رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

............... ديرا القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا...............صدر حديثاً كتاب جديد بعنوان: "بطرس الرسول شعلة حب" ترجمة ومنشورات ديرا القديس جاورجيوس والشيروبيم صيدنايا.........

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

حديث الأسبوع (22 آذار)

                                                                                                                                                                                                                               محاضرة للكهنة

الدار البطريركية، 13-3-2015

الكاهن من خلال رعايته
يرعى نفسه وبها يرعى رعيته

أولاً: مقدمة
تعلن الكنيسة ملكوت الله إلى العالم. فكل عضو في الكنيسة هو منها بقدر ما يحيا حياة الكنيسة حقيقة. فالالتزام في الكنيسة لا يقود إلى عضويتها، إلا إذا حُوّل هذا الالتزام إلى حياة. وكل عضو كنسيّ يحيا حياته الكنسية بالقدر الذي يستطيعه. والاستطاعة مرتبطة بعون الروح القدس للشخص المجاهِد. وهكذا الكاهن أيضاً يحيا التزامه الكنسي بحسب استطاعته المبنية على جهاده بسعيه إلى خلاص نفسه، ليلتفت إلى رعيته. وبقدر حصوله على هذا الخلاص يكون ظافراً بمساعدة الرعية لتخْلُص بدورها عن طريق كرازته لها متذكراً دوماً أن الكرازة هي من طبيعة الكنيسة فلا كنيسة من دون كرازة كما نقرأ في مطلع إنجيل مرقص: "اقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر15:1) وكذلك في نهاية إنجيلي متى ولوقا.
هذا الانتماء الحياتي للكاهن، وهذه البشارة الرعائية له تحدد موقعه من الكنيسة بأن نكون أعضاء حقيقيين لها أو لا نكون. فالحياة في المسيح هي الأساس الذي يحقّقه الكاهن لنفسه وينقله لرعيته بقدوته وإرشاده. وهذا يقودنا إلى أهمية الليتورجيا وعيشها بالنسبة للكاهن ووصولها بصورة صحيحة من خلال معرفتنا لها في حياة الرعية، ليَصِلوا مع كاهنهم إلى تكوين الجسد الواحد بالتماس مع الرأس الذي هو المسيح، لهذه الكنيسة الواحدة، الجامعة المقدسة والرسولية.
هكذا يتحقق الهدف والغاية من وجود الكاهن ووجود الجماعة مشكلين معاً: الكهنوت الملوكي الذي يشعر خلاله الجميع بوحدتهم وبمسؤوليتهم وبإدراكهم أن الكهنوت الواحد يكون فيه الأسقف ممثلاً لسلطة المسيح والكنيسة، بمعنى أنها ليست سلطة شخصية، بل تنبع من سلطة يسوع المسيح. فالقديس أغناطيوس الأنطاكي المتوشّح بالله يوضح هذا الدور بقوله: (في الكنيسة لا شيء يقوم من دون الأسقف). أما الكاهن كما يعبّر الأب الكسندر شميمن: (هو ممثل الأسقف وسلطته في الرعية). وهذا يعني أن توجيهات الأسقف لكهنته هي التي يعمل بموجبها الكهنة.
لن أتحدّث عن أنّ الناس أجمعين يشكّلون أعضاء جسد واحد، وأن البشرية جمعاء هي جسد المسيح الإله المتجسّد لخلاص العالم. وأن الكنيسة هي المكان التاريخي والروحي حيث تعي البشرية كيانها الحقيقي ودعوتها للوحدة والمحبة، وأمور أخرى كثيرة متعلّقة بهذا السياق الذي نحن فيه.
يكفي القول: إن عشنا حياة الكنيسة هذه بالتزام معاش حياتياً من الكهنة والرعايا، نصل كلنا إلى هذه المعرفة التي تكتمل عبر مسيرتنا مع المسيح في دربه لنصل إلى قيامته المقدسة وننال الخلاص المنتظر، بصيرورتنا أبناء الملكوت.

ثانياً: مَن أنت أيها الكاهن؟ 
يوضح الذهبي الفم بكلمة صغيرة قائلاً: (إن أعظم هدية أعطاها الله لبني البشر بعد ابنه هي الكهنوت). إذن الكاهن هو هدية الله للإنسان.
من جهة ثانية فإن للكهنوت علاقة بوحدة الكنيسة. فهل يا ترى العقيدة هي التي تحافظ على وحدة الكنيسة بحسب قول العديد من الآباء؟ أم أنها الأسقفية والشراكة بين الأساقفة هما اللتان تحافظان على هذه الوحدة. ثم أن لا مناص من القول بالاتفاق الحاصل على أن الروح القدس هو الذي يحافظ على وحدة الكنيسة. أمام هذه الاتفاقات المقبولة يفاجئنا القديس كبريانوس القرطاجي في القرن الثالث بقول يعتبره أهم من هذه الاتفاقات كلها وهو: (الكنيسة هي جامعة وواحدة وليست منقسمة ولا مجزّأة، هي متماسكة ومترابطة بحق، بسبب التصاق كهنتها بعضهم ببعض).
فالكهنة يفعلون ما تحلم به الملائكة الذين لا جسد لهم، ويرتجفون أمام هذا الفعل، لأن الكهنة لهم الحق بالقول: نحن نمسك المسيح بأيدينا، بينما يرتجف الملائكة عند حضور الله. الملائكة - كما تظهرهم الأيقونة - يغطّون أيديهم، بينما نحن نمسك المسيح بأيدينا.
ولنتذكّر كيف أن التقليد الأنطاكي كان في السابق عند سيامة كاهن جديد لا يُعطى الحَمَل على صينية، إنما يوضع مباشرة بين يدي الكاهن ليصبح الكاهن نفسه صينية. فالكاهن يتعايش بدءاً مع أول يوم لسيامته ملتصقاً بالمسيح على هذه الصورة التي يرى فيها المسيح حقاً عند كل قداس يقيمه. وهذا إنْ حصل بحق فهو كاف لتجدده الدائم مع اتحاده الفعلي بيسوع.
وهذا ما جعل أحد القديسين المعاصرين يناشد الكاهن بقوله: (يا خادم المذبح، أنت تمثل الإيمان والكنيسة، أنت تمثّل المسيح نفسه. عليك أن تكون مثال الوداعة والشجاعة والطهارة والصبر والثبات. أنت تقوم بعمل الله، فيجب ألا تكون مستعبداً لأحد ولا تترفّع على أحد. واعتبر عملك أسمى من كل أعمال البشر).
ولنجاح عمل الكاهن هذا عليه السعي ليصل لأن يكون عديم الأهواء ساعياً لاقتناء المحبة الإلهية. وأن يمتلك بداخله (القلب النقي) ليصير به غريباً عن كل انجذاب أرضي. ومقابل هذه الغربة عليه أن يشدد ليصير إناءً للمحبة الإلهية بكونها محبة مقدّسة، وتقوى حرارتها لتصير محبة ملتهبة تجاه الجنس البشري، فكم بالحري تجاه إخوته الكهنة ورعيته التي يستميت ليصيّرها رعية الله وخراف المسيح.
أذكر أنني في مطلع كهنوتي أرشدني أبي الروحي إلى قاعدة أساسية عليها أن ترافق حياتي لعمري كله تتلخّص بأنه على الكاهن أن يرعى ذاته قبل رعايته للآخرين. وأهم بنودها أنه على الكاهن أن يبرمج كل يوم سابق للقداس الإلهي وخاصة أمسيته قبل قداس اليوم التالي ويبقى يوم السبت هو المميّز بطعامه القليل وتأملات ساعاته بحسب إنجيل ورسالة ومناسبة اليوم التالي، أي الأحد، مزيلاً من جسده ثقله ومن شخصه كثافته ليبقى شفافاً متميزاً به عن باقي أيام الأسبوع. وأضاف أن يسعى هذا الكاهن في المحافظة على نقاوة باقي الأيام بذات الشفافية. فتأتي رعايته مقرونة بنقاوة صلاته وعظته.
وبقدر ما يعلّم نفسه في خلوة ما قبل الأحد من كل أسبوع - حتى ولو اضطُر ألا يكون منشغلاً بعد ظهر ذلك اليوم عن إرشاد الآخرين - فإن هذا التقصير الظاهري هو عطاء وإرشاد وتعليم ورعاية يُقطف ثمارها أضعافاً مضاعفةً لاحقاً.
فالكاهن بحسب الدراسات المعاصرة مطلوب منه الكثير. ولكي يكون معلماً وراعياً يجب أن يستخدم جهوده الرعائية المختلفة لكي يعمّق الإيمان القويم في قلوب المؤمنين من خلال: 
- المجاهرة بالإيمان وتقوية الممارسة. - الوعظ - الزيارات الرعائية بتعددية أنواعها. - الإرشاد الروحي.
- الحلقات الكتابية. – وأخيراً تقوية برنامجه الروحي الخاص من صلاة وقراءة وتأمل في كلمات الإنجيل خاصةً.

ثالثاً: الأساس في نجاح الكاهن برعايته
وهنا أود أن أستهل هذه الفقرة بمقطع صغير للرسول بطرس بقوله: "الذي إذ تأتون إليه حجراً حياً مرفوضاً من الناس ولكن مختار من الله كريم، كونوا أنتم أيضاً مبنيين كحجارة حية بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط4:2-5) وأتبع كلامه بمقطع صغير آخر للقديس يوحنا كرنستادت: (حين نزل الرب من السماء ليخلّص البشرية لم يعظ بكلمة الله فقط في الهيكل والمجامع، لكنه كان يجول المدن والقرى، لم يتجنّب أحداً. كان يزور منازل الجميع وفوق الكل أولئك الذين كان يسبق ويرى توبتهم. لم يبقَ جالساً في مكانه، لكنه كان يعبر إلى الجميع متكلماً معهم بمحبة). ونختم الأقوال بما تركه لنا أفراهات: (الكاهن يعتني جيداً بقطيعه، يُحضر البعيدين، ويُعيد الشاردين، ويزور المرضى، ويُشدِّد الضعفاء، ويُعزّي المنسحقين ويحفظ الأقوياء، ويعطي نفسه لأجل القطيع).
نحن الكهنة الذين نعرف هذه الكلمات وقد تكون مَرَّت علينا بمناسبات وقراءات عديدة، وكأن شيئاً ما ينقصها لتصل إلى حيز التنفيذ. وهذا الأمر مرتبط بجدية الكاهن لرفضه محبتين اثنتين يخرجهما عن محبته الرعائية وهما: محبة العالم المرتبطة بقول السيد المسيح: "أنتم من هذا العالم، ولست من هذا العالم" (يو23:8) والثانية محبة الذات التي قال عنها المسيح أثناء دعوته لنتبعه مشدداً على "نكران الذات" (مت24:16) لأن محبة الذات مدمّرة لصاحبها، فكم بالحري إذا كان هذا الإنسان كاهناً وراعياً.
فالكاهن هنا مدعوٌ لقبول الصراع المبني على هذين الرفضين ليحقّق بانتصاره تحوّلاً خلال مسيرته الداخلية، ليصل متبنياً وصية المسيح الأساسية في: "محبته لله من كل قلبه وفكره ونفسه، وأيضاً محبة قريبه كنفسه" (راجع متى37:22-39) علينا بأن لا ننسى أن السقوط الذي جرى لآدم أتى من محبة الذات، فوصل إلى محبة العالم وشهوته. ويوضح القديس إسحق السرياني بأنه (علينا التحرّر من التفكير والسلوك بحسب الجسد للوصول إلى خروج الإنسان من العالم، وتحويله من جديد إلى فردوس يحكمه الله).
الكاهن إنسان مكافح ومجاهد، وما معرفة صحة هذا الجهاد إلا بإتمام دور الراعي للوصول إلى مقولة مرتبطة بالحقيقة الأساسية وهي: (أن محبة الذات تلغي محبة الله. والعكس صحيح: إنه إذا انتفت محبة الذات تكتمل محبة الله). ولنتذكّر أقوال الآباء التي تُظهِر (أن محبة الذات هي أم كل الأهواء) لدرجة أن أحدهم قال: (ما من شر أعظم من شر محبة الذات).
إضافة لما ذكرناه فإن محبة الذات أصل كل الصعوبات والمشاكل التي يواجهها الكاهن في رعيته، لأنها تقود من جهة إلى اللامبالاة الروحية، ومن جهة ثانية تصير أفكار الإنسان الشخصية وأهواؤه هي معيار فهمه وتقبّله للحقيقة.
وكما كانت الرعايا قديماً تواجه العواصف التي تعصف بالكنيسة وهي كثيرة، نجدها أيضاً في عالمنا تهزُّ بنا وتؤذينا وتقودنا للخسارة والضياع إن لم نعرف كيف نواجهها. لذا بإمكاننا العودة إلى القرن الخامس مع الذهبي الفم لنسمع تحذيراته كما أوردها في كتابه (في الكهنوت) يقول: (لا يكفي أن يكون الكاهن طاهراً، بل يجب أن يكون مجهّزاً ببصيرة نافذة، وأن يكون قد اكتسب خبرة واسعة جداً. يجب أن يعرف شؤون الحياة جيداً، وأن يكون في الوقت عينه متعرّياً عن العالم أكثر من الرهبان الذين يقطنون الجبال).
وترتكز مسؤولية الرعاية هذه على المحبة وتكتمل بوعيٍ آخر للكاهن وهو أنه أب، وأبوّته متحقّقة بالقدر الذي تتعامل فيه الجماعة المؤمنة أو الرعية معه كأب حقيقي؛ ويُكتشف الكاهن أنه أب بتفعيله لدور النعمة الإلهية فيه والتي من خلالها يلد (أبناء في المسيح) على مثال بولس الرسول "لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح لكن ليس آباء كثيرون لأني أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل. فاطلب إليكم أن تكونوا متمثلين بي" (1كو15:4-16). فالكاهن برعايته الناجحة يعي أيضاً مسؤوليته في الرعاية، ليس فقط بكونها مسؤولية أمام الله، بل أكثر من هذا بحيث يأخذ هو دور الله لدى مصداقية تحقيقه للولادة الروحية في عمله الكنسي. وهنا تبطل المفارقة التي وردت بقول المسيح: "لا تدعوا لكم أباً على الأرض لأن أباكم واحد في السماوات، ولا تدعوا معلّمين لأن معلمكم واحد هو المسيح" (متى9:23-10) لأنه كما أن بولس رائدنا في الأبوة فإن توصيف يسوع لنيقوديموس ليكون (معلم إسرائيل) (يو10:3) هكذا أيضاً الكاهن هو معلم عندما يصير كنيقوديموس الجديد أما في المسيح معلماً.
ومع كل رباط زواج، ومعمودية، يلد فيها الكاهن ابناً للنور. ومع كل صلاة حلّ لخطايا اعتراف، يتبعه، وتوبة، يتعمّق في داخله إحساس صادق بأبوته الروحية تجاه جميع هؤلاء، فيصيرون كلهم مع أهل بيوتهم، خاصته.

رابعاً: الرعاية
لا شيء ينوب في الرعاية عن اللقاء الشخصي بين الراعي وأبناء رعيته، خاصة أثناء زيارته لمنازلهم ومعرفة حاجاتهم وتجاربهم وصعوباتهم حيث يترتّب عليه تعزية قلوبهم وبعث الرجاء في نفوسهم، لأن قاعدة الكاهن في عمله الرعائي هي (خدمة أنفس البشر).
لذا فإن الكاهن يتشبّه بالمسيح عندما يقف على باب رعيته يقرع دور قلوبهم مع قرعه أبواب منازلهم ليدخل إليها عندما يدخل غرفهم. فهو يهتم خلال زياراته ليس فقط بالأصحاء بل بالمرضى والحزانى والمسنين وخاصة أطفال هذه الأُسر.
على كل زيارة أن تحمل لوناً من ألوان البشارة. عندما يدخل الكاهن لا يكون وحده، بل المسيح معه. أما عندما يخرج من البيت، فيخرج وحده لأن المسيح بقي في المنزل مع الأسرة.
من جهة ثانية فإن تقييم زيارات الكهنة لأبناء الرعية تُبنى على مقدار ما يبقى من تأثير كلمات الزيارة على كل شخص قابله في زيارته هذه. فالكلمة الـمحكية عليها أن تتجسد عندهم، فتصبح محمّلة بعنصر التشويق لذا يترقبون الزيارة التالية بفارغ الصبر. هذا يدل على فرادة أحاديث الكاهن، فالعالم أُشبع بأحاديث السياسة والمال ومغريات المجتمع، وأنفسهم الداخلية تتوق لسماع كلمات الروح عن الله والمسيح، وعن القديسين والقديسات.
كلنا يعرف بوجود حاجز بين الراعي والرعية، وهذا ليس من باب التقصير فقط، بل بسبب قلة الكهنة نسبة لعدد الرعايا لذا فالكاهن يسعى لينوب عن أخيه الغائب ساعياً أن يحرّك بزياراته دعوات الشبيبة فيهتم بهذه الشريحة أي بالمؤهَلين منهم ليصبحوا بتكريسهم من تعداد الراعي الصالح.
كل هذا يدعونا لنؤكّد بأن الكاهن يدخل البيوت لا ليأكل ويشرب فقط لكن ليشترك معهم بالحديث بود وإخلاص وعشرة محبة. فيتبادل وإياهم من خلال الإيمان المشترك قطف ثمار نكهات طيبة لا توجد إلا بمثل هذه الجلسات التي تقود لمتابعة تلك الطيبات في الكنيسة على مائدة الرب.
وهكذا يزرع الكاهن الثقة في نفوس الذين يزورهم بأنه أبوهم وكاهنهُم. فتنفتح الرعية من خلال راعيها على الكنيسة وكافة أنشطتها لأن محبة (أبونا) انغرست في نفوسهم. ولا جدال البتة في أن الحياة في المسيح تصير حياتهم والأسرار الكنسية تصير مذاقهم ولغة الإنجيل مع كلمات الروح ينطق بها لسانهم. أما عيونهم فلا تشبع من النظر إلى الأيقونات المقدّسة. ولا يعود من شيء يجذبهم من دهرية هذه الدنيا إلا تذوّقهم لكلمة المسيح عن طريق حياتهم التوبوية بصورة دائمة.
كم وكم من هؤلاء يستبدل انغماسه السابق بحياة الخطيئة ليصبح عوضاً عنها راغباً بالقداسة والكمال.
نعم، إن الزيارات الرعوية هي بيت التغيير لأنفس الرعية حيث بواسطتها يصل كثيرون إلى تذوّق الفرح الذي لا يفارق مَن يمسّه. لا بل يصير هذا الفرح منقاداً بحياة جديدة تقوم على الصلاة والصوم ومثابرة الأحاديث الروحية أينما وُجدت. حتى أن شبكات مواقعهم تتحوّل من قراءات وصور الفساد إلى البحث الدائم في معطيات التجدد بالمسيح. وهنا دور الكاهن القادر على تشغيلهم وخاصةً الشبيبة منهم بالبحث الدائم الذي وصلوا إليه عن طريق هذا التغيّر المقدّس.

خامساً: الكاهن وسر الشكر
قلنا بأن الملائكة تحسد الكاهن لأن على يديه يُصار تحوّل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه الإلهيين بواسطة الروح القدس. من هنا تكون العلاقة حميمة بين الكاهن وسر الافخارستيا لأنه يشترك هو ورعيته بتناول هذا الخبز؛ والمتناوِل يحيا إلى الأبد ويتابع يسوع قوله: "والخبز الذي أنا أعطيه هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم" راجع (يو41:6-51).
لا بد أن يشعر الكاهن عند تقديس القرابين في القداس الإلهي بقشعريرة تنتابه لدى مباركة المسيح للحصول على هذا التحوّل من خلاله، وبعدها ينقل القدسات لرعيته. فالمهم بالأمر لهذه المعاينة هو اكتساب الخبرة المعاشة كمثل تلك التي عاشها الرسل مع يسوع قبل ألفي عام. ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم والكاهن يلتقي الرعية حول الحَمَل المذبوح ويستمدون منه الفرح والابتهاج الروحيين. فلا غرابة إذن بأن الكاهن يقيم القداس بخشوع وورع وهدوء ليؤلِّف مع رعيته وحدة الجماعة بالمسيح القائل: "خذوا كُلوا هذا هو جسدي"، "اشربوا منه كلكم هذا هو دمي الذي للعهد الجديد، والذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا" (متى26:26-28) فالكاهن بسلوكه هذا وبعظاته التوجيهية واجتماعاته التفسيرية يجعل رعيته تُدرك هذه الأقوال وتلك التراتيل المرافقة للقداس الإلهي لأنها تُبعِد عنهم كل ما هو ليس بصالح مع إبعاد وإلغاء كل تشويش وكل إهمال وكل لا مبالاة، لتُنقّى الرعية وتبقى بمشاعر وأحاسيس تجعلهم حقيقة جماعة واحدة بحسب قول المسيح "كونوا واحداً كما أنا والآب واحد" (يو22:17) أي أنهم يصلوا مع الكاهن ليحسوا بكونهم كنيسة مقدسة تهتز لها أفئدتهم إنْ لم نقل أيضاً بأن الكون كله يهتز بجمال وحدتهم هذه.
والذي يحصل بعد كل قداس، أن حياة الكاهن تصبح امتداداً لهذه الذبيحة التي في الكأس الواحد حيث يجتمع هو ورعيته مع المسيح والقديسين. فالكاهن يستنير وتستنير رعيته معه ويشعر الجميع بحقيقة يحافظون عليها وهي أن ذبيحة المسيح هي مركز الصلاة المسيحية وقمتها. وكلما كان استعداد الكاهن خاصة بدءاً من اليوم السابق لقداسه، كلما دخل في عمق العلاقة مع يسوع التي عليه شرح كل معطياتها لرعيته ولو مرة واحدة كل عام، فيصل هو ورعيته إلى التوضيح الذي قدّمه الأب ليف جيله بقوله: (إنكم لا تأتون إلى الكنيسة فقط لتسبحوا الرب، وتصلّوا إليه وتسمعوا كلمته. أنتم تأتون لتّتحدوا صميمياً بآلام ربنا يسوع المسيح).
وكما أن الكاهن لا يستطيع من دون الشعب أن يقيم هذا القداس، كذلك فإن الشعب أيضاً لا يستطيع دون الكاهن إقامة هذا القداس الإلهي. فالكاهن والشعب معاً يشكّلان فريقاً متماسكاً يقود إلى المناولة. وهذا يتم بعد مشاركة هذه المجموعة بتحوّلها إلى إنسان جديد في المسيح وصلت إلى هذا التغيير الجذري بكونها في القداس ماتت مع المسيح وقامت معه.
والآن نعود إلى الكاهن، ولمَ لا؟ نعود إليه لنجده بفضل الافخارستيا قد وصل إلى إمكانية تجديد دائمة لإنسانه الداخلي الذي ينمو ويتقدّس بالنعمة الإلهية. فيتشكّل بفضل هذا نبع نشاطه، وكأن عمله الرعائي يأخذ زاده من تلك الذبيحة عينها. فيستلهم هكذا وضع برامج يلتقي عند تطبيقها بأبناء رعيته التي هي بدورها تلهمه على تطوير عمله الرعائي.
فهل بإمكان الكاهن أن يصل إلى كل هذا، وإلى أمور أخرى كثيرة أيضاً؟ نعم بإمكانه هذا إذا كان سعيه الدائم يعمل ليُحقِّق نقاوة قلب وشفافية نفس مغمورين بشعلة حب مع ابتعاد عن كل حقد وكراهية وكبرياء.
فالكاهن بفضل ممارسة الليتورجيا يحفظ كهنوته مقدّساً، لا لأنه سيُقدِّم حساباً لأبيه السماوي في وقت ما، وهذا أمر سيحصل، بل لأنه صار عاشقاً لمسيحه الذي منه يقتات طعام مائدته الأبدية.

سادساً: الحياة الروحية للكاهن
ينظر الناس إلى الكاهن على أنه (أيقونة الله الحية) فهم بكونهم يقتدون بالمسيح، يسعون للوصول إلى التواضع حسب قوله: "تعلموا مني...فإني وديع ومتواضع القلب" (مت29:11). هذا يعني أنه (ليس من السهل الوصول إلى الفضيلة) لأن الفضيلة صعب تحقيقها كما يقول الذهبي الفم وممارسة تحقيقها أصعب بكثير. فالتواضع أثناء الخدمة يساعد على هذا الإنجاز، خاصة إذا أراد الكاهن أن يعمل محققاً لنفسه وصية المسيح وهي أن يصير (هيكل الله).
وهذه المعطيات هي ما يشكّل حياة الكاهن الروحية. ولكن هذا الأمر قد يقود الكاهن أحياناً إلى الكبرياء والغطرسة والتعالي على الناس. أمام هذا الخطر يَنصح الآباء القديسون بتقييد الكاهن نفسه بحقيقتين تضمنان له متابعة المسيرة بلا خطر وهما: التمسك الدائم بنعمة الله كأساس لكل عمله الرعائي ولكل نموه الروحي، في كل صلاة وكل حديث كأن يخاطب نفسه بالقول الكتابي: "لست أنا الذي أحيا بل المسيح يحيا فيّ" (غلا20:2) والحقيقة الثانية هي أنه كبشر يحمل ضعفاته التي تحتاج منه أن يستبدلها بالقوة الإلهية كمثل قوله: "أستطيع كل شيء بالمسيح الذي يقوّيني" (في13:4) إذن نحن نحمل قوّة رغم ضعفنا. وقد شبّه بولس الرسول الضعف البشري بإنسان ينكسر من كل أحداث الحياة التي تجري معه فقال: "لنا هذا الكنز في أوان خزفية ليكون فضل القوة لله لا منا" (2كو7:4) هذا الوعي بحقيقة الله وحقيقة الإنسان في شخص الكاهن يعلّمه صحة العيش بالتواضع والمحبة والخدمة. فيصير قادراً على تسليم مشيئته لا لذاته بكونها ضعيفة، بل لمشيئة الله القوية بلا حدود. هنا تكمن قوة الكاهن باعترافه بفقره وبعيشه غنى الله ليصير – لا بلا شخصية – إنما بملء حريته كأداة بيد الله، محققاً مقولة أعمال الرسل بعلاقتنا أيضاً بالله الذي "به نحيا ونتحرّك ونوجد" (28:17).
هكذا تظهر للعيان نقاوة الكاهن كأنموذج في حياته وفي تعامله مع إخوته الكهنة ورئاسته الروحية وأبناء رعيته. حينها يصح قول الذهبي الفم: (إن ما من أحد يرى في الكاهن كائناً مخلوقاً من لحم ودم، وجبلة بشرية، بل يريد أن يرى ملاكاً انعتق من كل ضعف بشري).
وبالتأكيد كلما زادت الفضائل عند الكاهن كلما نمت فيه محبة الله والقريب. وهذا ما دعا القديس سمعان اللاهوتي الجديد للقول بضرورة كثرة الفضائل التي يتحلّى بها الراعي ومن أهمها: (أن يكون متجرّداً من ملذات وغنى وأمجاد هذه الحياة، وأن يكون في الوقت ذاته، متواضعاً، بسيطاً، مملوءاً بالرحمة، هادئاً، صبوراً، أميناً، ضابطاً لنفسه، يقظاً، حيوياً وغيوراً، يهتم بكل النفوس الموكلة إليه، ولا يفضل أي أمر في العالم على حبّه لهم).
هذا الكلام يذكّرنا بوصية بولس الرسول إلى تلميذه تيموثاوس: "كن قدوة للمؤمنين في الكلام وفي التصرف وفي المحبة وفي الإيمان والطهارة" (1تيمو12:4) فالكاهن هو انموذج للتجديد الدائم الذي به تصير الكنيسة عروس المسيح بكاهنها ورعيتها. وجدير بنا أن نأخذ كلام القديس باسيليوس الكبير معتبرين أن كلامه يخصنا نحن الكهنة: (إن إصلاح الكنيسة يجب أن يُفهم كتجديد للذهن الذي يتحقق بالروح القدس في كل فرد من أولئك الذين يكمّلون جسد كنيسة المسيح). مثل هذا الكلام يخص الإنسان الروحي، والكاهن هو الأنموذج لهذا الإنسان، والأنموذج هو بحق (أيقونة الله الحية).
وهذا يستدعي نسكاً في حياة الإيمان. وبحسب القديس أفرام السرياني: (الكاهن هو نموذج الحياة النسكية). النسك مرتبط بالجهاد الروحي لذا فإن الكاهن لا شك متيقظ إلى قاعدة أساسية يجمع فيها الرعاية والحياة الروحية الخاصة بحيث أنه لا يسمح الكاهن الرعائي مهما عظم عمله بأن يطغى على حياته الروحية وجهاداته. فكم بالحري أن يكون هناك خطر بأن ينسيه حركة هدوئه الداخلي لأجل تنقية نفسه المعرّضة للاضطراب. من هنا فإن الكاهن لا يهمل قانونه الخاص الشخصي مهما كثرت التزاماته وبالتالي أن يزور أباه الروحي مصدر هنائه وراحته، وإن تباعد المكان والزمان.
فالإنسان مكوّن من جسد وروح لذا يكون جهاده الجسدي بالصلاة والصوم، أما جهاده الروحي فيكون بالتحلّي باليقظة الروحية بحيث يبقى ملتقياً بالمسيح بداخله كل حين.

سابعاً: خاتمة: الكاهن الراعي والتقليد
لما كان كل ما تؤمن به الكنيسة وما تعيشه محفوظاً في تقليدها ومشمولاً بما عبرت عنه عبر العصور من عقيدة وتنظيم كنسي وعبادة وفن منذ العنصرة وحتى يومنا هذا، فإن الكاهن قد تسلّم وبحق هذا التقليد كوديعة تماشياً مع قول بولس الرسول لتيموثاوس: "احفظ الوديعة" (1تيمو2:6) يوم شرطونيته لكي يتعهد بأن يحفظها إلى اليوم الأخير وتكون مادتها لغة لقاءاته بأبناء رعيته وأهم ما فيها هي المسيح ذاته بجسده ودمه ليعيشه بكونه أيضاً تسليماً إلهياً. وقد عبّر عنه بولس الرسول بقوله: "فإني قد سلّمت إليكم أولاً ما قد تسلّمته" (1كور3:15) وهكذا يصير التقليد المقدس، بالنسبة إلى الكنيسة، هو باب الحظيرة الذي منه يدخل ويخرج الراعي الحقيقي، وكل مَن لا يدخل من هذا الباب هو سارق ولص.
فالكاهن الحق لا يهمل هذه الوديعة ولا يسمح لأحد بمسّها أو إهمالها أو الاستهتار بها. وهذا يدعوه لمحاربة البدع والهرطقات التي تُشكِّل وجودها من قلّة اكتراثها بالتقليد الذي بموجبه يفقد رعاياه لوجود ذئاب خاطفة تدخل إلى الرعية من خارج الكنيسة وليس من بابها.
فالكاهن هو الحارس الأمين الصادق الذي يحافظ على رعيته بتمسكه بصحة التعليم القائم على قدسية التقليد. فالتقليد في كنيستنا مساوٍ للكتاب المقدس لدرجة أن الأب صفروني يقول: (الكتاب المقدس ليس أعمق ولا أكثر أهمية من التقليد المقدس، إنما هو أحد أشكاله، وهو الشكل الأثمن).
فالتقليد أو التسليم وحده قادر أن يحفظ الكنيسة ومؤمنيها وكهنتها في الحق الذي بالمسيح.
لذا علينا نحن الكهنة أن نراقب كل تعليمنا ونفحصه في ضوء التقليد.

أرشيف

وعظة الأحد

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا