رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

دَيريْ القديس جاورجيوس والشيروبيم - صيدنايا - .....................جديد الموقع: صفحة نشاطات الدير - آب :رياضة روحية لجامعين التعليم الديني - قطينة..................مخيم يسوع فيك أبتدي لثانويي الفرع الشمالي مدارس الأحد الأرثوذكسية - مركز دمشق...................................صفحة صوت الديرين: حديث الأسبوع 5 أيلول: أنتم هيكل الله (الأرشمندريت يوحنا التلي)....................صفحة صوت الراعي: التوبة (لصاحب الغبطة البطريرك إغناطيوس هزيم) من كتاب آلام فقيامة...........................صفحة سؤال وجواب: ما هي رموز الإكليل؟..................................صفحة مساهمات القراء: تأملات : للأب فادي هلسة "يسوع هذا الشخص الفريد"..........................صفحة الأخبار : حديث روحي للمطران أفرام كرياكوس في دير القديس جاورجيوس

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

حديث الأسبوع (11 نيسان)

أرشيف

وعظة الأحد

موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

لاجتماع عائلات (مجموعة الأطباء)

 الأحد 11-4-2010

 القيامة: نزول المسيح إلى الجحيم

 

أولاً: مقدمة

سفر أعمال الرسل هذا السفر القيامي الذي أحداثه جرت بعد ترائيات المسيح أربعين يوماً لتلاميذه بعد القيامة، ومن ثمّ بتثبيتهم يوم العنصرة أو يوم الخمسين بحلول الروح القدس عليهم، كان هو محور انطلاقهم في كل ما يشتمل عليه العمل الكرازي، مضافاً إليه حياة الكنيسة وفعل الإيمان بالقيامة المقرون مع مسيرتها, كل هذا يفسر لنا أمر واحد، هو أن (الحياة في المسيح) كانت هي حياتهم، وبدون هذه الحياة يصعب علينا تفسير قدرة الرسل على البشارة, وموت الشهداء, واعتراف المعترفين, وقداسة القديسين, ونسك الأبرار, وعجائب صانعي العجائب, وإيمان المؤمنين, ومحبة الذين يحبون, ورجاء الذين لهم رجاء, وصوم الذين يصومون, وصلاة المصلّين, وتواضع المتواضعين, وفرح الذين يفرحون بفرح لا ينتزع منهم... هذا كله وغيره لم يكن من الممكن أن يوجد لو لم يقم المسيح، ويملأ تلاميذه بقوته المحيية وحكمته. ما الذي مكنَّ تلاميذه المتفرقين والخائفين، أن يجتمعوا ويمتلئوا حكمة وشجاعة وإقداماً لإعلان قيامة المسيح دون خوف, والسير معه بفرح حتى الموت؟ خاصةً أنهم أشخاص بسطاء وفقراء, ثقافتهم بسيطة وعلومهم قليلة. ومن ثمّ فإن كل ما فعلوه يدل على أنهم مرتبطون بإله حي.

كل هذا يؤكد لنا أن حديث المسيح المخلّص عن الحياة الأبدية قبل القيامة قد ظهر بعد القيامة أنه هو حقيقة (الحياة الأبدية). وكذلك كان يبشر بقيامة الأموات, وحين قام, أظهر أنه هو حقيقة القيامة من بين الأموات. وكذلك حين كان يبشر أن الإيمان به كان يجيز من الموت إلى الحياة, فقد ظهرت قيامته أنها تغلُّب على الموت, وبذلك أمكنه أن يؤمّن للموتى العبور من الموت إلى الحياة. وحول هذه الفكرة الأخيرة سنوجّه موضوع القيامة في حديثنا هذا.

لهذا نرى أن المسيحية تتميز عن كل دين آخر بحدث القيامة، والذي هو أعظم أحداث التاريخ. والقيامة فيها تجدد الطبيعة البشرية، ويُعاد خلق الجنس البشري ليتأهل لحياة آتية هي الحياة الأُخروية. تلك الحياة المرتبطة بالحياة الفردوسية، التي كانت قد فقدت استمرار مسيرتها نحو الحياة الأبدية فأعادها يسوع بالصليب. لتكون القيامة هي باب الدخول ثانيةً نحو طريق العودة إلى الملكوت. لهذا يؤكد لنا بولس الرسول بقوله: "وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلٌ إيمانكم" (1كو17:15). فإيماننا بالقيامة يبعدنا عن أن نكون "أشقى الناس أجمعين" (1كو19:15).

لا يرتبط حدث القيامة فقط بالمؤمنين من المعاصرين للحدث، وليس كذلك حصراً بمن سيأتي بعدهم مرتبطاً بيسوع بالإيمان بالقيامة ذاتها؛ بل أيضاً يرتبط بالأنفس التي سبقت حياتها على مجيء المسيح في عمله الفدائي. وهؤلاء هم الذين بُشٍّروا من يسوع يوم نزوله إلى الجحيم ليحرر الراقدين القابعين بمثوى الأموات، مما أعطى فرصة للأبرار منهم لينتقلوا إلى الحياة التي عبَّر عنها يسوع بقوله للص وهو على الصليب: "اليوم ستكون معي في الفردوس". ولهذا حظي هؤلاء السابقين ليسوع بهذه النعمة. والقيامة المعاشة بأشخاص أصحابها تبدأ ضمناً من يوم الجمعة العظيمة، وهذا أمر يشعر به كافة المصلين بالليتورجيا الشرقية من خلال زياح الجناز في خدمة السحر لقداس سبت النور، مضافاً إليه أقوال الآباء وعظاتهم. كل هذا يحمل التأكيد على أن حدث القيامة يبدأ من يوم الجمعة العظيمة، ولكنه يُرى حقيقةً صباح يوم الأحد.

 

ثانياً: هدف نزول المسيح إلى الجحيم

نحن في الكنيسة الشرقية نقرأ أحداث الخلاص في الإنجيل وكذلك نقرؤها في الأيقونة التي هي لغة الرمز والروح لكافة المؤمنين. فلنتأمل أيقونة النزول إلى الجحيم التي يكمن بها أعظم مشهد لأيقونة القيامة، متذكرين في تأملنا لها كلمات بطرس الرسول: "فانطلق يسوع بهذا الروح القيامي يُبشر الأرواح التي في السجن" (1بط19:3) والمقصود بالسجن هنا هو مسكن الأبرار الذين ماتوا قبل المسيح. ويؤكد هذا الفهم أن بطرس يقول في مكان آخر من الرسالة: "فإنه لأجل هذا بُشِّر الموتى أيضاً، لكي يدانوا حسب الناس بالجسد، ولكن ليحيوا حسب الله بالروح" (1بط6:4).

ما الذي يمكن أن نصل إليه من هذا العمل الأيقوناتي الذي نتأمله بعد تعليق الرسول بطرس السابق؟

إن الأيقونة هي أداة أمينة في التعبير عن العقائد المسيحية المطبوعة في الحياة الليتورجية، مما يسمح للفن المسيحي أن يكون لوناً عبادياً روحياً، وأن يخدم هدفه بأمانة. وفي أيقونة النزول إلى الجحيم يتضح أن الهدف هو الغلبة على الموت، وهيمنة النور على الظلام وتحرير المعتقلين، وهذه المعاني تؤدي إلى الثقة بالقيامة، والاستهتار بالموت. في الأيقونة يقف يسوع بلباس أبيض، والملامح الغالبة على وجهه تجمع مع القوة محبته للبشر. كما وتبرز الأيقونة في يديه ورجليه آثار الصلب.

تعرض الأيقونة المسيح وهو ينتشل بيمناه آدم وبيسراه حواء. إنه يقيمهما ممسكاً بيديهما بقوة، لأن الميت لا يمتلك قوة من نفسه لأنه يقوم من القبر بقوَّة خارجة عنه. على العكس من المسيح الذي قام دون أن ينزع عنه أحد الأكفان.

وأخيراً تعرض الأيقونة أبواب الجحيم مخلَّعة تحت قدمي يسوع، وقد حُطِّمت الأقفال، وبُعثرت المفصَّلات؛ لأنه لم يعد بالإمكان إغلاق أبواب الجحيم من جديد. وتبرز روعة النصر أخيراً وتتبدى بوضوح على كل تفاصيل هذه الحركة الناجحة. هناك أيقونات أخرى إلى جانب أيقونة النزول إلى الجحيم تتعرض لموضوع القيامة ذاته وأهمها: أيقونة القبر الفارغ، وأيقونة حاملات الطيب. هذا على صعيد الأيقونة الشرقية التي يغلب عليها الجانب اللاهوتي والعقائدي والروحي، هنالك أيضاً الأيقونة الغربية التي يغلب عليها الكثير من الواقعية التصويرية ((Realism.

وإذا أردنا أن نشرح المفهوم الأيقوناتي لأيقونة القيامة البيزنطية فإننا نستطيع أن نلخص ذلك: تتميز الأيقونة البيزنطية عامة بتلبيتها للشروط الروحية والفنية للحدث. فلا نجد الزمان والمكان في حدودها، ولا نرى الواقعية التصويرية الغربية الغارقة بالتفاصيل الطبيعية الجمالية الذي هو إطارها. لأن الأيقونة البيزنطية تجول في أفق اللاهوت والرواية الإنجيلية، لتعطي البعد الشخصي الخلاصي والتعليمي مكانه، دون أن يطغى ذلك عليه، كما هو الشأن في الرسم الغربي ذي البعد الروائي الآني ومخيّلة المصوّر.

للأيقونة لغتها الخاصة. فإذا كان من يجهل لغة كتاب لا يمكنه فهمه، فإن كل من يجهل لغة الأيقونة لا يمكنه أن يلج إلى عمقها ورسالتها وحديثها إليه. لغة الأيقونة تتألف من الحركات، ومن الخطوط والأشكال والألوان، وكذلك من اختيار وترتيب الرسام للحدث ضمن الأيقونة. وعلى الأيقونة كذلك أن تكون بسيطة، بحيث تتجنب فخ الوقوع في الأمجاد الشخصية للرسام، عن طريق إبراز فنه على حساب حقيقة الموضوع ولاهوته.

أيقونة النزول إلى الجحيم تساعدنا على تبني ما ترتله الكنيسة في غروب الفصح: (اليوم الجحيم تنهَّد صارخاً). فالجحيم صار ينادي متأوِّها من ضعف حاله بفضل قيامة المسيح. وفي كلمات كنسية من ذات الخدمة أيضاً، التي تُظهر كيف أن سلطة الموت قد أُميتت لأن المسيح حرر كل الذين احتجزهم لزمن غابر. لذلك نُرتِّل قائلين بلسان سيد الهاوية: (قد ابتُلع اقتداري لأن الراعي صُلب وأَنهض آدم. والذين كنت مستولياً عليهم قد فقدتهم، والذين ابتلعتهم قذفتهم بأسرهم لأن المصلوب أخلى القبور واقتدار الموت اضمحل).

أيضاً هناك تعابير جميلة نقرؤها يوم الفصح للذهبي الفم يصف فيها لقاء المسيح بالجحيم مثل: (تمرمر....قد بُطل...قد هزئ به....قد أميت....قد أُبيد....قد رُبط...). والدمشقي بروائع طروبارياته في قانون الفصح والتي منها هذه الطروبارية: (أيها المسيح، لقد نزلت إلى أسافل دركات الأرض، فحللت الأمخال الدهرية المثبتة الضابطة المُعتقلين، وفي اليوم الثالث برزت ناهضاً من القبر، كما برز يونان من جوف الحوت).

 

ثالثاً: وصف نزول المسيح إلى الجحيم

والقديس أبيفانوس أسقف قبرص يقدم وصفاً رائعاً لنزول المسيح إلى الجحيم، واصفاً النزول مصحوباً مع الملائكة بصورة رمزية خلابة. فيقول بكلمات مفعمة بالحيوية تجعل نزول المسيح إلى الجحيم شريطاً مصوراً أمام عيني قارئه: (بطريقة إلهية....كما في حرب....على طريقة عالمية...). وقد سبق وصول المسيح الملاك جبرائيل زعيم جمهور السماويين ليعلن مجيء المسيح فقال: "ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم" (مز7:24) فما كان من الملاك ميخائيل إلا أن هتف بالمقابل قائلاً: "وارتفعي أيتها الأبواب الدهرية" (مز7:24).

ومع إعلان جبرائيل تعلن أقوال أخرى لبعض الملائكة طبيعة دخول المسيح "ليدخل ملك المجد" (مز9:24). وهكذا أظهر النص المسيح الناهض، وعرض كيف صرخ قادة الجحيم بصوتٍ عالٍ: "من هو هذا ملك المجد؟" (مز8:24) فنادت كل قوات السموات: "هو الرب القوي الجبار...هو ملك المجد"(مز8:24). ثم اقترب الرب ممسكاً بالصليب الظافر مقترباً أولاً نحو آدم المخلوق أولاً والمائت أولاً والمقيد في العمق السحيق. وهو بدوره قد عرف المسيح، فالتفت إلى المحيطين به من حوله معلناً عن قدوم من عرف مشيئته ولو من بعيد، فأصداء الفردوس في مجيء الله إليه لا زالت تحمل أثرها في نفسه. ففرح الجميع بذلك. حينها وصل الرب إليه وأمسكه بيده ورفعه إلى فوق قائلاً له: "استيقظ أيها النائم وقم من بين الأموات فيضيء لك المسيح" (أف14:5). ويتابع قديسنا قائلاً: أنا هو الإله الذي صرتُ ابناً لك من أجلك، أنت معي الآن مع كل أبناء جنسك، وبسلطتي الإلهية أمنحكم الحرية، وأقول للمقيَّدين اخرجوا وأنت يا آدم لك أقول آمراً: انهض من نومك الدهري. لم أجبلك لكي تبقى مكبلاً في الجحيم. قم من بين الأموات، لأني أنا هو حياة الراقدين. انهض إلى فوق، انهض يا من أخذ شكلي، من خلقته على صورتي. انهض لترحل من هنا لأنك أنت فيَّ وأنا فيك. من أجلك أخذت صورة عبد. من أجلك نزلت إلى الأرض، من أجلك "صرتُ مثل إنسان ليس له معين منفصلاً عن الحياة فيما بين الأموات" (مز5:87). من أجلك يا من خرجت من بستان الفردوس، في بستان سُلِّمتُ إلى اليهود، وفي بستان صُلبت. (يو41:19). ويتابع المسيح قوله: انظر البصاق في وجهي. قد قبلته من أجلك، من أجل أن أعيدك إلى مجدك القديم الذي وهبتك إياه. انظر اللطمات على خدي. قبلتها من أجل أن أُصلح شكلك الذي تشَّوه وأعيده إلى الشكل الذي على صورتي. انظر الجَلْد على ظهري. قبلته لكي أبدد حمل خطاياك. انظر إلى يديّ المسمَّرتين، بسطتهما على عود الصليب من أجل غفران خطيئتك أنت الذي بسطتَ يدك على عود المعصية، انظر إلى قدميّ، ثُقبتا وسُمّرتا على الصليب من أجل تطهير قدميك اللتين أسرعتا برداءة إلى عود الخطيئة.       

        

رابعاً: تحليل أسباب نزول المسيح إلى الجحيم

سنستعرض أسباب النزول بالنقاط التالية:

1- لقد أنهى يسوع في نزوله إلى الجحيم, وجود الجحيم ولم يعد ذلك السجن مرئياً. ولقد تحقق به نبوءة النبي داوود القائلة: "لأنه كسر مصاريع نحاس, وقطع عوارض حديد" (مز16:107) وكذلك النبي أشعياء يقدم كلمة الله بقوله: "أنا أسير قدامك, والهضاب أمهد. أكسر مصراعي النحاس, ومغاليق الحديد أقصف" (أش2:45). يعلق الذهبي الفم على النص بقوله: "إنه لم يقل أنه فتح مصاريع نحاس بل إنه كسرها لكي يصير السجن بلا فائدة... وحتى لا يعود السجن مرئياً... عندما يبيد المسيح شيئاً ما أو يكسره لا يستطيع أحد أن يصلحه مجدداً".

2- وبوصف السيد المسيح لطريق الانتصار المعتاد القائم بحسب العرف على تقييد الشخص، خاصة إذا كان قوي من أجل احتلال ما هو خاص به بقوله: "أم كيف يستطيع أحد أن يدخل بيت الرجل القوي وينهب أمتعته, إذا لم يوثق ذلك الرجل القوي أولاً؟ وعندئذٍ ينهب بيته" (مت29:12). وهكذا نزل المسيح إلى الجحيم وقُيد الشيطان, وأفقده منذ ذلك الوقت سلطته القديمة على البشر. فإذا كان الشيطان حاكم الموت والجحيم, فإن يسوع بفعل القيامة صار سيد هذا المصير الذي هو فرح لكل العالم.

3- يريد المسيح بعد القيامة أن يظهر ألوهيته التي بها يملأ كل شيء. وفي هذا يقول بولس الرسول: "وأما أنه (صعد), إلا أنه نزل أيضاً أولاً إلى أقسام الأرض السفلى. الذي نزل هو الذي صعد أيضاً فوق جميع السموات, لكي يملأ الكل" (أف9:4-10).

إن نور القيامة هي التي أضاءت أسافل الأرض. فنور المسيح هذا هو نور الله المؤلِّهة. وهي التي أضاءت قلوب النسوة والتلاميذ, وهي التي تضيء الذين أقامهم من مثوى الأموات. وحول هذا المعنى ينشد القديس يوحنا الدمشقي قائلاً: (إن البرايا بأسرها قد استوعبت الآن نوراً, السماء والأرض وما تحت الثرى, فلتعيد إذاً الخليقة جميعها لقيامة المسيح, التي بها تشددت).

4- برسالة المسيح ذاتها، التي بها أعلن السلام على الأرض, كانت بشارته في الجحيم مع أنفس المتوفين أيضاً, ولكن بصورة لا ندركها. وبهذين القسمين أكمل المسيح رسالته الخلاصية. وعن هذا كله يعبِّر الدمشقي بقوله: (تماماً كما أن شمس البر ارتفعت فوق سكان الأرض, كذلك ينبغي أن يلمع نور الله على الساكنين في الظلمات وظلال الموت).

5- وبالعودة إلى قولنا إن الجحيم تعرف على جروحات المسيح يحق لنا أن نتساءل, كيف كان ذلك؟ والجواب على ذلك أن نفس المسيح نزلت مع ألوهيته, لأن جسده بقي بألوهيته في القبر. فالجراح كانت محمولة مع نفسه، لأن نفس المسيح تألمت مع جسده. وتعليل هذا يرينا أن بعض قوى النفس - بحسب تبيان القديس نيقوديموس الآثوسي - كمثل العقل والفكر والنية تعمل كلّها من خلال ارتباطها في النفس. فالمسيح كانت تنطبع فيه آلامه على نفسه. بهذه الوسيلة انتقلت آثار الجسد إلى النفس والجحيم رآها.

 

خامساً: الخاتمة

نسترجع مكاننا من أرض الجحيم إلى أرض الحياة, حيث الاحتفال بقيامة المسيح قائمة. وهكذا فإنه بعد ألفي سنة من القيامة المجيدة ما يزال الحدث حياً. فنحن لا نقيم احتفالاتنا كحدث تاريخي أو اجتماعي, بل كحدث وجودي. مما يعني أن يكون اشتراكنا في نعمة القيامة ليس تقليداً. إن تعليم الآباء القديسين حين يشدد على أهمية التهيئة الصيامية قبل العيد لكي ننقي حواسنا من كل ما يرتبط بالنفس والجسد، وفي الكنيسة نرتل مع الدمشقي قائلين: (لننقي حواسنا ونعاين المسيح ساطعاً كالبرق بنور القيامة الذي لا يدنى منه, ونسمعه قائلاً علانية افرحوا, نحن المنشدين نشيد النصر والظفر) فالشركة مع الله التي نصل إليها في القيامة تعني لنا معاينة الله. وعليه يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: (لهذا على الإنسان أن يتنقى أولاً, من ثم عليه أن يتغير بالنقاوة).

هدف الحياة الروحية هو الاتحاد بالمسيح القائم. أما المعاينة لهذا الاتحاد فتتم بالقلب. فالمسيح أساساً يقوم في قلوبنا, وفعله المنتظر فيها هو أنه يميت الأهواء الموجودة بها، ويتخطى بنا كافة التخيلات الخاطئة مبعداً عنا اهتماماتها المعثرة. وهذا يتناسب مع قول القديس مكسيموس المعترف بأن هذا التخطي قيامياً يتم تماماً (كما تخطى يسوع أختام القبر. فالاحتفال القيامي هو أمر داخلي وجودي ينصحنا فيه الآباء القديسون بأن نبتعد عن الاكتفاء بالاحتفال الدنيوي المهرجاني, بل أن يتم الاحتفال بطريق إلهية).

حدث القيامة يعطينا خبرة تساعدنا على الوصول إلى الهدف الذي أراده المسيح لنا وهو أن نتأله. لأن الإنسان خلق لكي يتأله، حتى الطبيعة فإنها تشارك في هذه القداسة من خلال الإنسان. وهكذا يتضح أن تقديس الإنسان هو تقديس الكون أيضاً. فبولس الرسول عندما يتحدث عن المعمودية، ويؤكد على أنه بهذه المعمودية قد دُفناَّ مع المسيح في الموت: "حتى كما أقيم المسيح من الأموات, بمجد الآب, هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة" (رو4:6). هذه الولادة من جديد هي ضرورية لنا. لأنه من دونها يموت الإنسان روحياً بحسب قول بولس الرسول: "لأنه إن عشتم بحسب الجسد فستموتون, ولكن إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون" (رو13:8). بمراعاة هذه المنطلقات كلها نشعر - مسيحياً - بأن قيامة المسيح هي أعظم حدث في التاريخ. لأنه بها يصار إلى تأله الطبيعة البشرية وقيامتها. أي قيامتنا بالتالي نحن شخصياً في الواقع. فبولس الرسول يقول: "قيامة المسيح تعني قيامتنا نحن". وهذا هو رجاؤنا وهذا هو أملنا بالحياة. لأننا من خلال قيامة المسيح نجد بأن كلاً من الحياة والموت قد اتخذ معنى آخر. فلم تعد أحداث التاريخ هي الحياة, بل صارت الحياة هي الشركة مع الله. ولم يعد الموت نهاية الحياة الحاضرة, بل إن الموت هو الانسحاب من المسيح. ويصبح خروج النفس من الجسد في ضوء القيامة هو رقاد وقتي: "فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة, ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات, ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة, ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى, تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا" (رو38:8-39). فقيامة المسيح يتم بها تخطي كل مشاكل البشرية بحسب الذهبي الفم.  

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا