|
التطويبات
وملكوت السماوات
فترة الصوم هي أخصب فترة يشعر الإنسان بأن الملكوت الذي كان معاشاً في
الفردوس الأرضي، والذي خسرناه أيام زمان بواسطة جدينا آدم وحواء، نستعيده
بواسطة الفداء، أي العمل الخلاصي الذي قام به يسوع المسيح من أجل أن نكون
من جديد أبناء الملكوت بما سيعطينا إياه هو حسب طبيعة حياتنا القائمة عليه
اليوم، من خلال الوحي الإلهي.
قبل السيد المسيح بُشر الإنسان بواسطة الأنبياء مرات ومرات حول مدلول عالم
الملكوت وكان يُفهم خطأً أنه ملكوت أرضي. ولكن الكتاب كان واضح بأن عالم
الملكوت هو عالم حضور الله مع الإنسان. ولما جاء السيد المسيح كان هو
الملكوت، وبحضوره عاشت البشرية فترة انتقال واختبار من وضع قديم إلى وضع
جديد واختبار من أجل تنمية حياة روحية يُفهم من خلالها ما هو الملكوت المعد
لنا. كانت تعاليمه الكثيرة في العهد الجديد، أي في بشارته.
ولكن إذا أخذنا كثافة التطويبات التي أعلنها السيد المسيح المقرونة في
العهد الجديد بالعظة على الجبل. وهي ليست بالضرورة بكاملها من العظة على
الجبل خاصةً أنها وردت مرتين، مرة عند متى ومرة عند لوقا، وهما غير
متطابقتن. نستنج منها أن يسوع أعطانا أكثر من مرة. وتحدث عن الملكوت الذي
يرتبط بفرح الإنسان وغبطته وسعادته لأن (طوبى تعني الفرح)، ولكن الفرح الذي
لا ينزع من الإنسان بكونه ليس مثل باقي الأفراح التي تكون في مناسبة
معينة.لأن الفرح بالله أبدي ودائم، وهذا هو عالم الملكوت.
يتحدث يسوع بالتطويبات التي يدلنا من خلالها على أنها هي ذروة ما يجب أن
يتحول الإنسان عليه من وضع سابق إلى وضع معاش بالروح من أجل الارتباط بالله
وبشخص السيد المسيح.
الحديث عنها يتضمن هذه الحالات المرتبطة بالتطويبات. ولكن سوف أتحدث هنا عن
نقطة معينة من خلالها التطويبات وهي حال الإنسان الفقير؛ طوبى للمساكين
بالروح، أي طوبى للفقراء. هذا الكلام مرتبط بالنسة لشخص السيد المسيح
بحدثين هامين. الحدث الأول أن أشعيا النبي أيام زمان قبل حوالي 800 سنة من
مجيء السيد المسيح يذكر بإعلاناته من الوحي الإلهي الآية التالية: "إن روح
الرب علي لأنه مسحني لأبشر الفقراء" (لو18:4 ) كلام غامض لأشعيا ولكن صار
متوضح، بعد أن تسلط عليه ضوء جديد عندما كان عمر السيد المسيح اثنتا عشر
سنة بالناصرة ودخل المجمع وفتح الكتاب بين علماء الشريعة وبدأ يقرأ هذه
الآية "الله مسحني ... لأبشر الفقراء" كان المقصود بهذه النبوءة أن شخص
السيد المسيح الذي قبل أن يبتدأ بشارته قد أعلن للناس شريعة معينة أساسية،
ومنها ينطلق ببشارته المرتكزة على الاهتمام بالفقراء الذين هم بالأساس قوة
موضوع البشارة والمعيار في نجاحها. إجمالاً الحديث عن الفقراء والفقر يرد
بتكرار عند السيد المسيح حوالي 24 مرة يتحدث بها عن هذا الموضوع مثلاً
عندما قال للشاب الغني: "وزع مالك على الفقراء واتبعني" (لو22:18
) وكما زكا أيضاً انفتح قلبه وأراد تغيير حياته التي كان فيها متسلط على
بعض الناس وحسب ما عرفنا من الكتاب ومن التقليد بأن العشارين كانوا يظلمون
الناس مالياً. قال: "أنا الآن سأوزع نصف مالي على الفقراء". (لو8:19 )
نعرف أن الغني ولعازر لما انتقلا إلى الحياة الآتية كان الفقير هو صاحب
الوجاهة والمكانة الأولى، والغني ليس له شيء، لا لأنه غني ليس له شيء، ولكن
لأنه لم يعش من خلال المال الذي يملكه بالصورة الصحيحة لاستخدام هذا المال.
بينما الفقير قُبِلَ في أحضان إبراهيم يعني في أحضان الملكوت. هذه كلها
تقودنا لنفهم أن السيد المسيح أتى ليبشر بكلمة عامة نسبياً وهي كلمة
الفقراء التي ترد في التطويبات بمعنيين عند متى طوبى للمساكين بالروح، أي
للفقراء بالروح. وعند لوقا طوبى للفقراء الآن. نأخذ المنحنى عند لوقا بقوله
"الآن". فكلمة الآن لا تعني أيها الفقراء أنتم سوف تكافؤن لأنكم فقراء، في
عالم الملكوت وأنتم الآن ضحية الفساد، ضحية المجتمع، ضحية الذين يهملونكم.
أنا لن أهملكم والملكوت من الآن هو لكم وهذا الملكوت الذي أنا سيد فيه
بمملكة أن ملكها سوف يكون لكم دور وسوف اهتم بكم طبعاً.
السيد المسيح في اهتماماته بالإنسان ينظر إليه ليعلمنا أنه هو الفقير،
فيدعونا لعونه بالمسيح الذي نراه فيه فيقول: "كنت جائعاً فأطعمتموني"
(مت35:25)إذاً عندما الإنسان ينظر بعين سليمة وصحيحة إلى أخيه الإنسان
حينئذ يكون عالم الملكوت عالم الله في هذه الدنيا. بصورة رسمية نعرف عالم
الملكوت ليتورجياً من خلال القداس الإلهي. أول ما نبدأ بالقداس نكون قد
أخذنا بطاقة سفر وانتقلنا من بلد إلى بلد آخر، من شريعة إلى شريعة أخرى،
لقوانين، لنمط حياة. مجرد ما يبتدأ الكاهن بجملة "مباركة هي مملكة الآب
والابن والروح القدس" هذه المملكة هي الملكوت. والقداس الإلهي يدعونا إلى
العيش فيه. هذا تأهيل ليصير الإنسان ابن الملكوت. إذاً الله بالمسيح يعدنا
من الآن لنكون أبناء الملكوت لكي يكون الفقير هو المبشر.
هنا الفقير هو المحتاج، هذا شيء أكيد، ولكن أيضاً الفقير هو الذي ينقصه
العلم والمعرفة الروحية هو فقير أيضاً، والبشارة تتضمنه. ويسوع عندما يقول
لأبشر المساكين أو الفقراء يكون الإنسان الفقير هو محط النظر، وكأنه يتعزى
أن السيد المسيح هو الملك الحقيقي، ولكن الملك الداخلي لقلب الإنسان وليس
الملك الخارجي. الدولة والأنظمة والمجتمع لهم الأنظمة الخارجية هذا
النظام الذي يسوس المجتمع ضمن قوانين أحياناً تكون تسلطية أحياناً
ديمقراطية ، وتكون جائرة أحياناً، وأحياناً تكون صحيحة وسليمة. ولكن هذا
البعد ليس هو موضوع الحديث عن عالم الملكوت الذي نحن أعضاء فيه ببنيتنا
الداخلية وبكياننا الذي ندخل إليه من خلال بشارتنا تلك. فنستقي القوة
والمعين الروحيين من القداس الإلهي خاصة، ومن التبعية الكنسية عامة. فيتشكل
فينا الإنسان الذي يتعامل مع الإنسان الآخر. هنا الفقير يتعزى بقوة الرجاء
أن هنالك مجتمع آخر غير المجتمع القاتم، بل هو المجتمع الجديد، مجتمع
الكنيسة ومجتمع البنيان الروحي الذين يؤلفان معاً مجتمع الملكوت المنتظر
الذي يبتدأ (الآن) من الأرض، بدنيانا هذه.
فكيف ننظر إلى عالم هذا الملكوت المعاش من الآن؟ أي أنه حقاً بدأ!!
الجواب هو بالتعامل المعاش بعضنا بعض ولكن على ركيزة الإيمان، حسب قول
السيد المسيح التالي "ليس من يقول لي: يارب، يا رب، يدخل ملكوت السموات، بل
من يعمل إرادة أبي الذي في السماوات" (متى 21:7). درب السعادة بحسب تطويبات
لوقا هي بمثابة دخول ملكوت الله عالمنا. لقد أتى عالم الله إلينا لنحيا
بدستوره وقانونه كما أن المسيح الإله أتى إلينا لنحيا بسر فدائه وتدبير
خلاصه، فالمسيح بسر تجسده ومن خلال بشارته كَشَفَهُ ليصير لنا بشخصه كواقع
جديد نحياه به.
دعوة التطويبات لنا في آخر المطاف، أي عند استعلان هذا الملكوت إيمانياً
وعملياً مرتبطة بفرح الأرض وفرح السماء، كما يعلنها لنا السيد المسيح في
نهاية التطويبات بقوله: "افرحوا في ذلك اليوم وتهللوا، فها إن مكافأتكم في
السماء عظيمة" (لوقا6: 23).
مكافأة هؤلاء هي عظيمة، وهي في السماء، وهي كما في مطلع التطويبات (منذ
الآن). فالتطويبات: (هي الاحتفال بحضور الله في الإنسان، وحضور الإنسان في
الله).
الله له عائلة أساسها الثالوث وأعضاؤها أبناء الملكوت، والله هو الذي يسر
بها، ويحتفل بها، فينال الأعضاء فيها مسرات الله أي اكتساب تطويباته في
دنياهم.
التطويبات مرشد لنا إلى صمت الله الفاعل فينا كأعضاء في عائلته المقدسة عن
طريق إدخال ملكوته منذ الآن إلى دنيانا، إلى عالمنا، والطريق هو أنفسنا
التي تقبله داخلياً بصورة غير منظورة، بصورة تقلب حياتنا كبركان مقدس نصير
فيه أبناء الله حقاً. وكم هو عظيمٌ أن يرانا الآخرون أننا قد تحولنا لنكون
نور العالم وحافظيه من الفساد، كملحٍ روحي به نحفظ الكون لدخول الله إلينا
بعد أن نغير عالمه بمصداقية إيماننا ليكون هو ملكنا ونحن أبناء ملكوته.
وبما أننا الآن في فترة الاستعداد للدخول إلى الصوم الذي ينتظرنا، لنحياه
بنسك وانسحاق تجاه أخينا الإنسان وتجاه أنفسنا لنكون قادرين أن نتعايش مع
عطاءات الكنيسة في خدمها الغنية خلال فترتها الصيامية، التي تساعد الإنسان
فينا أن يُبعد غشاوة أعينه ليرى الله بعيون الروح في أشخاص بعضنا البعض
بالصورة الأمثل والأفضل.
أخيراً، أتمنى صياماً روحياً وجسدياً مباركين ليغيرا الآن ودائماً حياتنا
لتكون كلمة الإنجيل حية فينا بصورة مستمرة، ونصير أعضاء حقيقيين ومستحقين
لعضويتنا الكنسية، التي بها نصل إلى ملكوت الله. وشكراً لله للقائنا هذا.
ثم تبع هذا الحديث هذا السؤال عن الصوم:
سؤال: هل يوجد هناك نظام معين للصيام. فأمور كثيرة تطرح عن الصوم
كالقول أن الصوم هو صوم الفم عن الكلام وليس الصوم عن الطعام؟
+
أول ما يجب أن نهتم به من ناحية الصيام هو نقاوة القلب بهذه النقاوة ندخل
إلى الصيام. الأكل لايزيد ولاينقص ولكن الذي يقدر أن ينقي قلبه يستطيع بكل
يسر أن يتبنى صوم الطعام لأنه يصبح سهل أن يصوم، والذي يظن أن الصوم أكل
وشرب صعب عليه أن يعيش الصوم لأنه ليس له معنى. ليس عندنا في الكنيسة
أنظمة غذائية، ليس رجيم ولا نحن نتبنى النباتات من أجل فقط أن نتبناها، نحن
لدينا حياة تلصقنا بالمسيح وتعلمنا أن الإنسان بقدر ما يزهد في الطعام لا
بل في كل الأمور الحياتية الأخرى، كلما أصبح شخصه الداخلي شفاف كلما اصبحت
طبيعته مرنة روحياً ومقبولة من قبل الله. هذا ألف وياء الصوم ثم تأتي باقي
الفضائل بواسطة الإنجيل والكنيسة فتعطينا مدلولاً من أجل أن نعرف أن نُغني
ذواتنا لكي نصل إلى تلك النقاوة التي وحدها تجعلنا نرى الله حسب لغة
التطويبات في الإنجيل (طوبى لأنقياء القلوب، لأنهم يعاينون الله).
+
يتبعها نوع من الصوم الطعامي، الصوم الطعامي ارتبط بدءاً من الكنيسة الأولى
بمفهوم كتابي: نحن قبل أن نخرج من الفردوس كنا نأكل النباتات فقط. اللحم
دخل مع سفينة نوح تقريباً. إذاً في عودة إلى الحياة التى نَحُنُّ أن نكون
بها عائشون مع الله، يأتينا الصوم لنستعيد به تللك العلاقة، علاقة العيش مع
الله وقربه.
+
النقطة الثالثة في الصوم: توقيت الطعام مرتبط ليتورجياً مع خِدم الكنيسة،
لأنه في الأساس خلال الصوم فقط يومي الأحد والسبت يقام بهما قداس إلهي، أما
باقي أيام الأسبوع يقام قداس القدسات السابق تقديسها وهذا القداس مقرون
بصلاة الغروب. فإذاً يومي السبت والأحد رسمياً نحن نتناول الطعام عند
خروجنا من الكنيسة حسب وقت إنتهاء القداس، وباقي الأيام نتناول وجبة واحدة
خلال الأربع والعشرين ساعة وذلك بعد قداس القدسات السابق تقديسها أي بعد
الظهر أما المرضى والضعفاء فلهم أنظمة تناسبهم يحددها لهم الأب الروحي مع
الطبيب فصار بعدها ارباك في هذا الموضوع فحددت الكنيسة من باب التسهيل نظام
لهؤلاء المرضى والضعفاء بأن يكون لهم في نصف النهار وجبة وفي المساء وجبة
بسيطة.
ومع الزمن أصبح المجتمع بكامله يمثل الضعفاء ولم يبقى أحد يمثل القانون
الأساسي للصوم. واليوم عندما نريد أن نرتبط بالصوم علينا أن نمشي بالعرف
القائم الذي هو ليس قانون محدد بل عرف قائم لكنه مقبول من الكنيسة في كل
مكان بأن ناكل الساعة الثانية عشرة، وبعدها نأكل وجبة ثانية خفيفة مساءً،
ويفضَّل عدم تنويع الطعام، وأيضاً عدم كثرته.
|