة: الإنسان والله بحسب الكتاب المقدس
من قبل أن يكون الإنسان موجوداً, كان قائماً بفكر الله, ومن هذا الوجود تمت
عملية خلقه. وما هو موجود في فكر الله قبل وجود الزمان والمكان يبقى
مستمراً حين وجد بالخلق، عبَّر سفر التكوين عن هذا الخلق بقوله: "خلق
الله الإنسان على صورته, ذكراً وأنثى خلقهم" (تك27:1). لقد أتى الإنسان
كمخلوق إلهي بصورة مميزة, لأن الله مع كل خلقٍ لمادة أو حيوان قال عنه في
الكتاب: "رأى الله أن ذلك حسناً" إلا عندما خلق الإنسان فقد قال: "رأى
الله أن ذلك حسن جداً"(تك31:1).
كثيرٌ من الناس في عصرنا لديهم شعور عميق بكرامة الإنسان وحقوقه, وذلك بسبب
خصائص وجوده أمام التكنولوجيا. وبما أن الجنس البشري يعيش في مرحلة تمتاز
بتقلبات عميقة وسريعة, امتدت واتسعت لتشمل العالم أجمع. فقد عاش العصر قيم
كرامة الإنسان وحقوقه دون ما أن يغيب عن الإنسان السؤال المطروح منذ القديم
عن نفسه وحياته : من أنا؟ وبتعبير أوضح: من أين جئت؟ وإلى أين المصير؟
الجواب الوحيد على هذا السؤال موجود عند الله لأنه هو من خلق الإنسان, وهو
الذي تابع معه رغم سقوطه، وقام بتخليصه وتحريره بيسوع المسيح. وهو يسعى
ليقوده إلى الحياة الأبدية.
نداء الله للإنسان يكمن فيه جواب الله حول هوية هذا الإنسان بل - بالأصح -
شخصانيته. يجب علينا أن نعلم أن نداء الله مرتبطٌ بجواب الإنسان له. وهذا
ما يجعلنا نتساءل من هو هذا الإله الذي يعلم أنه مرتبط بالإنسان في وجوده
كله حسب لغة الكتاب المقدس ؟ يطالعنا الكتاب بما هو إجابة الله نفسه عن
هذا. إنه يكشف عن نفسه ليكون إله الحرية والتحرير، فهو من جهة بقي يتابع
خطوات الإنسان الذي استعبد نفسه للشجرة المحرمة وأعني هنا الشيطان، لكي
يحرره منه بواسطة الصليب. وهو ما ظهر جلياً في تدقيقه على الشعب المستعبد
في مصر أيضاً، ليحرره بولادة جديدة أثناء عبوره الصحراء، ليتحرروا في
تواجدهم بأرض جديدة. وهكذا استمر فكر الله حاملاً للإنسان وقضاياه.
ويؤكد هذه المتابعة آيات سفر الخروج التي ذكَّر فيها هذا الشعب بقوله: "أنا
هو الرب إلهك الذي أخرجك من مصر من دار العبوديةأنا
هو الرب إلهك الذي أخرأن" (خر2:20). ورغم كل هذه العناية فقد استمر
عقوق هذا الشعب وكثرت معاصيه, وهو ما قابله استمرار الله في السير مع
الإنسان، خارجاً من حدود هذا الشعب، ليشمل الإنسانية كلها. وهذا ما يتفق مع
عهد الله الذي أعطاه لنوح، وبعده مما عرضه الكتاب من أن الله اعتنى
بالإنسانية بصورة غريبة، أثناء تفشيل محاولة بناء برج بابل حين كان الناس
يسعون للوصول إلى السماء، فبلبلهم، وبقي يرعاهم مع لسان كل منهم، ليعود إلى
مدِّ رعايته عليهم جميعاً لاحقاً وذلك من خلال تحرير جديد مع شخصية سيمر
ذكرها لاحقاً ألا وهي شخصية ابراهيم، الذي صار أباً لشعب كثير. وهكذا تشكل
العلاقة مع الله جوهر اكتشافنا من هو الإنسان، وأن وجوده في فكر الله هو
أساس هويته. فما على الإنسان إلا إن يتابع علاقته بالله ليجد نفسه فيه. ولم
تكن إعلانات الله في العهد القديم هي كشاف هذه العلاقة بل إن إعلانات الله
في العهد الجديد التي افتتحها يسوع أضاءت خصائص علاقة جديدة بين الله
والإنسان من خلال قوله: "لقد تم الزمان, واقترب ملكوت الله. فتوبوا
وآمنوا بالإنجيل" (مر15:1). يسوع نفسه, وبشخصه الذي عاش بيننا كان محبة
الله للناس. ونداء الله للناس من خلال محاولة ليكون للناس محبة مماثلة
بعضهم مع بعض وبينهم وبين الله. فبقدر ما يحرص الإنسان أن يكون بفكر الله,
يصبح الله قصد الإنسان وهدفه. فيلتقيان كلاهما معاً في طريق أعلن المسيح
أنه هو بقوله: "أنا هو الطريق" (يو6:14).
توجه يسوع نحو المرذولين والمظلومين والفقراء والخطأة بنوع خاص، تعبيراً عن
إرادة الله في إنقاذ الجميع. وبصعود المسيح إلى السماء ظهرت أهمية الروح
القدس، الذي أكمل العلاقة مع البشر. فالمعزي، روح الحق، كان مرشداً لجميع
الناس. مما يدل على أن فكر الله بثالوثه القدوس هو طرف العلاقة مع كلِّ
إنسان. ومن كل هذا نستنتج أن الله أوحى في عهديه القديم والجديد على أنه
خلاص الإنسان، وأن كل أحداث التاريخ الذي عاشها الإنسان تنتظر المجيء
الثاني ليسوع المسيح. وما علينا لكي نبقى متلمسين حضورنا بفكر الله، إلا أن
نحافظ على إحساس الحضور هذا عن طريق الصلاة، التي تمنحنا اكتساباً للروح
المنفتحة بآفاقٍ لا حدود لها.
ثانياً: من أجل أن نكون موجودين بفكر الله علينا أن نعرف ما
هو كلام الله عن نفسه
الله لم يتكلم عن نفسه كما يتكلم الإنسان كاشفاً ذاته عندما يريد، وإذا
تتبعنا ما في كتابه المقدس نجد أنه أعلن عن وجوده كأساس للكون، عندما عبّر
عن ذاته بصيغة المتكلم قائلاً: "إهيه" بمعنى (أنا كائن) أو (أنا
من أكون). أو (أنا الذي أكون هو). هذا وإن الكتاب يضيء معنى اسم
الله بتعبيرات مختلفة مثل قوله:
1- "إني حيّ" بمعنى "الله الحي". وهو تعبير في حزقيال النبي.
ولكن اصوله موجودة في أسفار الكتاب الأولى التي تلت أسفار موسى الخمسة. ففي
سفر القضاة مثلاً وكذلك في سفر الملوك يمر معنا تعبير "حيّ هو الرب"
(قض19:8 + 1مل1:17) وكذلك تعبير (الله الحي) نجده في (1صم26:17 +
2مل16:19).
مثل هذه التعابير تطبع شعوراً إزاء الله يملأ قلب الإنسان أمام كائن يتميز
حضوره باعتناء دائم وفائق بالإنسان, وتلقائية مباشرة وشاملة. ويجيد
الأنبياء إبراز صفة الحياة المختلفة عن حياة الإنسان كقول النبي أشعياء إن
الله "لا يتعب ولا يخور" (أش28:40) وكذلك قول المزمور بأن الله: "لا
ينام ولا ينعس" (مز4:121). ومن أجمل الأمثلة الكتابية لصفة الله الحي
نجدها في العهد القديم، حين تحدث الكتاب عن موسى بعد هربه من مصر ووصوله
إلى ميديان، وزواجه من ابنة كاهنها, وصار يرعى غنم ثيرون كاهن ميديان أبي
زوجته. يقول الكتاب إن موسى وصل إلى جبل حوريب الذي سُمّي جبل الله، "هناك
تجلّى له ملاك الرب بلهيب من نار وسط عليقة. فنظر موسى وإذ بالعليقة تتّقد
دون أن تحترق فقال موسى أميل الآن لأستطلع هذا الأمر العظيم: لماذا لا
تحترق العليقة؟ وعندما رأى الرب أن موسى قد دنا ليستطلع الأمر, ناداه من
وسط العليقة قائلاً: موسى. فقال: ها أنا. فقال: لا تقترب إلى هنا, اخلع
حذاءك من رجليك لأن المكان الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة. ثم قال: أنا إله
أبيك, إله ابراهيم وإله اسحق وإله يعقوب. عندئذ غطى موسى وجهه خوفاً من أن
يرى الله (فيموت)" (خر2:3-6). وهكذا ظهر الله الحي بكل وضوحٍ في هذا
النص الكتابي.
لقد كان موسى حاضراً في فكر الله الذي كلمه من حيث لا يتوقع, من شجيرة
صغيرة مشتعلة بدون احتراق. موقف موسى الرائع أنه لم يبقَ مكتوف اليدين, بل
توضح له أن في الامر شيئاً إلهيِّاً. فاكتشف أن له وجود في فكر الله. وكل
إنسان منا له حضور بفكر الله أيضاً، ودائماً يعمل الله في حياتنا وإن كانت
آثار عمله غير واضحة لنا على الأغلب, ولهذا علينا أن نكون متحفزين بصورةٍ
مستمرة، لنتلاقى وإياه كما هو يشاء. قد يكون اللقاء عبر أحداث، أو عن طريق
كلمات، أو أشخاص. حتى خبراتنا هي من أشكال فرص هذا التلاقي. يكفي أن نتأكد
بأن لنا وجوداً بفكر الله، حتى نستعد لهذا اللقاء الذي يفاجئنا الله
بظهوراته بين الفينة والأخرى. فالعليقة المشتعلة هنا هي حدثٌ إلهي، يضع
الله من خلاله ذاته وجهاً لوجه أمام أعيننا، وأعني فكرنا وعقلنا وقلبنا
وكياننا بكامله.
2- بعد هذا نجد الكتاب يتكلم عن الله بصفته قدوس، مخاطباً نساء باشان بلسان
النبي عاموس قائلاً: "أقسم بقداستي" (عا2:4) أو قوله: "إني
قدوس..." (هو9:11) فاسم "الله القدوس" (أش3:6) وهي قداسةٌ تمتد
لتشمل تقديس البشر الذين هم بفكره. فالإنسان الذي نال محظيةً من الله، صار
له وجود بفكر الله، فهذا الشعب الذي أسكنه الله مصر، وتبناه الله في رحلة
الخروج. نال في محطته بسيناء ما كلف الله به نبيه موسى حين أمره أن يؤكد
لهذا الشعب بأنه بقدر ما يفكرون بالله، يفكر الله بهم، لدرجةٍ أنه يشملهم
بقداسته التي اتصف بها، حسب قوله: "وتكونون لي أمة مقدسة" (خر6:19)
من المهم أن ننتبه بأن الله عندما يهتم بالإنسان، الذي صار له وجود بفكر
الله كموضوع للقداسة، فإنه يعبِّر عن علاقته بالإنسان بتعابير ممتلئة
حيوية. لدرجة أن حماستها تُلهم وتُحيي كل الذين صاروا في فكر الله، وهذا
مرتبط بنا فقط، عندما نؤسس مع الله علاقة نتمكن من جني ثمارها الرائعة.
ولكن عندما لا يجد الله فينا أهلية تواصل، ينتفي حديثه عنا، ونصبح بعيدين
عن فكره. وهذا ما أشار إليه سفر الخروج عندما أعلن الله غضبه من نشوز الشعب
ومعصيته، فحرك الطبيعة، فخاف الإنسان: "ويرتعب كل ذي جسد"
(خر16:19).
3- وهناك بعدٌ ثالثٌ فيه يتلمس الإنسان نفسه بفكر الله، وذلك بسبب غيرة
الله المتقدة، والتي هي مظهرٌ آخر لحيويته الباطنية فهو يقول: "إني إلهٌ
غيور" (خر5:20) هي الحمية التي يبدو بها في كل ما يتصل به. فهو لا يقبل
الإنسان الذي يدنس قداسته, ولهذا تنفي هذه الغيرة الإنسان المخالف من فكر
الله. ليبقى الإنسان الأمين على كل ما خلقه الله عليه.
لهذا علينا ألا نكون متمردين على الله، الذي يعمل بصورةٍ دؤوبةٍ من أجلنا.
فهو يقول للواحد منا: "نقّيتك... امتحنتك في كور الألم. قد فعلت ذلك من
أجل ذاتي إذ كيف يُدنّس اسمي؟ أنا لا أعطي مجدي لآخر" (أش10:48-11).
فلكي ننال مجد الله ونصير حاضرين بفكره علينا أن نتمم انجازاته، فننال
محبته وإنقاذه لنا ولأمورنا. هذا الحب المرافق لامتحاننا، يكشف عن شخصية
الله التي تعمل لأجلنا مظهرةً حبه لنا. إنها طبيعته التي يسعى من خلالها
ليكون لنا نصيب معه. كل هذا من باب غيرته على حفظ علاقتنا بألوهته في
نقاوتها، التي يريد لنا من خلالها أن نحظى بوجودنا في فكره.
4- وفي البعد الرابع لهذا الحضور يقول الله: "لا يكن لك آلهة أخرى تجاهي"
(خر3:20). قد يتساءل متسائل وهل أنا الذي أنتمي إلى الكنيسة، ومؤمن بحسب نص
دستور الإيمان القائل: "أؤمن بإله واحد" يمكن أن يقال لي هذا
الكلام؟ في كثير من الأحيان يعبد المسيحيون أصناماً لا علاقة لها بالله.
فإذا كان التوحيد المطلوب يحمل مفهوم التأكيد الإيماني، فإن فعل الإيمان
عند الناس يجب أن يرتبط بحقيقة أن الله الذي يؤمن به كل إنسان هو إلهٌ
واحد، رافضين كل ما يرفضه الله من أنماط الحياة التي لا يقبلها، كإدخال
عاداتٍ وتقاليد وعبادات جديدة بديلاً عن الآلهة المرفوضة. يعبّر أشعياء
النبي بلسان الله عن حقيقة هذا الإيمان قائلاً: "أنا هو الله, لم يوجد
إله قبلي ولا يكون إله بعدي. أنا هو الرب ولا مخلّص غيري"
(أش10:43-11). ولهذا فحتى نصل إلى فكر الله علينا أن نعلم من هو الله، من
خلال التمعن بكلماته، والسير مقتدين به. على الإنسان المؤمن أن يحيا الله،
بدرجة أن الآخرين يجب أن يروا الله الذي لا يرى في شخص هذا الذي يحمل فكر
الله. في مثل هذه الحالة يمتلك الإنسان بنقاوة إيمانه واستقامة عقيدته
محمولاً بفكر الله وحاملاً له في ذات الوقت.
فالله "هو الأول والآخر" (رؤ11:1), هو الحاضر دائماً, واليقظ دون
انقطاع. ولنعلم أننا ننفي وجود الله عندما لا يكون إيماننا مؤسساً على قدرة
الله على الخلاص, فتكون إرادته في تحقيق هذا الخلاص موضع شك من قبلنا,
وبالتالي ننفي دوام حضوره وفاعليته. وهكذا لا يعود هو الله الذي نجد لكي
يكون لنا حضورٌ بفكره. ولكن الله الذي خلقنا - وإن نحن ابتعدنا عنه - يبقى
منشغلاً بنا، تحقيقاً لمعنى أننا موجودون بفكره. لكننا لن نصل إلى هذا
النجاح كله بأن ننظر إلى مكانٍ آخر. بل يكفي أن نستعيد علاقتنا بإلهنا
الحقيقي، لكي نكتشف وجودنا فيه مباشرة.
5- يبقى عندنا البعد الخامس والأخير الذي يقول لنا الله فيه: "أنا الله
لا إنسان" (هو9:11). نفشل أحيانا في اكتشاف وجودنا بفكر الله لأننا
ننسى أن الله يختلف عنا كلياً. الله روحٌ غير قابلٍ للفناء، في حين أن
الإنسان يحمل جسداً قابلاً للفناء: "... إن الشعب عشبٌ. يذبل العشب
ويذوي الزهر, أما كلمة الرب إلهنا فتثبت إلى الأبد" (أش7:40-8). ولهذا
فإن أهم ما على الإنسان إدراكه إلى جانب قدرة الله الفعالة, هو الأمانة
المخلصة أيضاً. فقداسة الله قد تجعلنا نحس أن هدفنا بعيد المنال، ولكن قربه
وحنانه منا يجعلنا ندرك قربه. فهو رغم رفعته: "يسكن في الموضع المرتفع
المقدس, ولا يغادر الإنسان الذي يؤمن به ويسكن مع المنسحق والمتواضع الروح"
(أش15:57) هو القدير، وهو كذلك إله المساكين. فهو تارةً يدوي صوته في قصف
العاصفة: "فيما كان موسى يتكلم والرب يجيبه برعد" (راجع
خروج18:19-20) وتارة أخرى نراه يكلمنا "في صوت النسيم كما حدث مع إيليا
النبي" (راجع1مل12:19) وهو في كل ذلك يكون غير منظور كما تبينا خلال
لقاء موسى به حين "لم يقدر أن يرى وجهه" (خر23:23). ولكن حين أعلن
الله عن نفسه, لجأ إلى ردود فعل القلب الإنساني فاستسلم لنا. إنه يتقدم إلى
مخيلتنا على شكل صور أكثر ما تكون واقعية. كل هذا يدل على أن الإنسان موجود
في فكر الله. فنحن الذين جُبلنا على صورته يرانا مستعينين به فيتواصل معنا:
هو يرانا بفكره, ونحن لا نجده غريباً عنا، لأنه يعبّر عن انفعالاته
وتصرفاته عن طريق حركاتنا العادية. وليصيير الواحد منا إلهاً بفكر الله،
عليه أن يرى أن "الله يحمل حنان الأب والأم"، وكذلك "شغف المحب"
(سفر هوشع). فيتشبه بالله في مثل هذه التشبيهات العميقة جداً. فنحظى في أن
نكون في فكره دائماً.
ولنعلم أن الله يتفوق علينا دائماً، وأنه يحبنا ويقابلنا في كل اتجاه,
وخاصة ذاك الاتجاه الذي يصعب أن نتوقع مقابلته فيه. فلنترك إذن التوقعات,
ولنبق منفتحين على عالم الله ومتصرفين بحسب نواميسه، فحين ذلك لن نجد
أنفسنا بالقرب من الله فقط وليس في فكر الله أيضاً. بل في فكره وقلبه
معاً.
ثالثاً: من هو الله؟ ومن هو الإنسان؟
هل بإمكاننا الإجابة على هذا السؤال؟ لنأخذ مقطعين من العهد الجديد، الأول
من العبرانيين، والثاني من إنجيل يوحنا، علّنا نصل إلى الجواب!! "الله
بعدما كلّم الآباء بالأنبياء قديماً, بأنواع وطرق كثيرة, كلمنا في هذه
الأيام الأخيرة في ابنه, الذي جعله وارثاً لكل شيء, وبه خلق الكون كله"
(عب1:1-2). يدلنا هذا المقطع على أن الله عبر التاريخ البشري قد استخدم
الطرق المتنوعة ليوصل رسالته إلى شعبه. فقد تكلم مع أشعياء في الرؤية، وبها
طهره وكلفه بمهمة كما هو مذكور في أشعياء (6)، والتي نذكر منها هذه الآيات
شاهداً على ذلك: "فطار أحد السيرافيم إليّ وبيده جمرة أخذها من على
المذبح, ومس بها فمي قائلاً: "انظر ها إن هذه قد مست شفتيك فلتنزع إثمك وثم
التكفير عن خطيئتك وسمعت صوت الرب يقول: من أُرسل ومن يذهب من أجلنا؟
عندئذٍ قلت: ها أنا أرسلني" (أش6:6-8).
هذا هو الإنسان الذي هو بفكر الله حقيقة. لقد أدرك عجزه وعدم كفاءته لعمل
أي شيءٍ ذي قيمة بدون الله. ولكنه كان على استعدادٍ لأن يكون المتكلم عن
الله. والله يدعونا دائماً لأننا بفكره كلَّ حين، فما علينا إلا أن نكون
مستعدين للجواب على دعوته لنقول: "ها أنا أرسلني". وسأكتفي بذكر مثل
مهم، هو"شخص ابراهيم الذي خاطبه الله شخصياً من خلال الزائرين الثلاثة
في" (تك18) ومطلعه نقرأ: "ثم ظهر الرب لإبراهيم وهو جالس عند بلوطات
ممرا, فرفع عينيه وإذا به يرى ثلاثة رجال ماثلين لديه. فأسرع لاستقبالهم من
باب الخيمة وسجد إلى الأرض وقال: يا سيدي, إن كنت قد حظيت برضاك فلا تعبر
عن عبدك..." (تك1:18-3). لقد كان ابراهيم حقاً في فكر الله، حتى أن
الله بثالوثه القدوس قد أتى إليه زائراً ومباركاً وضيفاً ليعلن مولد اسحق.
وقد تأسست هذه الزيارة على دعوةٍ سابقة من الله لأبرام، يقول عنها سفر
التكوين: "وقال الرب لأبرام: اترك أرضك وعشيرتك وبيت أبيك واذهب إلى
الأرض التي أريك فأجعل منك أمة كبيرة, وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة
لكثيرين... وأخذ أبرام ساراي زوجته, ولوط ابن أخيه, وكل ما جمعاه من
مقتنيات, وكل ما امتلكاه من نفوس في حاران, وانطلقوا جميعاً إلى أرض كنعان
إلى أن وصلوها" (تك1:12-5). فاستجاب لها أبرام (أي للدعوة) بدون تردد
فاستحق أن يكون في فكر الله.
عندما نقرأ أحداث الله والإنسان ونلمس وجود بعض الأفراد بفكر الله, نتعجب
من هذا قائلين: كم هم مباركون أولئك الذين حظوا بوجود لهم بفكر الله. لقد
غامر ابراهيم بحياته وبماله وبمجتمعه...الخ وهذا كله يدهشنا فنغبطه عليه،
وهذا ما يدفع كل واحد منا أن يتساءل هل أنا قادرٌ أن أضحي بالقليل حتى أوجد
في فكر الله. الله ما يزال يعلن عن إرادته لجميع المؤمنين في أمورٍ كثيرةٍ
به, وهو كذلك يُخاطب كل فردٍ على حدة، ويحمل لشخصه وجوداً في فكر الله.
أما مدخل المقطع الثاني الذي هو من إنجيل يوحنا لقد تكلم فيه الله عن ابنه
يسوع المسيح أيضاً، ولكن ليس بالمعنى الذي أعلن فيه عن وجود الناس في فكر
الله، بل بصورةٍ مختلفة، نكتشف فيها أنه هو الله ذاته. فالله الابن هو
أزلي، وبه تم الخلق حسب ما يقول مطلع إنجيل يوحنا: "في البدء كان
الكلمة, والكلمة كان عند الله, وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند
الله. كل شيء به كان..." (يو1:1-3). ويتابع بولس الرسول هذا كله في
كولوسي ليقول: "هو صورة الله غير المنظور, بكر كل خليقة .فإنه فيه خلق
الكل، ما في السماوات وما على الأرض، ما يرى وما لا يرى، سواء كان عروشاً
أم سيادات أم رئاسات أم سلاطين. الكل به وله قد خلق " (كو15:1-16). إن
هذا الكلام ينقلنا مباشرة للمقطع الثاني من إنجيل يوحنا القائل: "ما من
أحد رأى الله قط. ولكن الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي كشف عنه".
(يو18:1)
كان الله يتصل بالناس في العهد القديم عن طريق الأنبياء، إلا أن أحداً منهم
لم ير الله قط. أما في المسيح فقد كشف الله عن طبيعته وجوهره، بطريقة يمكن
رؤيتها ولمسها وإحساسها. ففي المسيح صار الله إنساناً يحيا على الأرض، وهذه
الصيرورة جعلت من الإنسان المحمول بفكر الله ينعطف في مسيرته الأفقية،
ليتجه بصورةٍ عموديةٍ تقوده للتأله أيضاً، وذلك بحسب لغة آباء الكنيسة (صار
الله إنساناً، لكيما يصير الإنسان إلهاً).
رابعاً: أنا في فكر الله
إذا كنت كإنسانٍ في فكر الله حقاً، فلابد لله من أن يبحث عني دائماً. بعد
سقوط الإنسان، كان أول حركة أكدت وجود الإنسان بفكر الله، هي الكلمة التي
سمعها آدم من الله في قوله: (أين أنت؟)، فالله لم يرضَ ضياع الإنسان. ولنا
على هذا المثال نماذج عديدة من العهد الجديد:
1- الدرهم المفقود أو الضائع: وفيه تبحث المرأة عن درهمها المفقود: "بانتباه
حتى تجده. وبعد أن تجده تدعو الصديقات والجارات قائلة: افرحن معي لأني وجدت
الدرهم الذي أضعته. أقول لكم: هكذا يكون بين ملائكة الله فرح بخاطئ واحد
يتوب" (لو8:15-10). فالمدلول الذي يحمله المثل هو أن لكلِّ إنسان قيمةٍ
كبيرةٍ عند الله. فكما أن الله يحزن على ضياع أي إنسان, فإنه يفرح عندما
يرجع إليه ويعود إلى الملكوت. فلو لم يكن الإنسان موجوداً بفكر الله لما
حصل هذا الفرح.
2- الخروف الضال: "فإن ابن الإنسان أتى ليخلص الهالكين..."
(مت1:18-14). فالراعي إذا ضل عنه خروف يترك التسعة والتسعين ويبحث عن الضال
ليجده. "فيفرح بعودته أكثر من التسعة والتسعين التي لم تضلّ. وهكذا لا
يشاء أبوكم الذي في السموات أن يهلك واحد من هؤلاء الصغار". فالله يحوي
فكره وجوداً لكل نفسٍ بشريةٍ لأنه هو خالقها، كما يقول بطرس الرسول مؤكداً
إرادة الله في تخليصنا "فهو لا يريد لأحد من الناس أن يهلك"
(2بط9:3) فأهمية بحث الله عنا إنما هو بسبب وجودنا بفكره، وهذا يجعلنا
نقتدي به، فنقوم نحن بحبٍ ورحمةٍ مهتمين بالآخر، وهكذا نرشدهم إلى الله
وندلهم عليه.
3- الابن الشاطر: مثل شهير من أمثال يسوع يدور حول ابنٍ شطر مال أبيه بينه
وبين أخيه، وترك البيت وأخذ بصرف ماله في الحياة الفاسدة. يقول الإنجيل بعد
ذلك: "ثم رجع إلى نفسه وقال... سأقوم وأرجع إلى أبي وأقول له: يا أبي
أخطأت إلى السماء وأمامك، ولا أستحق بعد أن أدعى لك ابناً... فقام ورجع إلى
أبيه. ولكن أباه رآه وهو ما زال بعيداً فتحنَّن وركض إليه وعانقه وقبَّله
بحرارة... فقال الأب لعبيده: ... اذبحوا العجل المسمّن لنأكل ونفرح. فإن
ابني هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوُجِد. فأخذوا يفرحون..."
(لو15:11- 32).
في القصتين السابقتين بحثت صاحبة الدرهم المفقود وبحث الراعي عن الدرهم
والخروف، اللذين لا يقدران أن يرجعا من تلقاء نفسيهما. وإن كانا يمثلان
رمزياً البعد الشخصي للإنسان في علاقته مع الله. أما في القصة الثالثة فقد
انتظر الأب، وظلَّ يراقب عودة الابن. إنه كان يتعامل مع كائنٍ بشري له
إرادته المستقلة، ولهذا جهز نفسه واستعد للحظة عودة ابنه إليه. أما سب عدم
تدخّله المباشر فهو احترامه لحرية ابنه لأنه كائن مخلوق حر. إن محبة الله
تنتظر على الدوام، ويبحث الله عنا لأننا موجودون بفكره. وهو يعطينا فرصة
الاستجابة له، لكنه لا يجبرنا مطلقاً على الرجوع إليه. فهو ينتظر بصبر لحين
عودتنا إلى رشدنا، فإذا عدنا إلى هذا الرشد كما في مثال الابن الضال، حينها
نكتشف - من خلال ترقبه واهتمامه بعودتنا - أننا كنا فعلاً بفكر الله.
أين هو الإنسان إذاً؟ فلندخل إلى فكر الله وقلبه، وهناك نجده قابعاً في
أحضان حبه. فإن استعاد الإنسان ذاته وعاد إلى أبيه إلهه، فيكون قد وجد ذاته
الضائعة في حضن الله حقاً. أما إذا بقي ضائعاً تائهاً، يحيا بعناده ومشيئته
الذاتية دون مشيئة الله، فحينئذ نراه مختبئاً حتى لا يراه الله، ناسياً أن
الله يراه أينما كان. وإذا ما عدنا إلى الفردوس يأتينا جواب الإنسان بمثل
هذا المنطق غير المقبول: "سمعت صوت خطواتك في الجنة فاختبأت لأني عريان"
(تك10:3). وكأنه قد قال بتلك الكلمات: إن مجرد إحساسي بحضورك، جعلني أختفي
وأخاف من المواجهة، فابتعدت واختبأت. فهو ينسى أو يتناسى أن له زماناً هذا
مقداره، وهو يمثل أمام الله عرياناً فلا خجل. فلماذا صار الآن خجلاً؟ أليس
بسبب المعصية؟ ظاناً أنه لم يعد بفكر الله كما كان من قبل.
يحصل أحياناً أن ينشأ تفتيش معاكس، يصير فيه الإنسان باحثاً عن الله كما
يبحث الله عنه. ومن الأمثلة على ذلك قصة شفاء الأعمى منذ مولده (يو1:9-41).
أظهر هذا الأعمى الذي شفاه يسوع قبولاً مهماً لشخص يسوع، مما دعاه إلى أن
يؤمن به قبل أن يتعرف عليه ويراه. والأهم أنه صار يبشر به مخبراً الجميع
عنه. وفي ذات الوقت نجد الفريسيون يبحثون عن يسوع أيضاً، وقد سألوا الأعمى
الذي شفاه يسوع فأبصر: "أين هو الآن؟" فأجابهم: لا أعرف. وبدأت حملة
التفتيش عن يسوع. وبينما كان الفريسيون يتساءلون ويتباحثون عن يسوع، كان
الناس ينالون الشفاء منه وتتغير حياتهم لذلك. ولم يكن تشكك الفريسيين
مبنياً على عدم كفاية البراهين, بل نبع من الحقد والغيرة من شعبية الرب
يسوع. لقد وضع الفريسيون أنفسهم في مركز الوجود تماماً، كما كان آدم وحواء
حين بحثا في فاكهة الشجرة ليصيرا في مركز الوجود. في حين كان من المفروض
بهم (أي الفريسيين) أن يبحثوا عن عمل الله في شخص المسيح ولهذا فبدلاً من
أن يرفضوه، كان عليهم أن يقبلوه، وهو ما أكده في كلامه في آخر هذا الحدث: "أتيت
ليبصر العميان ويعمى المبصرون..." (يو39:9)، "فسألوه هل نحن عميان
فأجابهم: لو كنتم عمياناً بالفعل لما كانت عليكم خطيئة. ولكنكم تدعون أنكم
تبصرون, ولذلك فإن خطيئتكم باقية" (يو40:9-41) نعم يصير الإنسان أعمى
عندما يفقد مكان وجوده. هؤلاء تاهوا ضائعين على أن لهم مقاماً بفكر الله
فصاروا عمياناً.
أما الأعمى فالتقاه يسوع، لأن يسوع هو من يجب أن يجده لأنه هو الذي يبحث عن
الإنسان، وبعد ذلك أقرّ أمامه واعترف: "أنا أؤمن يا سيد, وسجد له".
وهكذا علينا أن نواصل مسيرتنا مع يسوع لنعرفه أكثر, فمثل هذه المعرفة هي
التي تقودنا لاكتشاف أننا في فكر يسوع، أي أننا في فكر الله.
في القديم اختبأ الإنسان وراء الشجرة حتى لا يراه الله. ونحن اليوم في
الزمن الأكثر تقدماً، والأكثر تطوراً، والأكثر ذكاءً, ترى وراء أي شيء
نختبئ؟ ما هو اسم الشجرة المعاصرة لحياتنا اليوم؟ هنالك شجرة (أعمال
الخير)؛ أو شجرة (الصلاة)، أو شجرة (القداسة)، أو شجرة (تتميم
الواجبات)....الخ. آدم وحواء باختبائهما سارا بعكس الله الخالق. وهكذا
إنسان اليوم، لا يختبئ وراء أشجار الأهواء من حقدٍ وضغينةٍ وكبرياء، إنما
يختبئ وراء شجرة الصلاة. فها هو أحد أبطال قصة لمارون عبود كان قاطع طرق.
لذا كانت صلاته التي يرفعها لربه أن يرسل له غنيمةً بمرور شخصٍ غني ليستولي
عليه. وهو يعلن في صلاته أنه لا يفضل قتله إلا إذا اضطر لذلك، حينها سيعود
لصلاته ليغفر له الله فعلته تلك. فإذا كانت غرابة القصة تجعلها في رأينا
عجيبةً ونادرة، فلنستمع إلى مثلٍ آخر قد يكون الكثير منا متلبساً به. وذلك
عندما يطلب شخص من الله مثلاً أن يجعله يربح ورقة يانصيب لتحسين أموره. هنا
يختبئ الإنسان منا وراء شجرة الصلاة, ولكن مثل هذه الصلوات إنما توجه إلى
إلهٍ غائب. نحن نُغيِّب الله عندما لا نتوجه إليه بالروح والحق، لأنه بهما
نجده.
في المثالين السابقين، وفي أمثلةٍ أخرى كثيرة مشابهة، يجد الإنسان نفسه أنه
لا يبحث عن الله في صلاته، وإنما هو يبحث عن المال, والله في مثل هذه
الصلوات تحول إلى مادة. وهذا يذكرنا بقول السيد المسيح عندما نهانا من
عبادة ربين؛ الله والمال. فالله في أغلب نشاطات الإنسان المعاصر صار
غائباً، وحل محله معبود وثن.
موضوعنا الأساس (من أنا في فكر الله). لا يعني أبداً أنني ألغيت دوري أمام
الحضرة الإلهية الصحيحة. فالصحيح هو أن يكون لي دور مقرون باتكالي على
الله، فليس شراء ورقة اليانصيب، أو قتل من سأستولي على ماله من الأعمال
التي يريدها الله. لذلك يأتي الجواب بأني في مثل هذه الحالات أكون غائباً
عن فكر الله. إن تبعية الله تكمن في حفظ وصاياه والعمل بها, وكلها ترتبط
بقول يسوع التالي لنا: "من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه وليحمل صليبه
ويتبعني" (مت24:16).
خامساً: الخاتمة: لماذا أنا في فكر الله؟
أستطيع أن أعد سببين اثنين فقط, أولهما أن الرب كريم وجواد، وثانيهما أنه
إله محب. كان الله وحده منذ الأزل. وأحب أن يوجد الإنسان فخلقه وأوجده،
وأعطاه بذلك النعمة الأولى التي هي نعمة الوجود. وهنا أتساءل هل الله بحاجة
للإنسان حتى خلقه؟ الله ليس بحاجتنا، بل نحن محتاجون إليه. هذا هو الجواب
العفوي والمباشر لهذا السؤال الصعب. ولكننا إذا أمعنا النظر أكثر، وتأملنا
في موضوع الخلق بطرفيه الله والإنسان، نجد أن الله خلق الكون برمته ليسود
الإنسان على الكون، وسيادة الإنسان هذه هي جزء من سيادة الله، الذي رتب
للإنسان نعيم الوجود هذا. ولكن من جهةٍ أخرى، فإن الله حين خلق الإنسان
أراد له أن يكون مشتركاً أيضاً بنعيمٍ آخر، وهذا النعيم هو نعيم العيش مع
الله بكل ما لله من حياة. فهو على الأرض سيد، ولكن هذا وهم محض إن انتهى
إلى الفناء والتلاشي، وهو ما يرينا أن منزل الله دائمٌ وأبدي. فماذا عمل
الله؟ لقد ضم الإنسان إلى بيته، وجعل له مقاماً في أبدية الله، أي في ملكوت
نعيمه. المشكلة تكمن في أن الله لا يستقبل الإنسان في ملكوته إلا إذا كان
دوره في الأرض يتناسب وسكنى الملكوت.
هنا يبرز دورٌ جديدٌ يضاف على سيادة الإنسان على الأرض، وذلك في أن يكون
الإنسان أخاً للإنسان الآخر، ومن هنا تبرز أهمية حاجة اللهكثر
متأمببتين للإنسان. فالله بحاجة لإنسان يحيا على الصورة التي خُلق
عليها، وهي الصورة التي خُلق على صورة خالقه. وهو لذلك يرعاه ويرشده ويحدثه
وينير له عقله بعيداً عن ظلمة الشيطان. الله يريد أن يكون الإنسان ناجحاً
في دنياه، وبذات الوقت مسؤولاً عن أفعاله. الله حر، وبحريته خلق إنساناً
حراً. أما إرادة الله فهي الإحاطة بالإنسان دائماً لتبرز له ألوان مساعدته
بصورٍ وأشكال مختلفة. فيلهمه ويقويه للنشاط بحياته الروحية والسلوكية,
ويرسم له الطريق عسى أن يختاره بحريته، ويباركه عسى أن يحافظ على هذه
البركة الإلهية. أعطاه الجمالين الخلقي والروحي الداخلي، وجعله كاملاً
نفساً وروحاً وجسداً. ولما أضاع الإنسان كثيراً من النعم الإلهية بخطيئته،
جدد له فرصة استعادة كل ما فقده وعلى رأسه الحياة الأبدية، وذلك عن طريق
موت ابنه، ليتم لنا بعدها نيل ما فقدناه عن طريق القيامة المجيدة، فصار
بإمكان الإنسان التحدث الدائم مع الله بواسطة الصلاة. وكان التدبير الإلهي
العظيم بأن أوجد له الكنيسة، لتكون حاضرة في حياته بلا غياب. وفيها يجد
الإنسان الجواب لكل أسئلته. بل وفيها يجد طريق الخلاص لأنها السفينة التي
تصل إلى الميناء، حيث يجد النجاة بعيداً عن كل شر وضرر.
أعطانا الله ما يجعلنا نتذكره دائماً، وذلك عن طريق الضمير الذي زرعه فينا,
والوصايا الإلهية التي تذكرنا به دائماً، والتي تجعلنا نتصرف مع الطبيعة
بمسالمة لنحبها, ولنحب الحيوان فيها، والزهرة والشجرة المزروعتان بأرضها.
فكم بالحري أنه أعطانا الإنسان الآخر، الذي صورته (أي الله) في هذا
الإنسان. لقد طلب منا أن نحبه بقدر ما نحب أنفسنا, في حين أن المعنى الصحيح
لطلبه هو أن نحب الآخر أكثر مما نحب أنفسنا. ولهذا لم يبخل علينا بعطاء
المحبة التي بها يتحقق المراد. كل هذا يدل على أنه لم يعد هناك من أمر يشغل
الله إلا الإنسان. فمن جهة نجد للإنسان وجوداً بفكر الله يقوده للتأله
ليصبح مثل خالقه، ومن جهةٍ ثانيةٍ صار الله بحاجةٍ لهذا الإنسان، الذي
ارتبطت كل حركات الحياة به وعملت لأجله. حتى إن الله بكل تدابيره جعل شغله
الشاغل هو الإنسان. فهنيئاً لإنسان يبقى الله بفكره كما هو قائم بفكر الله.
|