|
موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي
لمرشدي أسرة القديس يوحنا الذهبي الفم للجامعيين-
فرع دمشق
دير الشيروبيم 22-5-2009
هواجس إرشادية
1-
إضاءة للعلاقة الإرشادية:
يقوم الإرشاد عامةً على معرفتنا لشخص يسوع، معرفة ندخل فيها إلى صميم شخصه
ببعديه الاثنين: أ- من الناحية الأسرارية وذروتها الليتورجية الإلهية. وهذا
الأمر لا نبحث فيه اليوم. ب- من خلال تأملنا بشخصه كما يقدمه الإنجيل
إلينا، من حيث أنه كان يتحلى بأسلوب ناجح في علاقته التي يتعامل فيها مع
الجموع، تلاميذه خاصةً والشعب عامة.
وكان جُلَّ ما يسعى إليه هو أن يكشف لنا عن وجه الآب، وكذلك عن حياة
الملكوت: "ما من أحدٍ رأى الله قط. لكن الابن الوحيد الذي في حضن الآب،
هو الذي كشف عنه" (يو18:1). وأيضاً ما تقدمه لنا التطويبات، التي هي
موضوع السعادة الحقيقية، والتي هي طريقنا لتبعية المسيح. كمعيار للبشارة،
دالة على سلوك الإنسان المسيحي، بعيداً عن التقوى الزائفة، وقريباً من
الاتضاع الحقيقي.
فبهذه الإضاءة للصعيد الإرشادي يمكن لكل واحد منا التأكد أن بالإمكان
التعاون مع يسوع اليوم، فعن طريق الإيمان والمحاكاة يتبنى المرشد فينا
موقفاً هو بحاجةٍ إليه. فمن الأمثلة التي تعينه تلك التي أنجزها يسوع مع
أفراد كثر، سأقوم بعرض بعضها:
1- فالحاجة إلى الغذاء الروحي والولادة الجديدة يتمثل بشخص (نيقوديموس).
2- والشفاء الجسدي في (المرأة النازفة الدم).
3- والشفاء الروحي مع رد الاعتبار الاجتماعي في شخص (زكا).
4- والتحرر من قيود الخطايا في (المرأة الخاطئة).
5- وكذلك التحرر من عقدة الذنب مع شخص (بطرس).
6- وكيفية العبادة الصحيحة عند (المرأة السامرية).
وحين يتعمق المرشد بهذه الأمثلة يكتشف أن يسوع كان يعطي لكل شخص من وقته ما
تحتاجه حالته، قارناً هذه العلاقة بإصغاء وحسن فهم له. فاللقاءات الجماعية،
واللقاءات الفردية مع الناس كانت تترك الأثر الكبير على الإنسان كل إنسان
من كافة النواحي، شاملة الروح والنفس والجسد.
2- تعريف الإرشاد الروحي:
الإرشاد الروحي يختلف في سياق العلاقة مع الآخر بأنه ليس عوناً نفسانيّاً،
ولا جلسة اعتراف. وكذلك هو أيضاً ليس وعظاً أو نصحاً اجتماعياً. ولكنه موقف
شامل يتضمن هذه النقاط جميعها، من خلال هدف أوسع منها، تجعله يختلف عنها
منهجياً بشكل جذري.
تظهر شمولية الإرشاد الروحي بأنه يطمح لخلق إنسان جديد، ليس فيه عاهات تشوه
كيانه النفسي والروحي، ومركزاً منهجيته على أن يكون الفرد بعيداً عن
الخطيئة كلياً، مجتنباً الأفكار الخاطئة، ومندفعاً إلى محبة الآخر، مما
يظهره متفانياً في خدمة الجميع. ومن هذه الإحاطة بماهيته نتبنى أن يكون
تعريف الإرشاد الروحي: (هو
مساعدة يقدمها شخص ذو خبرة لشخص آخر, لهدايته في الحياة الروحية. وتفترض
هذه الأخيرة حالة الاستمرار، كما وتقتضي من الذي يسترشد أن يكون منفتح
النفس ليمكِّن المرشد من ممارسة دوره الإرشادي بإيجابية، في الأخذ بيده
بوعي إلى طريق الحياة الروحية).
(معجم الإيمان المسيحي صـ30)
وهكذا يتحقق في هذه العلاقة حضور الله المرشد الأول "أعلمك وأرشدك
الطريق التي تسلكها وأنصحك وعيني عليك" (مز8:32) فالإرشاد الذي نقوم
به، والذي ترعاه الكنيسة المقدسة هو امتداد لإرشاد الله لشعبه. فنحن لا
ننقل لمن نرشده ذاتياتنا، وإنما نحن نَقَلَةُ الله له، نحن مبينون لطرقه
ومرشدون إليها. الله أرشد شعبه في عهده القديم إلى ناموس وتعاليم وقواعد
أخلاقية، فكان كل هذا طريق إرشاده إلى شخص ابنه يسوع المسيح.
3-
هدف الإرشاد الروحي:
هو تمكننا من رؤية الله كما أعلنه المسيح لنا بصورته الصحيحة. وأن يكون لنا
معه علاقة من خلال شخص المسيح، بأن نتطلع دائماً إليه كما كان المسيح ينظر
ويعمل جاهداً أن تظهر أعمال الله فيه. فاقتداؤنا به، يقرِّبنا من كافة
القديسين والقديسات الذين اقتدوا به مستعينين بقول أحد قديسيه الإناء
المصطفى بولس: "اقتدوا بي كما أنا بالرب" (1كو1:11).
وهذه العلاقة تفرض علينا ألا نهمل دور الروح القدس الذي هو "من الآب
ينبثق" (يو26:15). ليكون لنا عوناً ومعزياً وقائداً، مستفيدين من قول
السيد المسيح لنا: "أما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو
يعلمكم كل شيء" (يو26:14). وهكذا نضمن بأن نحقق هدفنا الإرشادي، بعد أن
يكون الله في ثالوثه القدوس قد أخذنا وأبعدنا عن كل سيئاتنا، ووهبنا
الصالحات، بعيداً عن كل سلبية ضارة.
ولنضمن نجاحنا هذا علينا الاستعانة بالصلاة الدائمة، حريصين خلالها على كل
صلاة أخرى جماعية كانت أم فردية. وأن نكون قريبين من كلمات الكتاب المقدس
وقراءات الآباء القديسين.
أخيراً، عدم البعد عن النبوءة لأشعياء عن السيد المسيح، لتكون قدوتنا ونحن
في طريق إرشادنا "روح السيد الرب علي لأن الرب مسحني لأبشر المساكين
أرسلني لأضمد جراح المنكسري القلوب لأنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين
بالحرية" (إش1:61).
وهكذا يوضح هدف الإرشاد الروحي ماهيته في أنه يحول الإنسان فينا (مُرشِداً
كان أو مُرشَداً) إلى صاحب رسالة يتلقاها من المسيح شخصياً. فالإرشاد
الصحيح هو أن تكون الكلمة ليسوع لتطول المرشد أثناء إرشاده، كما وتطول
أيضاً المُرشَد أثناء مشاركته وليس فقط إصغائه، ليصير لكل واحد منا مسؤولية
يشعر بأنه يُكملها مع المسيح في معترك حياته. وكمثال على ذلك نجد في
الإنجيل نماذج مختلفة لهذه المهمة نعرض لبعضها:
+
المجدلية: تحقق لها بعد اهتدائها، وشفائها من قيود الشر، حملها
لمسؤولية اتباع الرب مع النسوة وخدمته: "اذهبي وقولي لإخوتي"
(يو17:20).
+
بطرس: بعد توبته وشفائه من الذنب، وتشجيع الرب يسوع له، أُعطي
مسؤولية: "ارع خرافي" (يو16:21).
+
بولس: بعد اهتدائه وابتعاده عن التمسك الحرفي بالناموس، أُعطي
مسؤولية مُبشر الأمم بناموس روح الحياة.
+
أشعياء: بعد تطهير الرب له أُعطي مسؤولية أن ينادي برسائل قوية
للدينونة وللرجاء.
+
أرمياء: جرى تشجيع الرب له يوم قال للرب: "آهٍ أيها السيد، إني
لا أعرف ماذا أقول، لأني ما زلت ولداً" (أر6:1)، فأُعطي مسؤولية أن "يقلع
ويهدم... ويبني ويغرس" (أر28:31). بكل تأكيد أن يهدم (عمل الشر)، وأن
يغرس (عمل الله).
كل هذا يؤكد أن خدمة الإرشاد المسيحي هي المساهمة في إشادة بنيان شعب الله
الدائمة للكنيسة حسب قول السيد المسيح: "وعلموهم بكل ما أوصيتكم به وها
أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (مت20:28).
4- من هو المرشد، وما هو دوره؟
هو كل إنسان أخذ على عاتقه إيصال الحقيقة للآخر، دونما أن ينسى بأن يسوع
عرّف عن نفسه بأنه هو (الحقيقة) عندما قال: "أنا هو الطريق والحق
والحياة" (يو6:14). والأخذ بيد الآخرين لإيصالهم للحقيقة، وعدم
اكتفائهم بسماعها فقط.
أن يكون المرشد، مُرشَداً أيضاً، بعلاقة زائدة على ذاته، وإن كان منتمياً
لفرقة تضمه مع غيره، إلا أن المراد بهذه القاعدة أن يكون مرشَداً لمن
يستطيع أن يكشف له عن ذاته، حتى لا يقع في أخطاء، أو يحيد عن هدفه المنشود.
المُرشد إنسان ممتلئ من الحب، فقلبه لا يعرف الكراهية أو العداء بل هو
مملوءٌ بالمحبة فقط. الحب بالنسبة للمرشد بمثابة المحرِّك والموجِّه له.
فكر المرشد وحياته يغرفان من ملء المسيح. وشعاره هو مقولة المعمدان في قوله
عن المسيح: "هو له أن يزيد، وأنا لي أن أنقص" (يو30:3). إذاً المرشد
هو من يدل على الطريق التي سار عليها فتيقن من أنها هي طريق المسيح، فأراد
أن يشارك بها الآخرين، ليكون فرح الاثنين واحداً. إنه فرح اللقاء بالمسيح،
وهو ما يوحدهما.
يتجلى دور المرشد في ثنائية مسؤوليته، حين وضع نفسه مسؤولاً أمام الله
المحاسب له، وأمام شباب وشابات وأطفال، ليكون المعتني بجميع هؤلاء لإيصالهم
إلى الله، بواسطة التزام فكري وعملي يتم، عن طريق الإيمان كرابط بين
الجميع.
يتعدى دور المرشد نقل المعلومات وترسيخ الفرائض الدينية، إلى إحداث تغيير
كياني عند المرشَد، حتى ينسجم مع الحقيقة الإلهية ويحياها فرحاً بها، لأن
كلمة الله هي كلمة حياة كلها فرح.
يقوم المرشد بنقل اهتمامات أعضاء فرقته من حرفية الكلمة إلى روحها، لأن كل
ما لا يصير عنصر حياة معاشة يبقى حرفاً جافاً لا روح فيه. لذلك فإن كلمة
الروح هذه، تمنح الروابط الاجتماعية أهمية لتكون روابط كنسية. وبهذا المعنى
تكون هذه الروابط متمتعة بحميميّة أولويتها: "إذا اجتمع اثنان أو ثلاثة
باسمي أكون بينهما" (مت20:18).
المرشد يحوِّل بوتقة الاجتماعات من حالتها المكانية والفكرية المتعددة،
لتنصهر في مكان جديد، لتكون القلب من الجميع. فيتوزع إلى قلب كل واحد منهم،
ويصبح الجميع نفساً واحدة، وبذلك يصبح فكرهم الموحد هو حسب قول بولس
الرسول: "ولنا فكرٌ واحد هو فكر المسيح" (1كو16:2). هكذا يجعل
المرشد "أن يكون كل شيء مشتركاً بينهم" (أع32:4).
5- معالجة الفرقة من الناحية الإرشادية
علينا بادئ ذي بَدء الانتباه إلى أخطار يجب تجنبها، أهمها:
1- ينجرف المرشد أحياناً مع مؤشِّر غير سويّ، يُعطي القيمة العليا للفاعلية
والإنتاج في الفرقة. إن هذا الانجراف من المرشد يجعله مهتماً بأن يكون
الإنتاج كماً من المعلومات، التي لا تسمح للمرشَد أن يكتسب منها (الحياة في
المسيح)، ولأجل نجاة المرشد من الانجراف نضمن أن لا يكون الإنتاج تكراراً
لاجترار مواد غير روحية، نلملمها من بقايا الإعلام والصحف، لتكون ذات قيمة
رخيصة بالنسبة لهدفنا الإرشادي.
2- عدم عيش الفرقة للإنجيل، ودراسته كمادة من مواد التدريس المدرسي هو ما
يشكل الخطر الثاني.
3- كل نشاطٍ لا يشكل تقارباً بين سلوك الفرقة وفكرها ويظهرها كبنيان لجميع
الأعضاء، من خلال افتقاد دراسة للإنجيل في الكنيسة، تقوم على العمق الروحي
والفاعلية مع شخص المسيح، يجعل المرشد نافلاً غير ضروري، ويكون نشاطه هدراً
للوقت، مما يحرم الفرقة من الفائدة المرجوة. وهنا نضع قاعدة روسو التربوية
عوناً لنا: (القاعدة الكبرى في التربية هي أن يعرف المرء كيف يهدر الوقت).
4- على المرشد كذلك تكوين وحدة الفرقة واندماجها بالحياة. فمن الأخطاء
الشائعة التي عالجها الأستاذ كوستي بندلي وكشف النقاب عنها: خطأ شائع يعتبر
الدين قطاعاً قائماً بذاته، مضافاً إلى سائر قطاعات الحياة. ومن هذه الرؤية
يتوجب على المرشد أن يضع الفرقة ومسيرتها الدينية مندمجة مع مرافق الحياة،
والطريق إلى ذلك هو الإكثار من الصلوات العفوية وليس فقط الطقسية. تلك
الصلوات القصيرة التي نتلوها بصورةٍ عفوية مقرونة مع كل صلاة ختام طقسية.
6- دور المرشد في علاقته مع الفرقة
الفرقة المُعافاة هي الفرقة المتحابة. فالتفاعل في الفرقة إن لم يرس قواعد
الصدق في العواطف وفي المحبة، فإنه يرمي بها حينذاك إلى التفكك، حيث يغيب
حضور المسيح من وسطها. فكما أنه جوهرياً يحتل المسيح مكانة القلب من
الفرقة، يحل المرشد في موقع القلب بمقدار ما يحتوي قلبه المسيح. وبقدر ما
تقوم العلاقة بينه وبين أعضاء الفرقة على المحبة.
المرشد يدخل تلقائياً بهذا السلوك إلى حياة أعضاء الفرقة، إذ يصبح مشاركاً
ومنشطاً وملهِماً لتلك المجموعة من الأصدقاء؛ أصدقاء المسيح وأبناء
الكنيسة. فتصبح الفرقة لكل أعضاء الفرقة وعلى رأسهم المرشد مجمعاً يجدون
فيه فرحهم وانتعاشهم، من خلال شعورهم بحلاوة انسجامهم بين بعضهم البعض وبين
المرشد.
برهان نجاح هذا كله ينقل دور المرشد ليكون دور الأخ الأكبر لهم، المحب لهم،
وذو الخبرة بينهم، مما يشجعهم على التحدث معه عن همومهم الشخصية ومشاكلهم
بأنواعها. ولكن دون أن يأخذ المرشِد دور الأب الروحي، ولا المُرشَد دور
الابن الروحي.
وهنا يجب أن نتنبه لخطرٍ أليم يواجهنا خلال تطوير هذه العلاقة، وهو ينشأ من
ضعف شخصية المرشد النفسية حين يفتخر ويتباهى بهذه المكانة التي يكنها له
أعضاء فرقته أو بعضهم. خاصة عندما يتحول الأمر إلى تعلق البعض بالمرشد
تعلقاً مفرطاً بشخصه. فتتكسر وحدة الفرقة المتفاعلة والمتعاطفة، متناسية أن
أساسها وعمادها يقوم على روح الجماعة، ووحدة الجماعة، متجاوزة العلاقات
التي تتغذى فيها من العلاقة بينهم كأفراد مهملة اعتبار علاقة الفرقة علاقة
جماعية. فالخطر كل الخطر هو أن تتحول هذه العلاقات الفردية إلى علاقات
طاغية آسرة، تستلب كما يقول كوستي بندلي الشخصية الناشئة وتعطل نموها
واستقلاليتها. وحدود هذا الخطر الداهم ذاته يمتد إلى علاقة الأب الروحي مع
بعض أبنائه، ولكن هذا ليس موضوعنا الآن.
نجاح العلاقة التي يفتح فيها المرشد قلبه وعقله مهتماً بأعضاء الفرقة يتبدى
في تقوية الانجذاب والتعاطف بينهم، بحيث يصير انجذاب الأقران إلى بعضهم
البعض، بذات القوة التي ينجذب فيها كل واحد من الأعضاء إلى شخص المرشد.
بهذه الصورة ننقذ بعض أفراد الفرقة من التبعية وكذلك من الذوبان أيضاً.
إنه على المرشد أيضاً أن يتجنب احتلال موقع الغريب عن أعضاء فرقته، الذين
هم بالنسبة لله، وأمام الأسرة أعضاء ينضوون تحت عهدتهما. مما يوجب على
المرشد أن يندمج معهم مراعياً علاقتهم هذه، وألا يبقى كشخص يحتل موقعاً
خارجياً بالنسبة إليهم، وهذا ما ينبهه إلى ألا يبقى دوره مقتصراً على علاقة
تعليمية تتمحور حول مرشِد ومرشَد، بل أن يمتد إلى التواصل مع أعضاء الفرقة
لا كشخص موقعه خارجي بالنسبة إليهم، بل هو موقع داخلي من صميم الفرقة، يعرف
كيف يستخدم وينمي شخصية ومواهب كل عضو في فرقته، دون أن يدفع بهم ليكونوا
امتداداً لشخصه، بل يكون عمله بينهم دافعاً إياهم إلى الحوار الشخصي مع
الرب. وبذلك يكون الرب هو محط أنظار أعضاء الفرقة، فيكبر كل واحدٍ منهم في
هذا المناخ، مما يؤهل الجميع ليصِلوا إلى ملئ قامة المسيح بوحدتهم مع
مرشدهم.
7- معالجة الإرشاد على ضوء خلاف الأجيال في تطبيق وحدة
الطريقة والأسلوب:
لاشك أن تتالي الأجيال وما ينشأ عنه من اختلاف يبعد قدرة نقل الحقيقة بذات
الكلمات، وبذات الأسلوب. لذا علينا تقديم طرق وأساليب تربوية في دوراتنا
الإرشادية، تتناسب وثقافة العصر الذي في وسطه يتم الإرشاد. وهذا يستدعي
لتقديم مواضيع تربوية بطرق وأساليب حديثة.
ومن أهم ما يمكن أن ينبه إليه هنا أنه يجب أن نصوغ كلماتنا بلغة يمكن أن
تقدم رسالتها بما يساعد المتلقين على فهم الحق الروحي، وذلك من خلال
استخدام أساليب ترتكز إلى أشياء مألوفة أو علاقات مألوفة. وسنجد أن
استعانتنا بالإكثار من الأمثال الحياتية المعاصرة، للكشف عن الحق المراد
تبيانه، يجعلنا مقتفين لأسلوب يسوع، ومؤكدين على حضوره الدائم في وسط
اجتماعنا.
خلاف الأجيال لا يمس جوهر الإرشاد، بل يتعلق بأسلوب تقديمه فقط. فهمُّ
الإرشاد بصورةٍ دائمة هو نقل الهاجس الحياتي القائم على تمتين علاقة
الشبيبة بالإنجيل، وبذلك يتمحور الإرشاد على الاهتمام بالإنجيل، وعلى
اكتشافه عن طريق التساؤل عن مضمونه بالجدية الصادقة.
ونستطيع أن نتعلم على ذلك من يسوع في تقديمه (مثل الزارع) كما هو مقدم
بصورته الجذابة في الأناجيل الإزائية، وهو ما يجعل من المستمعين مشاركين
بفكرهم.
قارئ الإنجيل الحقيقي الذي يرشد أعضاء فرقته، يستمعون إلى هذا الأثر الخفي
مرحَّباً من خلال اهتمام المرشد وإلحاحه على أن يتصرف على مثال يسوع، ليجعل
رسالته ضروريةً لنا اليوم.
فإذا كانت مادة خطاب يسوع منتزعة من عمل الفلاح في الأرض، مترافقاً مع
أدوات الفلاحة، ودور المطر، وجني المحصول أو الغلة. فإن لنا أن نستفيد الآن
من ذلك بأن نكوِّن نحن هذه التربة الجديدة، التي سنقدمها كمرشِدين ليتحلى
بها المرشدون. فالمرشِد اليوم يستعين بأدواته المأخوذة من الحضارة
المعاصرة، ممثلة بأدوات الكمبيوتر والانترنيت ناتِجَيْن للعلم الحديث،
ليستعين بها كمعطيات ليدل من خلالها على أن الله الخالق أودع في الكون
نظاماً فيزيائياً يجعلنا نتحسس وجوده (ككائن أرفع) يتجلى في كل شيء. وهو ما
يسمح أن نستمد منه العون لكل شيء. فمثلاً إذا أردنا كمرشدين التحدث عن
الاعتراف نستطيع أن نستعين بالكمبيوتر قائلين: من المهم أن نعترف بوجود
خطايانا لنمحوها بنعمة الروح القدس لأنها ضارة وتقف عائقاً بوجه خلاص
أنفسنا. تماماً كما نحذف في الكمبيوتر (الملفات المتراكمة) وغير الضرورية
التي تعيق سرعته، أي تعيق عمله الصحيح والسليم. إذن هكذا أنا أرمي خطاياي
التي يقابلها (ملفاتي التالفة) حتى استعيد حياتي بالمسيح التي هي رشاقتي
الروحية متخلصاً من ثقل الخطيئة.
ويمكن القول أيضاً: بأن الحياة الروحية للإنسان هي كمثل الحرارة للهاتف.
فالهاتف بدون الحرارة هو مجرد جماد لا نفع فيه. أما إذا أوصلنا إليه
الحرارة فهي تعطيه الفائدة وقدرة الاستعمال. هكذا الإنسان، فهو دون الحياة
الروحية جسدٌ بدون روح بمثابة المائت. أما بحرارة الروح فيصبح ذي حياة
وقيمة.
أيضاً: إن أهمية المناولة والصلاة للإنسان المسيحي كمثل (مضاد الفيروسات)
للكمبيوتر. فإنه يحرره من الفيروسات التي ممكن أن تخرب أو تشل الحياة
الروحية، وعلاقته بالله وبالآخر.
أيضاً: كما أن الشبيبة متعلقة بالموبايل ولا ترغب في تركه، لأهميته في نقل
مكالمة أو رسالة من محبيهم. هكذا علينا أن نهتم بقراءة الكتاب المقدس الذي
يحمل لنا في قراءتنا له رسائل وكلمات من حبيبنا يسوع.
على ضوء ما قدمناه من أمثلة، نتذكر أن الكتاب المقدس قال لنا: "لا تحبوا
العالم، ولا الأشياء التي في العالم" (1يو15:2). لماذا؟ حقيقةً يسوع،
بهذا الكلام، لا يطلب منا أن نعيش خارج العالم بمعنى أن لا نأكل، وأن لا
نحب، وأن لا نفرح. لا، ما يريده يسوع منا أن نكون مترفعين عن ماديات هذا
العالم ومتجهين نحو عالم الملكوت. لذلك قال عن تلاميذه: "ليسوا من هذا
العالم" (يو14:17).
هذا ليس بصعب، لأن الإنسان دون أن يدري إذا ما ارتفع عن سطح الأرض، فإن
وزنه يخف، ويرى الأشياء أصغر؛ وكلما ارتفع فإنه يخف أكثر، لدرجة أن يصير في
الفضاء طائراً كمثل الملائكة، أي لا يعود يشعر بثقل الجسد. مثله مثل رجال
الفضاء الذين يرون أكبر أشياء الأرض كخنصر اليد في الإنسان. هكذا إذا عشنا
وعقولنا في السماء نستطيع أن نبتعد عن التعلق ومحبة الماديات.
أختم هذه الأمثلة بالنصيحة الإرشادية التالية: كلما حدث تراخٍ في حياتنا
علينا أن نعمل كما بجهاز الكمبيوتر تحديث له (refresh).
وذلك يتم من خلال إعطاء أنفسنا بعض الوقت في الوحدة والصلاة والتأمل
والهدوء، أو الذهاب إلى أحد الأديار، لنستعيد نشاطنا الروحي.
ومن جهةٍ ثانية، ليس من المهم أن نفرح إذا حصلنا على (hard)
كبير للكمبيوتر، بل المهم أن نسعى ليكون لنا (قلب كبير).
فالعلم أخذ من الإنسان صفات كثيرة، وكذلك الإنسان يستطيع أن يتعلم من العلم
أشياءً كثيرة أيضاً، فكما بعض الآلات تختزن الكهرباء حتى إذا انقطع عنها
التيار، تبقى قادرة على العمل. هكذا الإنسان أيضاً، لديه مخزون روحي يستطيع
أن يواجه به أوقات الشدائد والتجارب. لذلك عليه أن يُشحن في أوقات السلام
ليخزن قدرته لأوقات الشدة.
وحين يقودنا الكتاب المقدس، بعد استفادتنا من الأمثلة التي قدمناها، يكون
قد وجَهَنَا إلى التفكير حول (معنى الموت والحياة). وعند هذا المعنى نتمكن
من نقل خطابنا من عالم المعرفة بعلومها الحديثة، إلى المعاني الإنسانية
المترددة بالفكر، جامعة بين الذهن والقلب معاً في كيان الإنسان بوحدته.
وهذا ما يعيدنا لنفهم عناصر كلامنا بصورةٍ أعمق، تقودنا للفهم الروحي.
لن نسترسل في طرح الإمكانات من خلال تعدد الأمثلة المطروحة أمامنا، والتي
تدفع بشكل ملح للبحث عن الإنسان والوجود والمصير. أليس البحث في هذه الأمور
هي الهدف من طروحات يسوع في ما يقدمه لنا بإنجيله وعبر أمثاله. والتي يمكن
وصفها بأنها فن تربوي يقود إلى فن إرشادي.
أخيراً، فإن المرشد هو فنان وموهوبٌ، اعتماداً على هذا يتخطى الصعاب، فيبدو
أنه المتحدث بلغة عصره كما تحدث يسوع بلغة عصره. فكما أن المسيح الذي نجح
في ترسيخ قواعد تربيته وإرشاده، فصار نموذجاً لكل مرشدٍ صادق. هكذا يجب على
المرشد أن يضع حياة يسوع التي يحياها بتجربته الداخلية بين يدي من يرشدهم
من خلال خصائص فنه وموهبته، ممزوجين بمحبته وإيمانه. وبذلك نحدد معيار
المرشِد الناجح، بقدرته على أن يكوِّن بإرشاده مرشدين ناجحين.
8- مصدر المواضيع الإرشادية:
لنتأمل معاً الآية التالية من سفر الرؤيا: "قال الجالس على العرش: ها
أنا أجعل كل شيء جديداً" (رؤ5:21)، فتُكتشف لنا دعوة ملحة للفكر
الشبابي في أن يقوي علاقته بكلمة الله التي تهدف إلى (تجديد الكون). ويتأكد
لنا أن المسيح ليس هو الوحيد من أراد أن يشمر عن ساعديه لتحقيق هذا الهدف،
عندما تبنى قول أشيعا حسب ما ذكر لوقا الإنجيلي في (18:4-21): "روح الرب
عليّ لأنه مسحني لأبشر المساكين..." بل هي دعوة لكل المؤمنين به
للانخراط بورشة عمل شاملة، يصير من خلالها الإنجيل هو هاجس العيش المسيحي
في عالم اليوم، وخاصة في حياة الشباب. وحينها يسهل استخلاص أجوبة معاصرة
لأسئلة تلح على الجميع مفادها: كيف يمكنني أن أحيا مسيحياً في البيئة التي
أنتمي إليها؟ مع الأخذ بعين الاعتبار جدة الظروف المحيطة بي. ومنها تنبع
أسماءٌ لمواضيع كثيرة.
هكذا بإمكان المرشد العامل في فرقته أن يحوِّل مسيرة المواضيع المبرمجة
كافة لتكون مرتبطة بالإنجيل، ليتم اكتشافه وتوضحه لهم جميعاً. فتصبح كلمته
محركة لذهنية مرددي كلمات الإنجيل مقترنة مع تحريك قلوبهم، لتصير لهم قوة
حياة تتحداهم وتحركهم.
لأنه من المفيد القول بأن آيات الإنجيل من حيث هي كلمة الله الحية، لا
ينطلق عملها بالفراغ، إنما ترتكز إلى خبرة حية تدفعنا لاكتشاف مضمونها
الأبدي، لأن الأبدية معلنة في الزمن وفي التاريخ.
نحن نعرف كثيراً عن ألوهة شخص المسيح، وإن ما ينقصنا معرفته هو إنسانيته
القائمة في شخصه خلال تجاربه في معترك الحياة، وهذا النقص يدفع إلى طرح
المعرفة الناقصة بعيدة عن أسلوب العرض كأفكار مجردة. لذلك يقتضي هذا الهدف
الجليل منا، أن نحرر مفهومنا لحياتنا الروحية، ونمزجها كجزء لا ينفصم عن كل
ظروف حياتنا. عن طريق توازن بديع، يقيم انسجاماً بين المقومات، مازجاً بين
الشعر والواقعية، وبين الحنان والشدة وبين الوداعة والقوة، وبين السلطة
والخدمة، وبين البساطة والتباهي، وبين الزهد والمشاركة بأفراح الناس، وبين
العمل والتأمل، وبين البلاغة والصمت. إنها عيش الحرية كما يعرضها الإنجيل
مجسدة في حياة المسيح الذي لم يتأثر بالأهواء، فلم يكن متزمتاً ولا محكوماً
بتيار ما يقيده. فموقفه حيال المرأة لم يكن فيه خوف ولا افتتان ولا
استعلاء. وكذلك حيال العرف الاجتماعي الذي اتسم بشيءٍ من المراعاة دون
الابتعاد عن الجرأة اللازمة التي يتم بها مخالفته لهذه الأعراف عند
الاقتضاء. وهو ما يوضح لنا قدرة موقفه على قلب المقاييس الاجتماعية السائدة
حيال المرأة، وكذلك التي تقدس المال والسلطان، وتحكم على العديد من الناس
بالتهميش للعامة من الناس وللفقراء وأصحاب العاهات. لقد وصل به الأمر حين
وقف حيال الناموس إلى جذر الصدق في موقفه الروحي، الرافض كل مفهوم خاطئ،
حتى إنه لم يَهَبْ أو يتراجع حتى أسلمه صدقه إلى الموت.
وإلى هذا يضاف ضرورة أن يتعرف الشباب أيضاً إلى البيئة التاريخية التي عاش
فيها يسوع، وتعامل معها، واستمد صور أمثاله منها، كما ويحس أيضاً معرفة
التيارات والفرق الدينية التي واجهها.
فعالم اليوم زاخر بتيارات دينية توقع الشبيبة المسيحية في شركها. ولن
ينجيها منها إلا عيشها في الإنجيل ومعرفة كافة الأبعاد التي تحيط به. خاصة
وأن تلك التيارات المسممة لعالمنا المعاصر تأتينا بلغة الإنجيل. لذا ينطبق
عليها القول أنها آتية
كذئاب
بثوب حملان. |