حديث الأسبوع (19 آذار)

حياة يسوع الخفية والبشارية، وارتباطها بالصوم

محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

في صالون القديس جاورجيوس للمناسبات

في صيدنايا 19 آذار 2017

أولاً: مقدمة: يسوع التاريخ والإيمان

أتى يسوع إلينا، والتقينا به عبر مسيرة تاريخية واقعية مصدرها يكمن في فهمنا للتاريخ الحقيقي الذي هو الحوار ما بين الله والإنسان في علاقة حرة.

وبحسب الكتاب المقدس يبدأ التاريخ الذي يوصلنا إلى يسوع مع إبراهيم (تك1:17-5) أمّا إعلان الله للشيطان بثوب الحية بحسب قوله: "هو يسحق رأسك، وأنت تلدغين عقبه" (تك15:3) فهو إعلانٌ يرتبط بالإيمان. بعدها أدخل الله في حياة إبراهيم تغييراً جذرياً، فأصبح ذا شخصية فريدة، ألقى الله على عاتقها مسؤولية مصيرية. فالخروج الدائم الذي اتصف به إبراهيم، يكمن بداخله بزوغ مجيء المخلص. فيسوع المسيح هو حصيلة هذه المسيرة التاريخية الطويلة وانفتاحها المطلق على الله. لأن يسوع المسيح هو (العمانوئيل = الله معنا)، مقروناً باسم أرضي أخذه من (يوسف) وهو (يسوع). والذي تحقّق بفضل قبول العذراء لرسالة الله بأن رضيت بوضع جسدها تحت طاعة الروح القدس. فوُلد يسوع ليكون هبة من الله أبيه، ومن بشرية أمه من أجل خلاص العالم.

إن يسوع الإنسان قد تكوَّن بالروح في تربة مريم الترابية، فاتَّخذ على عاتقه حقيقة تاريخنا البشري، لأنه (الله معنا). وبما أنه (الله معنا) فهو يجيب بشكل كامل على الصوت الإلهي المدوّي في قلب الإنسان. وعلى هذه الصورة تتبلور رسالة يسوع إلينا.

فيسوع هو يسوع التاريخ في مسيرة التاريخ المنتهي مع مريم ويوسف في الناصرة التي تربّى فيها بعد ميلاده في بيت لحم وعودته من مصر ليبقى فيها لبدء رسالته البشارية،أي لعمر الثلاثين عاماً. ولكن يسوع هو أيضاً يسوع الإيمان لأن أخبار القصد الإلهي المدوّن في الكتاب المقدس والذي يتحدث عن مجيء المخلص بدءاً من ولادته هو مرشدنا أيضاً إلى يسوع الذي هو عمانوئيل. فصوت الأنبياء وأسفار العهد القديم مليئة بنبوءات تخص الميلاد وأيضاً بشارة يسوع. ونحن نؤمن بمصداقيتها. فإنجيل يسوع يحوي مسارين اثنين الإيمان أي تحقيق مقاصد الله التي أعلنها عبر الأنبياء والتي تؤمن بها لأنها من الله آتية وليس من التعليم الهندوسي. وقسم المسار الثاني الذي هو الإنجيل والتقليد وبهما أخبار وجود يسوع على الأرض في فلسطين وليس هناكأي مكان آخر غيره.

ثانياً:السنوات المجهولة من حياة يسوع

لقد تحدّث الكتاب المقدس عن طفولة يسوع في إنجيلَيْ متى ولوقا نقلاً عن "السيدة العذراء التي كانت تحفظ جميع هذا الكلامّ متفكرة به في قلبها" (لو19:2). هي - أي العذراء - التي أعلن الله عنها لأشعياء النبي قبل سبعمائة عام للميلاد بقوله: "ها إن العذراء تحمل فتلد ابناً يسمونه عمانوئيل أي الله معنا" (متى23:1). وبعد الولادة وبسبب السعي لقتل المولود: "تراءى ملاك الرب ليوسف في الحلم وقال له: قم فخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر وأقم هناك حتى أعلمك" (متى13:2). ثم عاد الملاك وأعلمه بالعودة. "وجاء مدينة يُقال لها الناصرة فسكن فيها، ليتم ما قيل على لسان الأنبياء: إنه يدعى ناصرياً" (متى23:2). وكان يذهب إلى الحج في أورشليم كل عام مع والديه، ويذكر لنا لوقا الإنجيلي الرحلة التي كان عمره فيها اثنتي عشرة سنة:"ولدى رجوعهم وبعد مسيرة يوم، كان والداه يطلبانه بين الأقارب والمعارف. ولما لم يجداه رجعا إلى أورشليم يطلبانه. وبعد ثلاثة أيام وجداه في الهيكل جالساً في وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم. وكل الذين سمعوه بُهتوا من فهمه وأجوبته.فلما أبصراه اندهشا وقالت له أمه: يا بني لماذا فعلت بنا هكذا؟ هوذا أبوك وأنا كنا نطلبانك. فقال لهما لماذا كنتما تطلبانني، ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون فيما لأبي؟ فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما!! ثم نزل معهما إلى الناصرة، وكان خاضعاً لهما" (لو41:2-51).

ومن الكتاب المقدس لا نعود نعرف شيئاً عن الفترة السابقة لبشارته، تلك التي يقول لوقا الإنجيلي عنها: "ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة" (لو23:3).

هذا المجهول هو الذي دفع بالكثيرين أن يتساءلوا: أين قضى المسيح هذه الفترة من عمره.

يقول التعليم المسيحي: لقد أمضى يسوع هذه الفترة الغامضة في الناصرة وبقي فيها لحين خروجه العلني. "وكان - خلالها - يتسامى في الحكمة والقامة والحظوة عند الله والناس" (لو52:2).

 ثالثاً: المسيح في الهند

مع مجيء السنوات الأخيرة للقرن التاسع عشر، ظهر كاتب روسي اسمه نقولا نوتوفيتش، وفاجأ العالم بادّعاء من خلال كتابه (حياة المسيح المجهولة سنة 1894) قال فيه: (انه سافر إلى الهند وحلَّ في دير من أديرة البوذيين، وهناك تعلّم اللغة السنسكريتية، وأن رهبان الدير البوذيين، أطلعوه على إنجيل كتبه السيد المسيح بخط يده، حين زار بلادهم وأقام عندهم، واقتبس مبادئهم البوذية. وروى الكاتب أنه نسخ هذا الإنجيل وعاد به إلى أودسا حيث طُبع).

 وأراد أن ينشره باللغة الفرنسية، فذهب إلى باريس وتعرّف على الكاتب الفرنسي الشهير (أرنست رينان) وهو ملحد، وسرد على مسمعه قصة رحلته إلى الهند وعثوره على الإنجيل، ولما طلب منه رينان الإطلاع عليه، أجابه: سَتَراه عند طبعه.

أما فحوى هذا الكتاب فهو الزعم بأن يسوع زار الهند وهو في الثانية عشرة من عمره، وتفقّه بكل تعليم بوذا. ولما عاد إلى بلاد اليهودية أذاع هذه التعاليم على الشعب.

 وما كاد إنجيل نوتوفيتش يظهر في عالم المطبوعات حتى تناوله النقّاد بالدراسة والبحث عن صدقه، وفنّدوا ما جاء فيه، فوجدوها كلها افتراءات وأكاذيب. وخاصة الفيلسوف رينان والعالم فالكي، هذين الباحثين مع كثير غيرهم أثبتوا أن رحلة نوتوفيتش المزعومة إلى الهند ما هي إلا من مبتكرات خياله، وأن حكاية الإنجيل هذه من قبيل الأساطير.

 ومن بين الأسماء الباحثة والناقدة أخص العالم دوغلاس الذي أثبت أن الكاتب نوتوفيتش مُختلق، وأن إنجيله كاذب ولا أثر له في الوجود، حتى أن العالم الألماني الشهير ماكس مولر والمختص بالأديان الهندية وله كتب عديدة فيها، كان قد أقام عدة سنوات في التيبيت في دير لاسا، ذلك الدير الذي ادعى نوتوفيتش أنه وجد فيه إنجيله، فكتب في مجلة القرن التاسع عشر أنه لم يعثر على شيء مما قاله الكاتب الروسي، وكتب إلى رئيس هذا الدير: (كيف أحل بين رهبان ديركم زمناً طويلاً دون أن تطلعوني على ذلك الإنجيل؟) فأجابه رئيس الدير بخطاب جاء فيه: (إننا لم نرَ نوتوفيتش هذا، ولا عرفنا ولا سمعنا به، ولم تطأ رجلاه ديرنا، كما أننا لا نعرف عن الإنجيل الذي ينسبه إلى مكتبتنا شيئاً). فتنكشف أكذوبة الكاتب الروسي نوتوفيتش.

 رابعاً: الرد المسيحي والاستنتاجي لادعاء ذهاب المسيح إلى الهند

+ نستهل الرد بتساؤل نطرحه قائلين: إذا كان المسيح قد كتب هذا الإنجيل، فما الذي دعاه لتركه في الدير، وهو الذي يُعِّدُّ نفسه للتبشير بعهد جديد في اليهودية؟

+ وقد يقول قائل ربما أن رهبان الدير منعوه من أخذه وأبقوه عندهم، فما الذي منع المسيح من كتابة إنجيل مماثل بعد عودته إلى وطنه، فلماذا لم يكتب بيده إنجيلاً مماثلاً كما فعل في الهند؟

          نتابع في تبيان أهم الردود على ما ورد بحسب الآتي:

+ جاء في العهد القديم نبوات واضحة تعلن الكثير من تفاصيل حياة المسيح، ولكن لم تأتِ نبوة قط عن مغادرة المسيح للناصرة أو ذهابه إلى الهند أو أي بلد آخر، سوى مصر التي فيها نبوءة النبي هوشع: "من مصر دعوت ابني" (متى15:2).

+ إضافة لهذا فإن كتب اليهود الأخرى مثل التلمود، جاء فيها أبشع الافتراءات على المسيح وأمه والتلاميذ عامة، إلا أنها لم تُشِر البتة إلى تغيّب المسيح عن فلسطين، ولو كان حدث ذلك فعلاً لذكرته لأنه يخدم أغراضها الهجومية على المسيح.

+ لم يسجّل المؤرخون والكُتّاب الذين ناهضوا الديانة المسيحية، ولا المسيحيون في القرون الأولى، أية إشارة إلى مغادرة المسيح موطنه. وخاصة الإنجيليون ما كان لهم أن يهملوا تسجيل هذا الأمر وهو مهم لو حَدث.

+ نتساءل: هل هناك ما يدعو المسيح إلى أن يسافر إلى الهند؟ هل كانت تعوزه حكمة أم تنقصه معرفة؟ ألم يكن وهو في سن الثانية عشرة موضع دهشة العلماء وحيرتهم؟ لأن: "كل الذين سمعوه بُهتوا من فهمه وأجوبته" (لو47:2).

+ هل كان يحتاج أن يعرف الله من الهنود وفي أورشليم الهيكل وكل معلمي اليهود؟ فهل يحتاج أن يقرأ كتب الهنود ومعه التوراة كتب الله؟

+ أسلوب المسيح في كرازته لا يُظهر أي أثر أجنبي، فلا طريقة الكرازة ولا موضوعها بهما أي أثر بفكر هندي. إنما أسلوب الدعوة أسلوب يهودي، وتعاليم المسيح وأمثاله تظهر في مسحة البيئة والديانة اليهودية.

          في هذه النقطة يقول الأديب الكبير ميخائيل نعيمة: (لو صح ذهاب المسيح إلى الهند لكان لي أولغيري أن يشتم في كرازة المسيح شيئاً من كريشنا وفيتشو أو من بوذا... ولكن المسحة الطاغية في الأناجيل هي عبرية بحتة: شريعة موسى وإبراهيم واسحق ويعقوب وأنبياء إسرائيل وخاصة داود وسليمان والسبت والفصح والهيكل والكهنة والفريسيون والكتبة والعشارون...الخ يبدو أن يسوع تثقف ثقافة عبرية بحتة، وأنه لم يكن له إلمام بأي ثقافة غيرها. إذن فهو لم يبرح أرض فلسطين).

+ إن تفاصيل حياة المسيح كانت معروفة لدى اليهود، وخاصة في الناصرة، حيث عاش الفترة السابقة لكرازته، وقد عرفته الجموع أنه يسوع النبي: "ولما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة: مَن هذا؟ فقالت الجموع: هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل" (متى11:21). والمسيح نفسه نادى مرة وهو يعلّم في الهيكل أمام اليهود: "تعرفونني وتعرفون مَن أنا" (يو28:7) وحين علّم في الناصرة دُهش مواطنوه من تعليمه السامي، فتهامسوا في حيرة: "من أين لهذا هذه الحكمة والقوات، أليس هذا ابن النجار، أليست أمه مريم، وإخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا، أوليست أخواته جميعهن عندنا، فمن أين لهذا هذه كلها؟" (متى54:13-57).

          تدل هذه الخبرة على أن مواطني المسيح كانوا يعرفونه تمام المعرفة لدرجة أنهم يلقّبونه بـ (النجّار) بحسب مرقص في قول أهل الناصرة عنه: "من أين له هذا؟ أما هو النجّار ابن مريم؟" (مر2:5-3) لدرجة أن كُتّاب زمانه مثل القديس يوستينوس الشهيد قال: (إن الرب يسوع كان متخصصاً في عمل المحاريث والأدوات المنزلية، ويُصلح العربات للقرويين). أما كورنيليوس الذي عرفه أيام بشارته حق المعرفة، فلقد كتب بأحد رسائله إلى ديونيسيوس رسالة يقول فيها عن المسيح: (قد شاهدت بعض أدوات الزراعة والفلاحة التي من شغل يديه وهو المحراث والنير فوجدت صنعتها دقيقة ورقيقة...). مما يدل على أن سنيه بعد الطفولة قضاها كنجّار مع أبيه ثم بعد وفاته تابع العمل ليُعيل أمه.

 خامساً: متشابهات هندوسية استيقظت بقوة بعد هذا التزييف لحياة المسيح بالرغم من وجود غيرها منذ بشارة الهند قديماً

          إن القائلين بنظرية ذهاب المسيح إلى الهند واقتباسه من تعاليمهم،يستندون على أن هناك تشابهاً بين أديان الهند والمسيحية.

          نستهلّ ردّنا بتصريح للمفكر الدكتور عزت زكي الذي - باحترام زائد - يقول: (إن العقليات السطحية ترى مشابهات بين المسيح وبين مؤسس الإمبراطوريات وآلهة الديانات، ولكن هذه المشابهات لا وجود لها على الإطلاق، لأن يسوع يعلو عليها جميعاً علو الأبدية على الزمن. إن يسوع المسيح يشترك مع غيره في بعض أوجه الحق، ولكن فيه يظهر الحق في وحدة متكاملة بينما في غيره من الحكماء يبدو الحق في صورة مهتزة محطّمة).

          إذن هناك في بعض الكتب الهندوسية متشابهات تتعلق بالإنجيل حول حياة المسيح وتعليمه. وتبين من خلال الدارسين أن معظمها جاء في كتب الهند المتأخرة، أي بعد وصول البشارة المسيحية إلى الهند، فحصل اقتباسات وأفكار نقلت إلى الكتب الهندوسية بتصرف مع ما تحمله روح الهند من قبول.

          وقد حدث خلال القرن الثامن عشر أن ضابطاً إنكليزياً الليفتانت ويلفورد يعمل في شركة الهند الشرقية، قرر منح مكافأة مالية لمن يدله على روايات الكتب السنسكريتية الخاصة بالديانة الهندوسية أو البراهيمية تشبه الروايات الإنجيلية. وبعد مدة حضر إليه كثيرون من كهنة الهند وفقهائهم ومعهم مخطوطات باللغة السنسكريتية حاوية لقصص هندية خاصة بالإله كرشنا تشبه الروايات الإنجيلية تماماً، وتكاثر عدد الروايات المتشابهة لقصص البشائر.

          فاهتز العلماء، وكاد بعضهم يقبل صحة تلك الروايات، ولكن مغالاة أولئك الهنود حملت الخبراء على فحص تلك الروايات، فظهر لهم أنها مزيفة تزييفاً متقناً لغرض واحد وهو الحصول على المكافآت المالية، فنتج عن ذلك فضيحة شائنة، واعترف الضابط أنه كان أضحوكة وفريسة قوم نصابين لا ضمير لهم.

          فإذا كانت هذه المزيفات من الكتب قد كتبت في القرن الثامن عشر، فإن العلماء كشفوا عن وجود كتب غيرها كُتبت لأسباب أخرى بدءاً من القرن السابع عشر. وهنالك رأي للدكتور بارنت مدير القسم الهندي بالمتحف البريطاني يقول فيه: (يبدو لنا أن الأساطير الهندية في حياة المعبود كرشنا المشابهة لحياة المسيح، مأخوذة من المصادر المسيحية المنحطة (أعني أناجيل الأبوكريفا غير القانونية) التي كانت منتشرة في الكنيسة المسيحية في ملبار في الهند.

          ومن المضحك في الأمر أن بعض أولئك المزيفين وقع في فخ دون أن يدري. فإنهم في تقليدهم لقصة ذهاب يوسف ومريم ليكتتبا نقلوا عن الترجمة الانكليزية القديمة كلمة (ليكتتبا) مترجمة بكلمة (TAXED) وهذا خطأ الإنكليزية تم تصحيحه من مترجمي النسخة الإنكليزية. فأين المشكلة الآن مع الهنود؟ المشكلة أن المخطوط المزيف هو حديث العهد حينها وبقيت كلمة Taxed بمعنى الضريبة بما يعني أنهما أي يوسف ومريم سافرا ليدفعا الضريبة لا ليُكتتبا. فانكشف تاريخ التزوير.

          وهكذا أثبت العلماء أنه لا يوجد تشابه يخالف الحقيقة، لأن الواقع هو أن الهندوسية المتأخرة هي التي أخذت من المسيحية، وأن تلك المشابهات وُضعت بعد الإنجيل بأجيال كثيرة. هذا ما أثبته العلماء بالإجماع.

          ومع ذلك فإنه قد يوجد بعض التشابه بين الأديان كافة، كما في الفكر الإنساني وغيره، فإننا قد نجد تشابهاً طفيفاً بين فكرٍ وآخر. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن هنالك نقلاً أقامه المسيح للأديان الشرقية. ونختم هذه الفقرة بهذا الرأي للدكتور فيليب حتي يقول فيه: (وإذا كان لبعض حوادث حياة المسيح أو تعاليمه ما يشبهها في التراث الديني لبلاد الشرق القديم، فإن الإنسان لا يستطيع أن يجد في أي مكان آخر مثل هذه الخلاصة المحكمة من الأفكار النبيلة، وهذا التأكيد على المثل السامية، كما أنه ليس باستطاعة أحد أن يكتشف في أي زمن شخصاً طبّق ما علّمه بمثل هذه الصورة التامة).

          كان أساس هذه الرسالة الجديدة المحبة، محبة الله ومحبة الإنسان، والمحبة الواحدة تفرض الأخرى، والله نفسه محبة. ولم تُعلِّق أية عقيدة بأن هناك إلهاً فادياً يهتم بأحطّ أفراد الجنس البشري، كما لم تكن لأية منها رسالة حيوية تتوجه للفقير والمنبوذ، وللعشار والخاطئ. وقلّما أثّرت أية ديانة وثنية على الدوافع الداخلية للسلوك والحياة. فقد كانت كلها تهتم بصورة رئيسة بالطقوس التي لم توجِد أي منها مثل ذلك الارتباط الفعّال بين الدين والأخلاق، أو تخصص مثل ذلك الاهتمام للحياة الثانية كما فعلت المسيحية.

 سادساً: خلاصة ما قدّمناه مقروناً بالموقف المسيحي

          إن المسيح لم يغادر الناصرة في الفترة ما بين الثانية عشرة من عمره والثلاثين. ففي الناصرة بشّر الملاك مريم العذراء بأنها ستكون أم المسيح (لو26:1-27) ومن ثم بعد العودة من مصر رجع المسيح مع يوسف ومريم إلى الناصرة (متى23:2) ومن الناصرة كان يزور مع يوسف ومريم أورشليم في العيد، ولنا من حادثة ضياعه في سن الثانية عشرة تأكيداً على أن الإقامة هي حقاً مستمرة في الناصرة بحسب الإنجيلي متى "ثم نزل معهما، وعاد إلى الناصرة، وكان طائعاً لهما... وكان يسوع يتسامى في الحكمة والقامة والحظوة عندالله والناس" (لو51:2-52). وفي زيارة سابقة للهيكل يوم تطهير مريم وتقدمة الطفل إلى الرب، وبعد اكمال ما تقتضيه شريعة الرب: "رجعوا إلى الجليل إلى مدينتهم الناصرة. وكان الطفل ينمو ويتقوّى ممتلئاً حكمة، وكانت نعمة الله عليه" (لو39:2-40).

          ونحن نعرف أن تربية الأولاد عند اليهود في ذلك الزمان كانت تقضي أن يُقدم الولد بمجرد بلوغه اثنتي عشرة سنة ليأخذ اختباراً يؤهّله ليُقدّم في الهيكل لكي يأخذ لقب (ابن التوراة)، ويدخل كعضو عامل في الشعب. وعليه بعد ذلك أن يحضر ثلاثة أعياد سنوياً في أورشليم (خر22:34-23)[1]. والمسيح بدخوله الهيكل نال بركات التكريس من خلال جلسته الناجحة مع المعلمين.

          نعم هو يبتغي – كما قال –أن يكون"فيما لأبيه"(لو5:2) قال هذا مصححاً لأمه ومعطياً الجواب الإلهي لها بعد قولها: "هوذا أبوك وأنا كنا نطلبك معذبين" (لو39:2). فيسوع الذي هو "كلمة الله" (يو1:1) والذي أوضح لنا بقوله: "ليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن" (متى27:11) وإعلانات كثيرة تؤكّد ارتباطه بالله الآب منذ البشارة مروراً بتنشئته، وحتى بلوغ إعلان رسالته، لا بل حتى قيامته. كل هذا يؤكد أنه مرسَل من الآب ومساوٍ له ويشكلون مع الروح القدس وحدة الثالوث في الجوهر.

          ألم يقل "أنا والآب واحد" (يو30:10) ومن ثم يخاطب أباه بقوله: "العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته" (يو4:17) لأنه سبق وقال: "تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني" (يو166:7). نعم المسيح لم يرتبط بالهندوسية ولا بغيرهابل أتى من عند الله وبقي بالله مرتبطاً لذلك هو بحق ابن الله.وهو أيضاً ابن الناصرة "لذلك يُدعى ناصرياً" (متى23:2) هذا ما قاله الإنجيل، فالإنجيل والتقليد واحدٌوفي كليهما كان يسوع ناصرياً وابن الله بحقٍّ، أما كونه هندوسياً فهو زورٌ وبهتان.

 سابعاً: حاجتنا للصوم لنتغلب على الأفكار الخاطئة

          أتى الصوم وشارفنا على انتهاء نصفه الأول، وبقي الأهم، فلنتابع صومنا الروحي مقروناً بصومنا الجسدي. لذا سنتابع حديثنا حسب مطلبكم عن أهمية الصوم من خلال حياة السيد المسيح.

          بعض الناس ينتظرون فرصة مجيء الصوم ليكون لهم بمثابة (ريجيم) بنظامه المعروف. قد يكون للصوم ثمار وواحدة منها هي نحافة الجسد لقلة الوجبات معالاكتفاء بمواد لا تسبّب السِّمنة لانعدام السمن فيها. فعندما يتحقق مثل هذا الأمر تلقائياً فليبارك الله. المهم ألا تكون نحافة الأجساد، أو الصحة عامةً هي غاية الصوم.

          المسيح صام، ولم يذكر أن الغاية كانت لأجل أمرٍ يتعلق بصحته، بل وهُن وجاع. ثم إن الكتاب المقدس يوصلنا إلى مفهوم إضعاف الجسد، فداوود النبي يقول: "كلّت ركبتاي من الصوم" (مز24:109). فالصوم يضعف الجسد، وبذات الوقت جعلته الكنيسة كأشفية للنفس والجسد معاً.

          إذا لخصنا عمل يسوع الخلاصي نكتشف أنه قد جرّد الصوم من فكرة الحزن والنحيب وقصاص الذات. إنما أعطاه معنىً داخلياً فجعله يرتبط بالفرح والنشوة الروحية، وشفافيةً في النفس لتلجِ إلى أعماق الذات الإلهية في شخص المسيح عن طريق الروح القدس الساكن فينا لنتعلم من يسوع كيف نعيش حياة يسوع المسيح. وسيكون المعبر إليه هو علاقتنا مع الإنسان الآخر. فالمحبة والرأفة والرحمة هم طريق قبولنا من الله بوساطة عطائنا للإنسان الآخر.

نحن في الصوم نقتفي أثر الفضائل لنحياها كما عاشها المسيح باعتباره مثلنا الأعلى الذي حسب تعليمه لنا نسير في درب مسيحيتنا نحو الملكوت لتكون سلّماً لنا نصل بها إلى (المسيح الذي هو جوهر كل الفضائل) كما يقول مكسيموس المعترف.

وسأختار من فضائل المسيح الكثيرة العدد ثلاث فضائل لتكون فاتحة طريق لباقي فضائله حسب ما نستخلصها من الإنجيل الذي هو رفيقنا دائماً وخاصة في فترة الصوم:
+ فضيلة التواضع:

نادراً ما قال يسوع تعلّموا مني كما قالها حول فضيلة التواضع: "تعلموا مني فإني وديع ومتواضع القلب"(متى11: 29). ونحن نبتدئ صومنا بأن نكون متواضعين حقاً يعني غير مستكبرين. ولما كان الروح القدس هو مرشدنا فهو لا يقبلنا إلّا إذا كنا لابسين حلّة التّواضع. ثمّ إن التواضع قوة فحواها المسيح. ونحن بالمسيح وبهذه القوة نتغلّب على ضعفاتنا، يعني نبقى محافظين على ثمار انتصارنا فنبقى فرحين.

يسوع المسيح باتضاعه لبس جسدنا وأتى إلينا ليخلصنا بحيث أنّ"الله ظهر بالجسد"(1تي 3: 16) لأجلنا، وبمزيد من الاتضاع "ائتزر بالمنشفة وغسل أرجلنا"(يو13: 5). ونحن بتواضعنا نصل إلى قدرة الكشف عن حقائق في تتبع أخبار يسوع ومعرفة أن رسالته أتت إلينا من الله في فلسطين وليس من الهندوس في الهند؟!!

+ فضيلة المحبة:

"الله محبة"(1يو4: 8). تميزت حياة المسيح بالمحبة، فلقد أحبّ الجميع، "أحبهم إلى المنتهى"(يو13: 1). علّمنا لا أن نحبّ بعضنا فقط (يو13: 34) بل أيضاً "أن نحبّ أعداءنا"(متى5: 44). بالصوم تتجلّى قدرتنا أكثر على معرفة أن الله محبة، وعلى قدرتنا لمحبة بعضنا البعض. ومع رابطة الحب هذه بيننا وبين المسيح نكتشف مكان مكوثه من خلال معرفتنا بالكتب المقدسة.

+ أما الفضيلة الثالثة التي سأكتفي بذكرها فهي فضيلة الصلاة.

ليس هنالك فضيلة أكثر من فضيلة الصلاة تُكسِب صاحبها القدرة على الشفافية والنفاذ إلى عالم الله واكتشاف اسمه القدوس ومعرفة أنه هو الذي حدّثنا بالكلمة، بابنه عبر كل الدهور، وأنّنا من خلال الابن نصل إلى الخلاص.

صوم بلا صلاة لا وجود له. وقدرة على الانتصار على الشّرّ والخطيئة والشّيطان غير متحقّق بدون الصلاة. ألم يقل المسيح بأن مثل هذا الانتصار يتحقق بفضيلَتَي (الصوم والصلاة) متى17: 21.

وحياة المسيح التي نقتفي أثرها في حديثنا اليوم هي حياة سهر وصلاة مستمرَّين. لدرجة أنّه طلب منّا (أن نصلّي كلّ حين ولا نملّ) لو18: 1. ونحن بالصلاة نكمّل صومنا، ونتحدّث مع المسيح (وجهاً لوجه) - وحينها يمكننا أن نسأله: (هل ذهبت للهند وتعلّمت منهم كيف تخاطبنا؟) ولكنّي أظنّ أنّ الصلاة مع الصوم يفيداننا بالمعرفة الحقيقية لتي بفضلهما مع عمل إيماننا وقراءة الإنجيل بقلوبنا النظيفة، يجعلنا ندرك بالروح وبالمعرفة الكتابية أن المسيح (كان عند الله وأتى إلينا من عنده، ومن ثمّ عاد إليه) هذه هي رحلته المباركة التي تحققت في التاريخ بأرض فلسطين.

فالصوم الحقيقي سهر وصلاة وحوار مع المسيح لا ينقطع. أمّا التقيّد بنظام الطعام فيجعل الجسد الذي هو مسكن الروح القدس مسكناً نقياً يؤهلنا لاستقبال الأقنوم الثالث من الثالوث الأقدس بداخله

 ثامناً: الخاتمة

كان حديثنا اليوم عن شخص يسوع بحسب القول عنه في الكتاب المقدس، خاصة سفر أعمال الرسل بالدلالة التالية: "يسوع هذا" (أع2،1) كتأكيد عن كينونة نفسه في ذاتيته وفرديته الواقعية والشخصية، أي بنفسه وليس آخر غيره. قد عرّف به بطرس بعد إنزال الروح القدس يوم العنصرة، مُحدِّثاً الجموع الغفيرة من الشعب المحتشد عن يسوع مذكِّراً إياهم بمعجزاته وآلامه وموته وقيامته وصعوده إلى السماء وعودته في اليوم الأخير، والدعوة إلى التوبة والعماد. ويختم بقوله: "أنَّ يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم، قد جعله الله رباً ومسيحاً" (أع36:2).

          اسم الإشارة (هذا) هو تأكيد على ما ذكره لوقا في ذات السفر بقوله على لسان الملاكين المتحدثين مع التلاميذ بعد الصعود: "فيسوع هذا الذي رُفع عنكم إلى السماء، سيأتي كما رأيتموه ذاهباً إلى السماء" (أع11:1).

(يسوع هذا) هو: (رب) و(مسيح) و(ابن الله) وهو أيضاً (عمانوئيل = الله معنا) (متى23:1). ولذلك هو: (مخلّص) أي "هو الذي يخلِّص شعبه من خطاياهم" (متى21:1).

          فيسوع هذا الذي أرسله الله ليولدنا بالروح ثانية، وليرشدنا معلماً إيانا لنعرف كيف نعيش كما عاش هو، لأن حياته هي المبتغاة لتصير حياتنا. يسوع هذا هو الذي سنقتفي آثاره ليبقى قدوتنا، كشخصٍ من الناصرة في فلسطين عاش كل هذه الأعوام الثلاثة والثلاثون بكونه يسوع هذا ولا أحد سواه وإقامته الدائمة دعته ليكون ناصري جليلي وأورشليمي.

 

 


 

[1]علماً أن أعياد بني إسرائيل عددها ثمانية وهي: 1- الفصح 2- عيد الفطير 3- عيد الباكورات 4- عيد الخمسين 5- عيد الأبواق 6- يوم الكفارة 7- عيد المظال 8- عيد التجديد.

أرشيف

وعظة الأحد