|
محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي
لرعية كنيسة رقاد السيدة في دير عطية
18-3-2010
دور اللسان والكلام في حياتنا عامة والروحية خاصة
أولاً: مقدمة
يتصل الإنسان بالآخرين بواسطة لسانه, وباللسان ذاته يبث لله مشاعر قلبه.
فالله خلق كلَّ شيءٍ لمنافع حميدة, وهذا ينطبق على أعضاء الجسد كلها، مما
يستدعي من الإنسان أن يوظفها في أمورٍ ترضي الله. واللسان هو أحد هذه
الأعضاء الذي منحنا الله إياها، ليكون لنا دورٌ مرضيٌ من خلاله أو مستقبح.
واللسان هو عضوٌ ماديٌ صغير، ولكن يا الله ما أشد فعاليته! انظروا كيف أن
شرارةً صغيرةً تحرق غابةً كبيرة، اللسان هو كالنار خطراً. فهو وحده من بين
أعضاء الجسم كلها، جامعٌ لشرورٍ لا تحد، ويلوِّث الجسد كله بالفساد. إنه
يُشعل النار في دائرة الكون، ويسعِّر نار جهنم. ومن السهل على الإنسان أن
يروِّض الوحوش والطيور ..... ولكن أحداً من الناس لا يقدر أن يُروِّض
اللسان. فهو شرٌ لا ينضبط، ممتلئ بالسم القتال. باللسان نرفع الحمد والشكر
للرب، وبه نوجّه الشتائم إلى الناس الذين خلقهم الله على مثاله. وهكذا تخرج
البركات واللعنات من الفم الواحد. وهذا يجب ألا يحدث أبداً. هل سمعتم أن
نبعاً واحداً يعطي ماءً عذباً وماءّ مراً من عينٍ واحدة؟
ثانياً: اللسان في الكتاب المقدس
أول ظهورٍ لعمل اللسان نجده في الكتاب المقدس في سفر التكوين هو قول الله:
"ليكن نور فكان النور"(تك3:1) أي بكلمة الله وقوله بدأ هذا الوجود.
وهناك قولٌ آخر هو بمثابة الشريعة الأولى للإنسان:"من جميع شجر الجنة
تأكل أكلاً، أما من شجرة الخير والشر فلا تأكل منها"(تك17:2) أما القول
الأول الذي نقرأه للإنسان فهو لآدم عند رؤيته حواء: "هذه عظم من عظمي ولحم من
لحمي.."(تك23:2) وهو بمثابة شكر وتمجيد لله على ما صنع له. ومن فم آخر
يخرج قولٌ مليءٌ بالحسد والغيرة، إنه قول الحية لحواء: "لن تموتا، بل
الله عالم أنه يوم تأكلان منها تنفتح أعينكما وتكونان كالله..."(تك4:3).
هذا أول قول كذب في الخليقة، وهو مخالفة الشريعة وإرادة الله. ومن بعده
وبسببه صارت الفرقة بين الله والإنسان، فأخرج الرب الإله آدم من الفردوس.
بالإضافة إلى ذلك نجد في الكتاب المقدس أقوالاً كثيرة تصف اللسان، فنجد في
الأمثال: "الموت والحياة في يد اللسان" (أم21:18). والأسفار الحكمية
مثل الأمثال وسيراخ والمزامير تحمل كلها هذا الصدى، عن وجود رسالة عند
الإنسان ينقلها اللسان، كتعبيرٍ من الإنسان المتكلم. وليس اللسان الخيِّر
هو الوحيد المذكور، بل إن الكتاب المقدس يذكر اللسان البذيء أيضاً الذي
يُصدر: "الكذب والغش والرياء والاغتياب والنميمة". فالنبي داود
يتحدث عن الإنسان الشرير الذي هو عدو الله: "فمه مملوءٌ لعنةً وغشاً
وظلماً وتحت لسانه الأذى والإثم" (مز7:10) وفي مزمور آخر يقول: "أنقذني
يا الله من الأشرار, واحفظني من الظالمين اللذين... سنّوا ألسنتهم كالحية,
وسمّ الأصلال تحت شفاههم" (مز1:140-3) وهناك تشابيه كثيرة سيئة في
الكتاب المقدس تدل على اللسان كقولنا: "موس مسنونة" (مز4:52) "وسيف
حاد" (مز5:57) و "سهم قاتل" (إر7:9 + 18:18).
فهل يستدعي الحديث عن اللسان أن يسبب لنا خيبة أمل؟ نعم!! ولكن هذا يكون
عند البعض وليس عند الجميع فسفر سيراخ يقول: "من الذي يخطئ بلسانه؟"
(سيراخ7:19) فيأتي الجواب من نفس المصدر: "مغبوطٌ من لم يزلل بلسانه"
(سيراخ11:25).
والمغبوط يمتلك الوجه الإيجابي للسان، وهو الذي يكون منقاداً للرجاء الذي
فينا، محمولاً بلسان الصدّيق ليقدم كلامه وكأنه: "فضة نقية"
(أم20:10) حينها نراه "يهذي بعدل الله ويعلن حمده" (مز28:35).
أما في العهد الجديد من الكتاب المقدس، فنجد في إنجيل لوقا حادثة تتكلم عن
حرمانٍ ينزله الله بأحد خاصته، فيحرمه من استخدام لسانه كعقابٍ إلهيٍ كما
حصل "لزخريا أبي يوحنا المعمدان" (لو20:1). فالحرمان من استخدام
اللسان - بلغة الكتاب - هو عقابٌ إلهيٌ أو عقاباً نطلبه نحن إذا ما قصرنا
عن ذكر الله، كقول المرنم: "ليلتصق لساني بفمي إن لم أذكرك, ولم أفضلك
على ذروة أفراحي" (مز6:137)، وبالمقابل فإن إعادة اللسان للنطق بعد
خرسه هو عمل خلاصي، كما نجده عند أشعياء حين يتحدث في سفره عن نبوءة قدوم
الماسيا يقول "عندئذٍ تبصر عيون المكفوفين, وتنفتح آذان الصم, ويترنم
لسان الأبكم فرحاً" (أش5:35-6) ولنا من حادثة شفاء إنسان أصم و(معقود
اللسان)، ذكر ذلك يقول فيه مرقس الإنجيلي أن يسوع: "وضع إصبعه في أذني
الرجل ثم تفل ولمس لسانه, ورفع نظره إلى السماء, وتنهّد وقال له: (انفتح),
وفي الحال انفتحت أذناه, وانحلت عقدة لسانه, وتكلم بطلاقة"
(مر32:7-35). فعل هذا يسوع "لأنه يبدع في كل ما يفعل. فهو يجعل الصم
يسمعون والخرس يتكلمون" (مر37:7) أما غاية النطق بعد معالجة اللسان
والعودة إلى التكلم، فإن لوقا الإنجيلي يذكرها في أحداث ميلاد يوحنا
المعمدان بقوله: "وانفتح فم زكريا في الحال, وانطلق لسانه, فتكلّم
مباركاً الله" (لو64:1). وحين يكون لسان الإنسان وشفتاه معبرين عن (قلب
الإنسان)، تصبح أعماله متجاوبة مع كلامه. وفي هذا الشأن يحدثنا يوحنا
الإنجيلي بقوله: "لا تكن محبتنا بالكلام أو باللسان, بل بالعمل والحق"
(1يو18:3). وهذا يتماشى مع قول يعقوب الرسول: "وإن ظن أحد أنه متدين,
وهو لا يلجم لسانه, فإنه يغش قلبه وديانته غير نافعة" (يع26:1) ثم
يلخصها بقوله: "به نبارك ربنا وبه نلعن الناس المخلوقين على صورة الله"
(راجع يع2:3-12).
ثالثاً: قصة اللسان والألسنة
"وكان
أهل الأرض جميعاً يتكلمون بلسان واحد, ولغة واحدة" (تك1:11) وكأنها
كانت مرحلة لحياة السلام والحب والتفاهم التي تشكلت بعد طوفان نوح. وهي قد
بدأت بوصيةٍ إلهية لأبناء سام وحام ويافث؛ ولكن روح الكبرياء أصابت ذرية
أولاده ويا للأسف. فابتدأ عمل اللسان فيهم بدلاً من روح العبادة, فاستعملوا
لسانهم في أمور الشر الذي شكلَّ جامعاً لرأيهم من خلال قولهم: "هيا نشيد
لأنفسنا مدينة وبرجاً يبلغ رأسه السماء" (تك4:11). وهذا الشر نتج عن نقص ثقتهم
بالله التي جلبتها إليهم سوء استخدام ألسنتهم، مما أدى إلى إقامة علاقةٍ
سيئةٍ مع الله جلبت عليهم التفرقة التي قال عنها الرب: "إن كانوا كشعب
واحد ينطقون بلغة واحدة, قد عملوا هذا منذ أول الأمر, فلن يمتنع عليهم أي
شيء عزموا على فعله. هيا ننزل إليه ونبلبل لسانهم, حتى لا يفهم بعضهم كلام
بعض" (تك4:11-7). ولهذه الحادثة مثال آخر في العهد الجديد بروح أخرى هي
روح البشارة والوحدة لا الفرقة. فبعد صعود المسيح إلى السماء يقول سفر
أعمال الرسل: "ولما جاء اليوم الخمسون كان الإخوة مجتمعين معاً في مكانٍ
واحد، وفجأةً حدث صوتٌ من السماء كأنه دويّ ريحٍ عاصفة، فملأ البيت الذي
كانوا جالسين فيه. ثم ظهرت لهم ألسنة كأنها من نار، وقد توزعت وحلّت على كل
واحدٍ منهم، فامتلأوا جميعاً من الروح القدس. وأخذوا يتكلمون بلغاتٍ أخرى،
مثلما منحهم الروح القدس أن ينطقوا فوقف بطرس مع الرسل الأحد عشر، وخاطب
الحاضرين بصوتٍ عال .... فلما سمع الحاضرون هذا الكلام، وخزتهم قلوبهم
فسألوا بطرس وباقي الرسل: "ماذا نعمل أيها الإخوة؟" أجابهم بطرس: توبوا
وليعتمد كلُّ واحدٍ منكم باسم يسوع المسيح فيغفر الله خطاياكم، وتنالوا هبة
الروح القدس.... وانضم في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس" (أع1:2-41).
من مقارنة الحدثين يمكن أن نستنتج أنه لو كان لسان أهل بابل ينطق بالخير
والصالحات، لبقوا على علاقةٍ طيبةٍ مع الله، ولكان برجهم مكافأةً لصلاحهم،
يبنيه الله لهم عن طريق نعمته التي بها يصعدون إليه. أما ما حصل واقعياً
فقد كان الإصرار على بناء مدينةٍ أو مجتمعٍ خالٍ من الوجود الإلهي, أي أن
الله ليس فيه. بينما عنصرة الرسل فقد كانت لهم وحدة للقلوب، التي كانت
مجتمعة بنفس واحدة من أجل تسبيح الله. فاللسان حامل لغة التفاهم أراده الله
تواصلاً لإعلاناته بين البشر بعضهم مع بعض، وبينهم وبين الله لاستلهام
مقاصده. فكل حديث فيه لغوٌ أو ثرثرة يبعدنا عن الله, لأنه سبحانه يريدنا أن
نحرك ألسنتنا بلغةٍ واحدةٍ: هي لغة الروح التي تجمعنا بدون تفرقة.
رابعاً: اللسان الإلهي
هل لله لسان؟ وإن كان موجوداً فما هو حديثه؟
اللغة تظهر باللسان كحاسة من الحواس الخمس، والروح القدس في أحد رموزه كان
على شكل لسانٍ ناري. وقد قام اللسان بالكشف عن حقيقة الروح القدس من خلال
اتحاده مع كلمة الله، التي نطقت مقرونة برفقة هذا اللسان. وهذا ما يؤكد ما
تقدم من أنه لا شيء أكثر ارتباطاً بالكلمة كاللسان. وأن كلام الروح القدس
صار على ألسنة التلاميذ بمثابة أقوال إرشادية، فظنهم البعض سكارى. نقول نعم
كانوا سكارى بخمرة الروح القدس وليس بخمرة العنب. وضعف ألسنة الناس في
أقوال الكلمات الروحية يجعلهم غير متفهمين لدور اللسان الروحي. لأن للسان
عندهم وظيفةٌ أخرى هي الثرثرة.
بدءاً من العنصرة، وظَّف الله ألسنة البشر لتنطق بقضايا الله بعون الروح
القدس، مسبحين الثالوث وممجدين وحدانيته. وهذا الذي حدث لا يتماشى ولا يتفق
مع نطق الذين يستخدمون ألسنتهم لتنقل رغبات الشيطان الذي يريد للناس
التفرقة ولتحل بحياتهم البغضاء في ذات الوقت الذي يتحدثون بكلمات الله.
فالحديث عن الله وعظائمه هو بعيد كلياً عن لغة الخبث الممزوجة بالمكر، التي
يتحلى بها إنسان يحقق للشيطان ما يريد. وهذا ما يوجب علينا أن نتذكر أن
ناتج الكبرياء في الأحاديث البطالة سيقود صاحبه إلى التجديف على الله، وهو
ما أدى أن يبلبل الروح ألسنتهم. ولما عاد الشعب من جديد ليتحدث بعظائم الله
في شخص ابنه ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، فإن دور اللسان الخيِّر قد اُستعيد
باستعماله من قبل بني البشر، فصاروا من جديد (يمجدون به الروح الكلي قدسه).
طالبين منه أن "يطهرنا من كل دنس".
أيضاً كان من أهداف الروح القدس تحقيق نبوءة يوئيل النبي، القائلة بعد
انسكاب الروح القدس على الناس أنه: "يتنبأ بنوكم وبناتكم" (يؤ28:2).
والنبوءات هذه تعني نقل إعلانات الرب بوساطة الألسنة إلى البشر. فهل
ألسنتنا مستعدة لمثل هذا التوظيف بعيداً عن الأحاديث الباطلة؟
خامساً: مخاطر اللسان
"إننا
جميعاً معرضون للوقوع في أخطاءٍ كثيرة. ولكن من يلجم لسانه، ولا يُخطئ في
كلامه هو ناضجٌ يقدر أن يسيطر على طبيعته سيطرةً تامة" (يع2:3+4-11).
ولتطبيق قول يعقوب الرسول هذا، يتوجب علينا كبح جماح الرغبات
المتمثلة في قول ما لا ينبغي قوله، كمثل نقل الإشاعات، واغتياب الآخرين،
والتفاخر، والتعليم الكاذب، والمبالغة، والشكوى، والكذب، والتملق. وكلها
أمثلة تدل على أن استخدام اللسان كان استخداماً خاطئاً. فاللسان يمكن أن
يُحدث أذى، كمثل النار المتأججة إذا ما انتقلت بصورةٍ خاطئةٍ، فأحدثت ضرراً
وأذى. هكذا فإن اللسان غير المنضبط يؤدّي لأذى كبير. وكلنا يعرف من خبرته
الحياتية كم هو مدمر ما يتلفظ به اللسان من كلام تافه، والغريب أن البعض -
رغم معرفتهم بذلك - يستخدمونه، ولو أدى إلى نشر الخراب بين الناس وبين
الأسر والعائلات أيضاً.
من هنا علينا أن نسأل أنفسنا قبل كلِّ كلمةٍ نتلفظ بها: (هل عن هذه الكلمة
يرضى يسوع؟ هل هي كلمة حق وصدق؟ هل هنالك من ضرورة لأقولها؟ هل هي رقيقة لا
أجرح بها الآخر؟). إن بناء الصداقات الجيدة والمباركة يستغرق زمناً طويلاً،
ولكن اللسان في ساعة غضب يطلق ناره المؤذية، وهو ما يؤدي إلى تدمير تلك
العلاقة الطويلة الأمد. وبعد أن يلفظ اللسان ما تم من لفظه، فإن الأضرار لم
يعد يمكن إصلاحها إلا بصعوبةٍ بالغة. ولنتذكر أن عوننا في إصلاح اللسان
وضبطه هو الروح القدس الذي علينا أن نلتجئ إليه ليعطينا القوة لنتكلم ما
يجب أن نقوله.
قد يقول قائل: أنا أتعجب من نفسي، لأني أتكلم كلاماً حلواً
وصحيحاً أحياناً، ويؤدي بي لتحقيق رضى الله عني، ولكنني أتكلم كلاماً
عنيفاً ومسيئاً للآخرين في أوقاتٍ أخرى، لدرجةٍ يكاد أن يكون كلاماً
مدمراً. ويتابع تساؤله قائلاً: ترى أيهما يعكس شخصيتي الحقيقية؟ والجواب
على مثل هذا التساؤل هو أن اللسان هو الذي يعطي صورةً لمثل هذا الإنسان،
الذي يمثل شريحةً كبيرةً من المجتمع، مبرزاً من خلاله الطبيعة البشرية
الأساسية. فالوجه الصالح لأشخاصنا الذي يعبِّر لساننا عنه يأتينا من ناحية
أننا صالحون، لأننا خُلقنا على صورة الله. أما الوجه الآخر فيُعبِّر عنه
لساننا مبرزاً شخصيةً أخرى، يأتي من كوننا خطاة. وهذا قد حصل بعد سقوطنا.
فكبرياء الخطيئة يدمرنا.
ترى ما هو الحل لذلك؟ علينا أن نلتفت إلى صلاح الله دائماً، ونضع لساننا
كأداة تعبيرٍ بين يديه. فهو يعمل من خلال روحه القدوس - وبشكلٍ دؤوب -
ليغيّرنا. ويكون هذا التغيير من الداخل إلى الخارج، إذ يُطهر قلوبنا،
ويعطينا القدرة لأن نضبط أنفسنا، حتى ننطق بما يفرّح قلب الله ويرضيه. وإذ
ما تساءلنا حول دور لساننا في كلامنا: متى يكون الدافع هو الشيطان بكذبه
وشروره؟ ومتى يكون الدافع لهذا اللسان هو الله بحكمته وتدابيره؟ فإنني
سأقدم لائحتين من التعابير هنا، وهي التي تعطي جواب هذين السؤالين:
الشيطان وتعابير شروره: الغيرة - الأنانية - الشهوات والرغبات الأرضية -
الأفكار غير الروحية.
الفوضى - الشر - المكر - اللعنة.
الله بحكمته وتدابيره: الرحمة - المحبة للآخرين - السلام - المجاملات
النافعة.
الخضوع للغير - الجدية والاستقامة - اللطف والكياسة
- الصلاح.
وعلينا أن ننوِّه أن اللسان بالقلب مرتبط، فمنه يخرج الصلاح لأنقياء
القلوب. ومنه يتشكل الشر لغير أنقياء القلوب. وكما يقول الكتاب: "الإنسان
الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح والإنسان الشرير من كنز قلبه الشرير
يخرج الشر فإنه من فضلة القلب يتكلم فمه" (لو45:6).
سادساً: خطايا اللسان
على ضوء ما قدمه لنا الكتاب المقدس من أخطار يمثلها اللسان، صار بإمكاننا
أن نرسم ملامح باقة الشوك هذه، ليدرك الإنسان أهمية الخطايا الصادرة عنه
مصحوبةً بباقةٍ من الورد لتحل محل الأشواك
عس أن يعمل فيها توبة وندامة واعترافاً. ليبدأ لسانه من جديد يردد ما يمليه
عليه الروح القدس من أمور صائبة:
1- خطورة اللسان تدل على عدم نقاوة القلب. فالقلب الطاهر لا يمنح سوى ألفاظ
طاهرة. وأما القلب الذي تعشعش فيه الخطيئة، فهي المصدر الذي يعبر عنها
اللسان بألفاظ غير طاهرة. وفي هذا قال أحد الآباء: (إن كان لسانك غزيراً
بحركاته، فقد انطفأت من قلبك الأفكار الطاهرة، أما إن كان لسانك ساكناً،
وقلبك يغلي بالأفكار الطاهرة، فطوباك لأن حركته بالروح ترفعك إلى هدوء
الحياة. سكّت لسانك ليسكت قلبك، وسكّت قلبك ليتكلم فيه الروح).
2- إن للكلمة التي تخرج من اللسان خطورتها، لأن صاحبها لا يستطيع أن
يسترجعها. فإذا حدث مرةً وزلّ اللسان، فجرح صديقاً بكلمةٍ لا تليق، فإن
مُطلِق الكلمة لا تنفعه ندامته مهما عظمت، لأن تلك العبارة قد حُسبت عليه،
على الرغم من احتمال نسيانها من ذلك الصديق. ما دام الأمر هكذا فليحترس
الإنسان في كل ما يقوله. وخير له أن يزن كل لفظ قبل أن ينطق به، ويحاسب
نفسه على كلامه قبل أن يحاسبه الناس عليه. لذا علينا أن نحفظ نصيحة الأب
مكاريوس التالية: (احفظوا ألسنتكم بألا تقولوا على إخوتكم شراً، لأن
الذي يقول عن أخيه شراً يُغضب الله الساكن فيه، لأن ما يفعله كل واحد
برفيقه، فبالله يفعله).
3- للسان خطورةٌ أكبر تقوم على أننا سنقدم للّه حساباً يوم مجيئه الثاني عن
كل كلمةٍ بطالة خرجت من أفواهنا. فملكوت السماوات يشترط في الذين يدخلونه
أن يتصفوا بعفة اللسان وعفة الألفاظ. وهذا يستدعي تعوداً مقروناً بتذكر
الرب الدائم، مع مراجعة أنفسنا في كلِّ ما نقوله من كلمات. ويقتضي ذلك
الابتعاد عن الكذب، كما ويقتضي أيضاً الابتعاد عن التحدث بأنصاف الحقائق.
والابتعاد أيضاً عن المبالغة الشديدة. التي تصوّر الأمور بغير واقعها،
والتي تجمع تحت عنوان (الكذب البريء)، رغم أن هذه العبارة هي غير بريئة.
ويجب كذلك أيضاً الانتباه إلى عدم التملق والمدح الزائد القائم على النفاق
والرياء. ولنسمع نصيحة الأب أشعياء في قوله: (إذا كنت في مجلس: احتفظ
بلسانك ليسكن في قلبك محبة الله، لأن من ينفلت لسانه فهو ما زال عبداً. أما
من غلب لسانه فقد صار حراً. ومن تحاش الحديث الرديء يحفظه الرب من السقطات.
أما كثرة الحديث فمنها تأتي الرعونة والملل. إذاً لتكن ألسنتنا ملازمة لذكر
الله والعدل، لكيما نخلص من الكذب. فاحفظ نفسك من الكذب فإنه يطرد من
الإنسان محبة الله).
4- البعد عن استعمال اللسان في إهانة الآخرين وجرح مشاعرهم، سواء باللفظ،
أو بالدس والنميمة والاغتياب. رغم أن ذلك يكون من باب التسلية أحياناً
ولقضاء الوقت. وفي هذا نقدم النصيحة التالية: (سأل شخصٌ أباه الروحي: يا
أبي أشتهي أن أحفظ قلبي. فقال له الأب: كيف يمكنك أن تحفظ قلبك، وفمك الذي
هو باب القلب مفتوحٌ على مصراعيه).
5- ينجرُّ لسان المرء أحياناً إلى لغة العتاب، وهو ما يجعله مراً وقاسياً،
فيجرح اللسان شعور من يعاتبه. وفي هذا يقول الشاعر: (ودَعْ العتابَ،
فربّ شرٍ كان أوله العتاب). وأيضاً تقول قصةٌ آبائية: (جاء شخصٌ
يستشير الأب بيمن وكان الأحد الثاني من الصوم. وبعد أن أصغى إلى نصيحته قال
له: أتعرف يا أبي بيمن إني كنت لا آتي إليك اليوم. فسأله الشيخ ولماذا؟
أجابه هذا الأخ: لقد قلت لنفسي ربما كان الباب مغلقاً مدة الصوم المقدس.
قال له الأب بيمن: إننا لم نتعلم أن نغلق الباب المصنوع من الخشب، ولكننا
تعلمنا أن نغلق باب فمنا).
6- كثيراً ما يفقد اللسان قدرته على ضبط ذاته في حالات الغضب والنرفزة،
فيسب ويلعن فيؤذي بذلك مشاعر المتكلم معه. وفي هذا يعلمنا الأب ايرايس
قائلاً: (من لا يقدر أن يضبط لسانه وقت الغضب فلن يقدر أن يغلب ولا
صغيرة من صغائر الأهواء).
7- يترك بعض الأشخاص لسانهم بدون قيد، فيدعونه يلعلع عالياً وبصوتٍ صاخب،
مع استعمال كلمات حادة وقاسية، فيسيء بذلك لنفسه كثيراً، ويصير مكروهاً من
المجتمع، ويأخذ الكل في تجنبه. ويفيدنا الشيخ الروحاني قائلاً: (من يكثر
كلامه، ويرفع صوته، هو ناقص الرأي. الذي يلطّف كلامه ويتكلم بمكرٍ على
الآخرين هو شيطان ثانٍ. من يصنع صلحاً بين المتخاصمين ابن الله يدعى. ومن
يوصل كلاماً شريراً من شخصٍ لآخر هذا رسول الشيطان. وهذا تبيده النار).
لهذا قال يسوع: "بكلامك تتبرر، وبكلامك تدان" (مت37:12).
8- كثيراً ما يقضي اللسان المفطور على السوء أوقاته في مسلسلٍ من الثرثرات
والأحاديث التافهة، متناسياً أن الله خلق اللسان لفوائد معينة. كاستعمال
الهاتف الموجود لأجل الخدمة والتواصل في الأمور الضرورية، يحول محصلته صاحب
الأحاديث البطالة والمملة إضاعة الوقت. وفي هذا ينصحنا الأب نيلس بقوله: (احذر
يا بني من الكلام الباطل، ولا تفرح بكلام الهزء، ولا تدع فمك يتكلم بكل
كلام يأتي عليه، لئلا تقع في صغر النفس، فاهرب من كثرة الكلام لئلا تنس
ذاتك، وتغفل عن أوجاعك، وليكن كلامك بثبات).
9- إن اللسان قد يقع أحياناً بسقطة الكبرياء، فيتحول بكلامه إلى افتخار
وتباهٍ بشخصه وبأعماله وبنظرياته، فيسبب للآخرين أن يملّوا حديثه، ويهربوا
من معاشرته. والشيخ الروحاني ينبهنا قائلاً: (على الإنسان ألا يتكلم
كلاماً زائداً، بل ما هو ضروري فقط، ولا يقطع كلمة ذاك الذي يتكلم، ليتكلم
هو، فيصير غير متأدب. وألا يتكلم بسلاطةٍ مع أي إنسان. كذلك ليحذر من
المجادلات العقيمة، وليفرّ منها. وعليه ألا يعاشر المفتخرين بأنفسهم، فيصير
مثلهم، وترتفع عنه نعمة الروح القدس، فيصبح مسكناً للأمور الشريرة).
سابعاً: حضارة اليوم على ضوء برج بابل
اللسان هو لغة التفاهم، ومع ذلك لا يمكننا أن نتفاهم إلا إذا كان الروح
القدس هو روح كل لغة وحوار. وفي كل وجودٍ كاذبٍ ومجللٍ بالكبرياء فإن لسان
طرفي الحوار أو أحدهما، لا يبقى مرتبطاً بالروح القدس، لأنه لا يصادق على
ما يقوله اللسان حينذاك.
أزمة برج بابل هي ذاتها أزمة كل مدينة وقرية. فعندما يضعف التفاهم بين بني
البشر، بسبب ضعفٍ في الحياة المرتبطة بالله. فإن هذا يؤدي إلى كثرة كلام
الناس بعضهم مع بعض. أي يكون اللسان صاحب القيادة الأولى لتغيير مجريات
الكون، وبالتالي علاقات الناس بعضهم مع بعض. فاللسان حاملٌ لأحاديث غير
مناسبة أحياناً تنبع من منبع الخطيئة. وهي التي تستبدل لغة الحديث مع الله
بلغةٍ ضعيفة، يستسيغ اللسان تقديمها فخوراً مزهواً لأنه يأتي بجديد. وحقيقة
الجديد هنا هي استبدال الله وبيته السماوي. ببيتٍ جديدٍ هو هذا البرج الذي
قام البشر بصناعته. وهذا ما يجعل اللسان الذي كان يسبّح الله من خلال
التأمل بعجائبه, يصبح لساناً آخر، بديلاً مهمته التحدث بعظائم صناعة
البشر. وشتان بين الاثنين. فاللسان الذي صنع هذا الجديد بضعفه، يحتاج إلى
لسانٍ جديدٍ مرةً أخرى، يتسلح بقوة الله وحسن تدبيره.
بلدة بابل اليوم هي بلدة الإنسانية بأجمعها، فهي تضم كافة المجتمعات
البشرية. فهي لم تعد محصورة في أمّة دون أخرى، أو أبناء لغة دون باقي
اللغات. وهذا ما يجعل التفاهم غير سهلٍ بدون معونة الروح القدس. هذا الروح
لا يسمح بأن تكون الألسنة المتخاطبة قائمة على لغة السيطرة مستخدمةً السماع
والنطق، لأنه - أي الروح - لا يسمح للأنا أن تتسلل عن طريق اللسان، كي تنقل
سيطرتها لقلب الآخر. وبذلك نجد أنفسنا اليوم على أبواب بلبلة لبابل الجديدة
التشكل من عالمنا الجشع، متحداً بلسان يخاطب الآخر بمكرٍ ودهاء. لذلك نجد
أن لسان المخاطبة اليوم يمزق البشر، رغم ادعائه بأنه يسعى لاتحادهم، ولكنه
يستخدم لساناً مزيفاً يجمّل الحقائق منشئاً تبعيات جديدة. يسير وراءها
الكثيرون، فيكونوا بذلك مخدوعين أو عملاء لإعلان شأن أصحاب تلك المصالح.
ولولا اللسان المقتدر بمكره، لما استطاع هذا الجيل أن يُنشئ هذا البرج
البابلي من جديد. والذي دفع علماء الاجتماع والنفس والمسؤولين الدينيين،
علاوةً على كافة السياسيين لكي يصبحوا جميعاً مشغولين بأحداث اللسان
الجديد.
اللسان هو من استطاع اليوم أن يبدع في إنشاء هذه الحضارة الجديدة، بدءاً من
مؤسساتها الكبيرة، ووصولاً إلى خلاياها الصغيرة المتبدية أمامنا في الأسرة
أو العائلة. فاللسان قادر على التجميع أو التفريق. ونحن نأمل من لسان
العنصرة أن يكون وراء حياة الشركة ومع كل تجميعٍ.
فعالمنا اليوم أحوج إلى عنصرةٍ جديدة، يكون أداتها اللسان الناري كناطقٍ
بلسان البشر، مهما قلَّ عدد المؤمنين المتحدثين باسمه، وهذا ما سوف يصم
حديثهم بالسمة التي أشار إليها سفر أعمال الرسل "كما أعطاهم الروح أن
ينطقوا" (أع4:2). فيكون نطقهم بعيداً عن الدعايات والأيديولوجيات،
وقريباً من العودة للتكلم بلسان المحبة والاحترام مع المسامحة والغفران.
وهو ما تسعى المسيحية في أن تجعل اللسان موظفاً لخدمة هذه الألفة في تجميع
البشر، بظل وحدةٍ يكون الله سيداً ومدبراً لها، وألسنة الناس فيها ناطقة
بحقائقها. ومن ثمار هذه الألسنة على هذا الصعيد، قدرتها في أن تتحول إلى
ألسنة نظيفة، بعيداً عن شهوة القلب الفارغ من سكنى الله فيه، وقريباً من
سلام النفس. فيصبح اللسان متكلماً من فيض القلب، ومن ملء الروح القدس
المنسكب في العقل، والمعلن بوساطة حركة اللسان الذي يتقدس بوظيفته الجديدة،
التي عبر عنها لوقا الإنجيلي بالآية الأخيرة لسفره: "وكانوا - التلاميذ
- كل حين في الهيكل يسبحون ويباركون الله" (لو53:24), وهكذا لا يبقى
إمكانيةً للسان المسبح والمبارك لله في أن يتحول لمتحدث بكلامٍ بطالٍ
مقرونٍ برذائلٍ يطلقها اللسان المتكلم بالكبرياء والاحتقار لغيره من البشر.
ثامناً: خاتمة
عندما نؤكد في أحاديثنا، بوجوب ضبط اللسان ولجمه حتى أقصى الحدود، لا نكون
متوجهين بحديثنا هذا نحو اللسان، بل نحو محرك اللسان الذي هو القلب، بكل ما
يملأه. فنحن عندما نضبط اللسان نستحسن لغة كلامه حاملين البركة منه. ونكون
في ذات الوقت متجهين نحو محركه، وهو القلب وما يملؤه. ففي الحالة الأولى
حين لا نتمكن من ضبط لساننا، يكون القلب ممتلئاً بالفراغ، وهواء الفراغ هي
الأهواء التي تكون مشحونةً بالرذائل، لأن الشيطان ساكنٌ فيها.
مسكن الشيطان يكون حيث الفراغ، لذا علينا ليس محاربته. فمحاربة الأهواء
الساكنة في فراغ القلب تقيم تحركاً فينا، وليس تبدلاً. فماذا نعمل إذاً؟
الجواب يأتينا من خلال معرفتنا بما ذكرناه عن الحالة الثانية، تلك التي لا
يبقى القلب فيها فارغاً، بل يكون ممتلئاً من نعمة الروح القدس. لذلك ينضح
اللسان بأحاديثه من معطياته.
فمجاهدتنا هي إذاً أن نجعل من القلب الفارغ وعاءاً ممتلئاً من الروح القدس.
لأن القلب هو عاملٌ أساس في استعدادنا الداخلي. ومن طبيعة القلب تكون
أحاسيسنا طيبة ونقية، وهذا ما يجعل اللسان المعبر عنها إما ملتزماً بالصمت،
أو متحدثاً بما ينفع الآخرين، وهو في كل ذلك يكون بعيداً عن المجد الفارغ،
الذي يجعلنا نتوهم بأن حديثنا ذا نفعٍ، لأننا نتباهى متوهمين بمعرفة
الكثير. مع أن هذا الكثير مرتكز على وهم، كله لغوٌ زائد عن اللزوم، أو فيه
مضرةٌ للمستمعين. فالقلب غير المرتكز على حرارة الإيمان والتقوى، هو ما
ينقل منه اللسان ثرثرةً فقط.
ولنأخذ من هذا نصيحةً من صاحب سفر الجامعة: "الثرثار يُبدي حماقةً،
والجاهل يُكثر الكلام" (جا14:10). وهذا ما يدعونا - مع كل بدء لحركة
اللسان الذي به نتكلم - أن نتريث قليلاً، ونفحص أفكارنا جيداً، ليأتي حديث
الفكر ممهوراً بموافقة القلب، الذي هو سيد الكلام كله. فكم من الأحاديث
التي عولجت بهذه الصورة، كان قرار الصمت حيالها أقوى من النطق بالكلام. أما
على العكس من ذلك، فكم من المرات سببت الكلمات ندماً لا جدوى منه. وبحسب
نصيحة القديس أفرام السرياني في قوله: (من يُكثر أقواله يُكثر لنفسه
الخصومات والبغضاء. أما الذي يُحِب فهو ذاك الذي يحفظ فمه).
لذا نرى لزاماً علينا أن نمدح الصمت، لا لكلام يريده الله حاشا "فويلٌ
لي إن لم أبشر" (1كو16:9)، إنما الصمت المقدس هو ذاك الذي قال عنه
القديس اسحق السرياني: (إن جعلت كل أعمال النسك في كفة، وجعلت الصمت في
الأخرى لرجّحت الأخيرة على الأولى). يقول هذا لأنه يؤكد في موضعٍ آخر
قوله: (الصمت سر الدهر الآتي، أما الكلام فهو وسيلةٌ لهذا العالم).
وحتى الصمت فإن لم تستعمله بصورته الصحيحة يصير كمثل لغو اللسان، وغير
مبارك فيه. لذا ينبهنا القديس اسحق السرياني أيضاً بقوله: (قد يصمت
المرء من أجل مجدٍ بشري، أو طمعاً في فضيلة السكوت، أو أنه يصمت ليشترك مع
الله في قلبه بالخفاء).
أتساءل على صعيدٍ آخر، هل هناك لغةٌ تنطلق من اللسان ويسمعها الآخرون، وهي
غير الكلام، ونحن بحاجةٍ إلى توضيحها؟ أقول نعم!! هناك ما هو مهمٌ جداً
ويجب ضبط اللسان فيه، ويأتي الضحك على رأسه مقروناً ببعض النصح، استقيها
لكم من القديس الذهبي الفم الذي يقول لنا: (من أجل أننا لا نتحفظ من
الزلات الصغار، فإننا نقع في الكبار، فمثلاً: ضحك إنسان في وقت غير الضحك،
فجر غيره إلى الضحك. أيضاً: ما هو الضحك؟ وما هي مضرته؟ حينئذٍ تبدأ مخافة
الله في أن تنقطع، ويتولد من الضحك المزاح، ومن المزاح الأقوال القبيحة،
ومن هذه تكون الأفعال المزمومة. فالعدو المخادع يُسهل علينا الزلات الصغار،
ومنها يولجنا إلى الخطايا الكبار ومن هنا يقودنا إلى اليأس. من هنا ينبغي
لنا ألا نتهاون في الصغار حيث يكمن العدو فيها، ومنها يجرنا إلى الكبار.
لأن ربنا قد حذرنا من الصغائر، إذ أنه ما وقف عند حد قوله "لا تقتل" فحسب،
بل قال أيضاً: "لا تغضب"، وانتهى إلى منعنا من مخاطبة أحدٌ لأخيه بكلمة
"امتهان" وما وقف عند حد قوله "لا تزنِ" لكن حذرنا من النظر إلى امرأةٍ
بشهوة، وأعطى الويل للضاحكين. وأضاف الرب بقوله: "إن كلَّ كلمةٍ بطالة
يقولها الإنسان سوف يعطي عنها جواباً". فإذا عرفنا ذلك، فسبيلنا إذاً أن
نحفظ أنفسنا من المخاطر، فلا نسقط سريعاً). |