|
محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي
لرعية كنيسة السيدة في محردة
10-3-2010
دور الروح القدس في حياتنا
أولاً: مقدمة
بالرغم من أن الروح القدس أقنوم قائم بذاته, فهو أيضاً ليس بمنفصل عن الآب
والابن. وهو يكشف عن ذاته في يسوع المسيح. ولكن له طريقته الخاصة في الكشف
عن ذاته, تتماشى مع كونه يظهر في شخصيةٍ مميزة . إلا أننا لا نستطيع أن
نرسم للروح القدس صورةً مميزةً له, على العكس من قدرتنا أن نرسم للابن
والآب ملامح خاصة به.
الاسم الذي يتسمّى به هذا الأقنوم لا يوحي لنا بوجه إنساني, لأن اسمه مقتبس
من ظواهر الطبيعة كالريح والنَفَسْ . وهذا يتمشى مع قول المزمور: "ترسل
روحك فيخلقون وتجدد وجه الأرض" (مز30:104).
وهذه الناحية هي التي تجعل من المتعذر أن نتحكم بالروح, بالرغم من (أننا
نسمع صوته).
ولقد شبه يوحنا الإنجيلي تحرّكه بقوله:
"لا ندري من أين يأتي وإلى
أين يذهب" (يو8:3). وهو عندما يعمل فمن خلالنا كأشخاص. فهو يستحوذ
علينا ويحولنا إلى ما يريد . فعمله يتم من داخل أنفسنا: "تعرفونه لأنه
مقيم معكم وهو فيكم" (يو17:14).
والرموز الأساسية المشيرة إلى الروح القدس هي: الماء والنار والهواء
والريح، وكلها تنتمي إلى عالم الطبيعة, ولا تتضمن ملامح إنسانية مميزة.
إنها في صيغتها التعبيرية تشير بصورةٍ خاصةٍ إلى حضورٍ غامر, وإلى نموٍ لا
يقاوم, متجهاً دوماً نحو العمق. ومع ذلك فإن الروح القدس ليس أكثر أو أقل
إعجازاً من الآب والابن, ولكنه يذكرنا بقوةٍ بأن الله هو السر الذي لا
يدرك, ويحول دون أن ننسى أن "الله روح" (يو24:4). وأن "الرب هو
الروح" (2كو17:3).
ثانياً: الأزمنة الأخيرة، عهد الروح القدس
يتحدث العهد القديم عن الأزمنة الأخيرة التي تدل على مجيء المسيح وتأسيس
الكنيسة. فالنبي يوئيل يتحدث عن فيض الروح القدس فيقول: "ويكون في
الأيام الأخيرة أني اسكب روحي على كل بشرٍ, فيتنبأ بنوكم وبناتكم, ويرى
شبانكم رؤى..." (يوئيل28:2) + (أع7:2). فهذه الأزمنة هي أيامنا نحن.
لأن السيد المسيح بعد صعوده إلى السماء حقق ما سبق ووعد به حسب قوله: "خيرٌ
لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي .... وأما متى جاء ذاك
روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحقّ، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع
يتكلم به، ويخبركم بأمورٍ آتية" (يو7:16+13). هذا الكلام الذي جرى في
(الأزمنة الأخيرة) أي زمن عهد الروح القدس في الكنسية يستدعي منا النظر في
أمرين هما:
1- ظهور الروح القدس في الكنسية: كان الروح القدس هو الناطق بلسان الجماعة
المسيحية, ونخاله ظهر كشخصٍ في وسط الشعب كما كان المسيح وسط تلاميذه. وكان
الرسل والمؤمنون خاضعون له في طاعةٍ كلية، لدرجة أن سفر أعمال الرسل ذكر
الروح القدس (54) مرة. فارتبط عمل الروح القدس بتوزيع النِعَمْ, وإعطاء
المواهب, وأيضاً في إدارة الكنيسة بدقائقها اليومية. فكل الأعمال التي قام
بها الرسل كانت تحت إرشاد الروح القدس.
وما ذكرناه ليس بغريب، لأن يسوع قبل صعوده قال لتلاميذه: "متى حل الروح
القدس عليكم ستنالون قوة, وتكونون لي شهوداً" (أع8:1).
فالروح القدس يعطي الألسنة والنبوءة كما حدث في العنصرة. (أع4:2). فحينها
كان الجميع متيقنين أن الروح القدس هو رأس الكنيسة الجديدة الحيّة وسيدها.
ولنتذكر لقاء فيلبس مع وزير ملكة الحبشة فنقرأ: "فقال الروح لفيلبس:
تقدم ورافق هذه المركبة.." (أع29:8). والحدث المهم الذي صار لبطرس
الرسول حين تعلّم من عدة رؤى أرشدته ألا يعتبر أحداً نجساً. لقد تحقق الأمر
له عندما وقف على بابه ثلاثة رجال: "وبينما بطرس متفكِّراً في الرؤيا
قال له الروح: اذهب غير مرتابٍ في شيء, لأني أنا قد أرسلتهم" (أع
10:19).
الكنيسة الأولى التي هي قدوتنا, والتي حياتنا بمثابة دعوتها لنا اليوم،
كانت كلها متيقنة بعمل الروح القدس المسيّر لأمورها. لنقرأ هذا النص ولنر
ماذا يقول: "وبينما كان الجميع يخدمون الرب ويصومون, قال الروح القدس:
افرز لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه" (أع2:13). بهذا الوعي
لحضور الروح القدس، كانت الكنيسة بأشخاص رسلها ومؤمنيها تتابع حياتها
الكنسية. وكان شعور المؤمنين بحضور الروح القدس قوياً. فهو (أي الروح) كان
يقود ويوجّه كل حركة أو قرار. وهذا يعني أن الروح كان حاضراً في وسط
الكنيسة بشكل حيٍ وملموس, منعكساً في هذا الإيمان الحيّ الذي كان يحركهم.
فكما كان المؤمنون مع الرسل في ذلك الزمان يشعرون أنهم يحيون وفق توجيهات
الروح القدس. علينا نحن اليوم أن نقتدي بهم، فنقوّي رباطنا بالروح القدس
ليكون لنا معه شركة. ومن أبرز القضايا التي يجب أن نوليها اهتمامنا، أنه
عندما عُقِد المجمع الأول في تاريخ المسيحية بحضور الرسل لمناقشة أمور
البشارة, كتب الرسل حينها لأهل أنطاكية قولاً خالداً موجهاً إلينا في هذا
الزمن: "الرسل والمشايخ والإخوة... قد رأى الروح ونحن, أن...."
(أع28:15). فحياتنا الروحية يجب أن ترتبط دائماً بوحدة قرارنا مع قرار
الروح القدس.
وللتعرف على أعمال الروح القدس أكثر، يلزمنا أن نطالع سفر أعمال الرسل الذي
هو (إنجيل الروح القدس)، بقدر ما الأناجيل الأربعة هي (إنجيل يسوع المسيح).
وبهذا الإنجيل يبقى الروح القدس حيّاً في الكنيسة، ليجعل حياتنا مماثلة
لحياة يسوع المسيح, لأنه هو الذي يشكّل المسيح فينا. وبهذا يقول القديس
سيرافيم ساروف: (غاية المسيحي هو اقتناء نعمة الروح القدس).
2- عملنا نحن والروح القدس: إنه بالشركة مع الروح القدس يجب أن نحقق
الانسجام لا الخصام. مما يجعل هذا العمل المشترك نبع المسرّة للروح القدس
ولأنفسنا. ولهذا دعانا بولس الرسول بقوله : "لا تُحزنوا روح الله القدوس"
(أف30:4).
فانسكاب الروح القدس الذي بشر به العهد القديم, وقام بمفاعيله عملياً في
العهد الجديد, يدعونا "بألا نطفئ الروح" (1تس19:5). أي أن يعمل
الواحد منا بحرارة وإخلاص وتفان وخدمة ومحبة وبذل ... لكي يبقى الروح
متقداً ومضيئاً ومتأججاً بفضل أعمالنا المرتكزة إلى الإيمان.
إن استمرار عمل الروح القدس في الكنيسة هو عملٌ إلهي. ولكنه مرتبطٌ أيضاً
بوحدة حبنا بعيداً عن الانقسام والفشل والتردد. لذلك علينا تقديم طاعة
مرضية لله الآن وفي كل حين. لتكون طاعتنا هي ما نتعامل به مع الروح القدس
قائدنا ومرشدنا الأمين. فالطاعة للروح تحمل شهادة من الجميع على أن حضور
الروح هو يقين مستمر وفاعل في حياتنا. لهذا علينا أن نشدد القول والفعل في
تبني مقولة بولس الرسول: "لا تُحزنوا الروح". مع تمسكنا بالقول
الدائم في سفر الرؤيا. الذي يؤكد أن الروح القدس والنفس البشرية يقولان
مناديين: "تعال أيها الرب يسوع . فيجيب ها أنا آتٍ سريعاً. آمين"
(رؤ20:22).
ثالثاً: شخصانية الروح القدس
إن الروح القدس قوة إلهية ذات كيان ووجود شخصي. فهو شخصٌ كامل،
يشكل مع الآب والابن الإله الواحد المثلث الأقانيم. وبإكثارنا من قراءة
الكتاب المقدس نحصل على تأكيد لشخصانيته.
أ- في العهد القديم:
يكشف لنا العهد القديم عن شخص الروح القدس، ليكون شخصيةً قائمةً
بذاتها مع الله، حاضرةً وفاعلةً في العالم على السواء. فالروح القدس هو
(الله الفعال بالقوّة). كما تُنسب إليه أعمال شخصية، تقترب من حدود فعل
الشخص ذي الشخصية المميزة. فمثلاً هو ينطق بالأنبياء: "روح الرب
تكلم بي، وكلمة الرب على لساني" (2صم2:23). وفي مكان آخر: "أما أنا
فهذا عهدي معهم قال الرب. روحي عليك، وكلامي الذي وضعته في فمك لا يزول"
(أش21:59). وهو أيضاً يُرشد ويتكلم: "روحك الصالح يهديني في أرضٍ
مستقيمة" (مز10:143). وهو أيضاً يتنبأ ويعلّم كقوله: "فيحل
عليك روح الرب فتتنبأ معهم وتتحول إلى رجلٍ آخر" (1صم10:6). كما أنه
يبشر ويعزي كقول أشعياء: "روح السيد الرب عليّ، لأن الرب مسحني
لأبشّر المساكين... ولأعزي كل النائحين" (أش1:61). وكذلك فالروح القدس
يحكم ويقضي. فالكتاب المقدس يقول: "يحل عليه روح الرب.... فلا
يقضي بحسب نظر عينيه، ولا يحكم بحسب سمع أذنيه. بل يقضي بالعدل للمساكين
ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض" (أش4:11).
ب- في العهد الجديد:
يبرز الروح القدس في كل العهد الجديد، ويتضح حضوره بعد العنصرة،
ليكون هو صاحب الاتصال الدائم والحي والفعال بين المؤمنين والمسيح. فنجده
مثلاً: يعلّم ويذكر: "وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب
باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم" (يو26:14). وأيضاً
يخاطب الرسل: "وبينما بطرس متفكر في الرؤيا، قال له الروح: ثلاثة
رجال يطلبونك" (أع19:10). وأيضاً فإنه يقيم أساقفة: "احترزوا
إذاً لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم فيها الروح القدس أساقفة لترعوا
كنيسة الله التي اقتناها بدمه" (أع28:20). وهو أيضاً يقود المؤمنين:
"لأن كل الذين ينقادون بروح الله أولئك هم أبناء الله" (رو11:8).
رابعاً: من هو الروح القدس إذن؟
بإمكاننا أن نتعرف على الروح القدس في مجالات حضوره المتعددة
وأهمها:
1- لاهوت الروح القدس: هو الأقنوم الثالث من الثالوث القدوس. وله شخصية
يتميز بها عن شخصية الآب وشخصية الابن. هو واحد في الجوهر مع الآب والابن.
بحيث أن للثلاثة صفات أقنومية. فالآب عدم الولادة. والابن مولوداً أزلي من
الآب بدون انقطاع. والروح القدس منبثق أزلياً من الآب بدون انقطاع.
فالروح القدس إذن هو الله، إنه ليس قوة فاعلة بل هو شخص. ويختلف عن المواهب
التي سيمتلكها الأفراد والتي تصدر عن شخصه، دون أن تنفصل عنه أبداً. ولما
كان مساوٍ لله في الجوهر، وهو دائماً مع الآب والابن، لذلك نرى أن
المعمودية ملتصقة بشخصه في وحدة الثالوث بحسب قول السيد المسيح لرسله
القديسين: "تلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس"
(أع19:28). وذلك لأن يسوع قد ذكر كلمة (اسم) وليس (اسماء) لأن الثلاثة واحد
في الجوهر.
2- صفات الروح القدس: في حديثنا عن صفات الروح القدس، لا نتكلم نحن عن
جوهره، وإنما - من خلال مواهب وقوى أُعطيت لنا من الله - نتمكن أن نعرف
الروح القدس، وبوساطتها نتمكن من الاتحاد به. فدستور الإيمان يصف الروح
القدس بصفتين هامتين هما: (الروح القدس، الرب المُحيي) مستخلصاً ذلك من
رسالة رومية حيث تصفه بأنه "روح الحياة" (رو2:8). إنه مصدر الحياة
في العالم كله؛ سواء الحياة بمعنى الوجود، أو الحياة مع الله. أما الصفة
الثانية فهي (الناطق بالأنبياء). فحزقيال النبي يقول: "وحلّ عليّ روح
الرب..." (حز5:11). وكذلك سفر أشعياء النبي حيث أخبرنا بولس الرسول
خلاصته بقوله: "حسناً كلم الروح القدس آباءنا بأشعياء النبي..."
(أع25:28-27). يجب ألا ننسى أبداً أن الروح القدس اشترك في عملية الخلق
أيضاً، يقول الكتاب المقدس: "كانت الأرض خاويةً وروح الله يرف على وجه
المياه" (تك2:1)، وفي سفر المزامير نقرأ: "تُرسل روحك فيُخلقون
وتجدد وجه الأرض" (مز30:104)، في هذه الشواهد وغيرها هي مصدر لاهوت
الروح القدس.
وبإمكاننا أن نضيف للصفات السابقة أيضاً، صفات القداسة والصلاح وكذلك
الحكمة، وهو كذلك يمنح المواهب للمؤمنين. وقد عرض ذلك لنا بولس الرسول في
مقطع جميل من رسالة كورنثوس الأولى واصفاً هذه المواهب ومعدداً لها
(1كو8:12-11).
وهو (الروح القدس) أيضاً يصلّي من أجلنا: "كذلك الروح أيضاً يعين
ضعفاتنا. لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي, ولكن الروح نفسه يشفع
فينا بأناتٍ لا توصف" (رو26:8) وهذا يمكننا أن نرى كيف أن بعض الناس
ينظرون إلى الروح القدس على أنه شخص من خلال أخطائهم وضعفاتهم، مثلاً
نقاومه: "يا قساة الرقاب غير المختونين بالقلوب والآذان دائماً
تقاومون الروح القدس" (أع51:7) بل إن بعضهم يهينونه:
"كل خطيئة وتجديف يغفر للناس, وأما التجديف على الروح القدس فلن يغفر
للناس" (مت31:12). وكثيرون ما يكذبون عليه: "فقال
بطرس يا حنانيا لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس" (أع3:5)
ومن خلال شخصانيته يحزنونه: "لا تحزنوا روح الله القدوس,
الذي به ختمتم ليوم الفداء" (أف30:4).
3- الروح القدس الذي هو روح الله يعلمنا عنه إنجيل يوحنا بأنه: "روح
الحق الذي من عند الآب ينبثق" (يو26:15). وعلينا أن ننتبه إلى أن هنالك
فرق جوهري بين الإرسال الذي يتم بواسطة يسوع المسيح مع الله. وبين الانبثاق
الذي يتم من الله فقط. فالانبثاق أزلي، أمّا الإرسال فيتم في حدود الزمان.
4- رموز الروح القدس: سنذكر منها خمسة رموز أساسية هي:
أ- الحمامة: في معمودية المسيح: "رأى - يوحنا - روح الله نازلاً مثل
حمامة وآتياً عليه" (مت16:3).
ب- الماء: لما كان الماء رمزاً لاستمرارية الحياة نقرأ في إنجيل يوحنا: "من
آمن بي - كما قال الكتاب - تجري من بطنه أنهار ماء حيّ. قال هذا عن الروح
الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه. لأن الروح القدس لم يكن قد أعطي
بعد" (يو38:7-39).
ج- الزيت: بالمسحة المقدسة كان الأنبياء قديماً يمسحون الكهنة والأنبياء،
فيحل عليهم روح الرب ويعطيهم مواهب الروح القدس: "فأخذ صموئيل قرن الدهن
ومسحه وسط إخوته, وحل روح الرب على داود في ذلك اليوم فصاعداً"
(1صم13:16). وهذا السر تستعمله الكنيسة اليوم مع سر المسحة المقدسة في
الميرون.
د- النار: في يوم العنصرة كان حلول الروح القدس على التلاميذ "كألسنة
كأنها من نار" (أع3:2) وبولس الرسول يذكرنا أن نكون "حارين في الروح"
(رو11:12) ليذكرنا بنار الروح القدس في القلب.
هـ الريح: الكلمة الواردة في العهد الجديد لتدل عليه هي (بنِفما)
اليونانية. وتعني الريح والروح في ذات الوقت. فنقول: "الريح تهب حيث
تشاء" أو "الروح يهب حيث يشاء" (يو8:3) ومع ذلك نرى حلول الروح
القدس في يوم الخمسين كالتالي: "وصار بغتة من السماء صوت كما من ريح
عاصفة وملأ البيت كله... وامتلأ الجميع من الروح القدس" (أع2:2-4)
5- الروح القدس المعطي: الروح القدس دائم العطاء من بدء الخليقة، ولا يزال
يعطي حتى نهايتها باستمرار. ونحن نلمس عطاءه في الكنيسة كل يوم. فهو يعطي
القداسة ويمنح التجديد أي الولادة الجديدة. ويمنح المغفرة بوساطة الكهنوت
كقول السيد المسيح: "خذوا الروح القدس, من غفرتم خطاياه غُفرت له, ومن
أمسكتموها عليه أُمسكت" (يو22:20-23). لذلك نقول بأن كل عطية صالحة وكل
موهبة تامة هي نازلة من عنده.
6- الروح القدس روح القوة: قبل أن يصعد السيد المسيح أوصى تلاميذه ألاّ
يبرحوا أورشليم: "إلى أن يلبسوا قوّةً من العلاء" (لو49:24) وهذا قد
تم يوم الخمسين حيث انتشر بهم الملكوت بقوة. تلك القوة الإلهية صارت في
قلوب التلاميذ، وساعدت على نشرهم الإيمان. هذا بولس الرسول يوضح سبب نجاحه
بقوله: "وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة البشرية المقنع, بل
ببرهان الروح والقوة. لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله"
(1كو4:2)
وفي هذه القوة دلالة على نجاح التلاميذ كنقطة تحول في حياة الكنيسة.
وبامتلاكهم لها انتقلوا من مخبئهم في العلية ليظهروا للجموع بشجاعة عجيبة
وبعد أن أخذوا روح القوة نشروا الإيمان ليصير الاعتراف بالله علناً. ولا
ننسى أبداً تلك القوة التي تحلّى بها الشهداء، فقد صار لهم صبر وتحمل أمام
أشد العذابات التي تعرّضوا لها. واستمر المؤمنون في بشارتهم هذه، وهم
يتحلون بهذه القوة لتحقيق التقدم الروحي في كل أشكاله، وعلى رأسها الرهبنة
ولإرشاد والتعليم.
خامساً: شركة الروح القدس
الروح القدس يعمل في الجميع, يعمل فينا وينتظر أن نعمل نحن معه حتى يعمل
معنا. وذلك من خلال أن نقبل الشركة معه أو نرفضها. وفي هذا القبول لهذه
الشركة تكمن أهمية حريتنا. كافة أعمالنا يجب أن يكون الله مشترك فيها. حتى
ونحن في حالة ارتكاب الخطيئة, فإن علينا أن نطلب من الروح القدس أن يساعدنا
على التوبة ويبكتنا على خطايانا. لأن تبكيتي لنفسي أضعف من أن يقودني إلى
التوبة. عيبنا في الحياة الروحية أننا نعتمد على أنفسنا وليس على روح الله.
على العكس مما يوصينا به الكتاب المقدس حين يقول: "وعلى فهمك لا تعتمد"
(أم5:3) فتوبتنا وخدمتنا يتحققان بقدر ارتباطهما بروح الله.
ولنعلم بأن الروح القدس مستعد أن يعمل فينا. لكننا نحزنه حينما نرفض عمله
ونرفض الشركة معه، مما يجعلنا مستعدين لأن نسقط في الخطيئة. الروح القدس لا
يحررنا من الخطيئة فقط, بل ويعطينا روح القداسة أيضاً.
سادساً: (لا تطفئوا الروح)
الروح القدس يعمل فينا, فيمنحنا حرارة, دون أن يُلغي حريتنا. فالروح القدس
لا يرغمنا على الخير بل يحثنا عليه. وكلما اشتركنا مع الروح القدس وعملنا
معه كلما ازدادت حرارته في قلوبنا. وهكذا نسير في طريق تنمية حياة الروح،
وهو ما يوجب علينا أن نسعى بألا نجعلها تفتر أو تنطفئ. وحتى نحقق استمرار
هذه الحرارة، وكي لا تنطفئ، علينا أن نراقب الأسباب التالية:
1- خارجية:
الأسباب الخارجية ليس بإمكانها إطفاء الروح، ما لم تضعف أمامها الإرادة
البشرية وتستسلم لها. وأهم هذه العوامل هي البيئة والصداقات غير البريئة.
وقيام أحداث ومشاكل تعرِّض صاحبها لانطفاء حرارته الروحية. لأن هذه الأحداث
تستحوذ على كل اهتماماته ولا يبقى لديه وقت للصلاة. ومثل هذا الإنسان وإن
صلّى فهو يسرح بأفكاره بعيداً عن حياته الروحية. ومن الأسباب الخارجية
أيضاً كثرة المزاح والتكلم بالأحاديث غير النافعة والفكاهات العابثة. فمثل
هذه الأمور تشتت الفكر وتبرّد الحرارة وتساعد على الخطأ, وكما يقول الكتاب:
"كثرة الكلام لا تخلو من معصية" (أم9:10).
2- داخلية:
يتميز الإنسان بالجدية والحماس وقدرته على التزام ذلك في كل ممارساته
الروحية. فإن بدأ يتكاسل، تنطفئ في داخله الشعلة المقدسة الروحية، ويصير
الإنسان قادراً على إيجاد الأعذار لكسله، المتنامي مع الوقت، ليصير بكليته
ذا ميل للكسل والتراخي.
لذا فما إن يشعر الإنسان بانزلاقه إلى شيء من التقصير في الصلوات وقيامه
بها بشيءٍ من الفتور. فيجب أن ينتبه إلى أن نفسه قد أخذت تنصرف عن العبادة،
وهو ما يفرض عليه أن يعمل لتستعيد حرارتها عن طريق استدعاء الروح القدس
ليحل فيها ويطهرها، ويعيد إلى الذات ارتباطها الداخلي بالروح. وعلى الواحد
منا أن يأخذ عبرةً ممن استعادوا حرارة إيمانهم بأحداث مباركة, كاللص
اليميني الذي وجد في يسوع مخلصاً، والعشار التائب عبر صلاته المقبولة، وزكا
العشار صاحب الرغبة المقدسة، والسامرية التي كشف لها المسيح خطاياها، وكيف
أنها تحولت مبشرة لأهل بلدتها سوخار. فالكنيسة اليوم فاتحةً أبوابها
بقدسيتها، مزدانةً بمحبة كهنتها على مساعدة الآخرين. ليتحقق الدعم في إشعال
الحرارة المنطفئة بوقود التوبة وحرارة الإيمان للعودة إلى توحد الذات
بالروح القدس.
سابعاً: عمل الروح القدس داخل النفس
يعمل الروح القدس داخل أنفسنا, وبقدر تجاوبنا مع عمله تتشكل في نفوسنا
رائحةً عطرة، تفوح من أعمالنا وأقوالنا وتحرك كل نشاطنا. وهذا يتوقف على
القدر الذي نصير به "منقادين بروح الله" (رو14:8). وهذا ما حصل مع
آبائنا القديسين، الذين صارت حياتهم ترجمة واقعية لمعنى الفداء وعمل
الخلاص, فحققوا الميلاد الثاني وحياة التجديد وعيش الإيمان العامل بالمحبة,
والرجاء الحار الذي يعيش ملء المستقبل في صميم الحاضر.
فكيف حصل الآباء على كل هذا؟ إنه - من وجهة نظر الكنيسة - قد تحقق للآباء
لأنهم جميعاً قد اشتركوا في عنصرٍ أساس واحد. هو انتماؤهم جميعاً لموقفٍ
واحد أمام عمل الروح القدس فيهم, حين طبقوا ما أوصى به السيد المسيح في
أعمالهم من الصلاة الدائمة, والسهر القلبي, وعدم الملل من الصلاة أو السهر.
كما وأنهم التزموا بما أوصى به من الصوم المقرون بالصلاة. والذي أظهر لنا
أنه عن هذا الطريق نقهر الشيطان: "هذا الجنس لا يخرج بشيء إلا بالصلاة
والصوم" (مت21:17) كل هذا يكشف للواحد منا أن ما حصله الآباء من مدى
انقياده للروح القدس. ونماذجهم التي نقرأ عنها توضح أن الحصول على ما أخذه
يتم من مقدار عمل الروح داخل الإنسان، والتي سوف أعرضها أمامكم عبر ثلاث
نواحي:
1- عمق العلاقة التي تربط النفس بالروح القدس:
علينا أن نسعى لتكون العلاقة بالروح القدس على قدر علاقة
الملائكة بالروح القدس. وكم هو جميل وصف هذه العلاقة مع الملائكة بحسب سفر
حزقيال: "إلى حيث يسيرها الروح تسير, لأن الروح يسيرها حسبما يشاء"
(حز20:1) ونحن بحاجة ليسيِّرنا الروح في حياتنا كما يشاء, عسى أن نتمكن من
القيام بذات الدور الذي تقوم به الملائكة في السماء، بحيث أنها ترتل بدون
توقف قائلة: "قدوسٌ قدوسٌ قدوسٌ رب الصباؤوت, السماء والأرض مملوءتان من
مجده" (أش3:6).
ولهذا فنحن مدعوون للترتيل الدائم بقلبنا وذهننا وعقلنا وروحنا، لكي تبقى
علاقة الروح ممتدة إلى كياننا بكامله. والقديس مكاريوس يكشف علاقةً بين روح
الله والملائكة من جهة وبين الإنسان والروح القدس من جهة ثانية فيقول:
(النفس التي تستحق ان تشترك في نوره وتستنير بحسن مجده لتكون النفس مقراً
للروح ومسكناً لها, فتصير نوراً وروحاً فتحسب أهلاً لتكون مسكناً لله
وكرسياً له).
فالنفس ملائكية بطبعها, وعليها أن تحافظ على هذا المقام عن طريق تفتّح
بصيرتها. انفتاحاً كاملاً نحو الله بوساطة ارتباطها بالروح القدس. وبولس
الرسول يوضح هذه العلاقة بقولٍ رائع علينا أن نسعى لنكونه فيقول: "أنتم
هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم" (1كو16:3).
2- علاقة الروح القدس بالنفس على أساس الطبيعة النارية
للروح القدس:
الروح القدس هو روحٌ ناري، والنفس البشرية تتحول إلى نفسٍ نارية بقدر
عشرتها للروح القدس، مما يمكِّنها أن تستمد طبيعتها هذه. حينها يُعطي الروح
القدس طبيعةً للإنسان جديدة، طبيعة حارقة للأفكار الشريرة، ومؤلهة لذوي
الأفكار الطاهرة النبيلة.
3- علاقة الروح القدس بالنفس علاقة ثبوت ونمو، يصدق فيها
قول الإنجيل:
"من ثمارهم تعرفونهم" (مت16:7). وهذه الثمار لها ارتباط بموقف
الإنسان الذي تكون عنده الوصايا الإلهية طريقاً يسلك فيها، لتظهر فيه
الفضائل الروحية ناميةً ومتطورة مع مسيرته هذه. تلك المسيرة التي تجتازها
النفس بثبات وبدون توقف، كما هو ريح الروح الذي يعرف طريقه. وهكذا تبغي
النفس الوصول إلى حيث يسوع، ساعيةً لكي تتشبه به، قائلةً مع بولس الرسول: "تشبهوا
بي كما أنا بالرب" (1كو1:11).
4- الروح القدس هو فرح النفس:
ملء الفرح يتم بتحقيق هذه العلاقة التي تمنح الواحد منا فرح الروح، فيكون
هو الفرح الذي يغمر الإنسان ولا يُنزع منه. ومذاق الفرح هذا متوفر للنفوس
المستعدة بالاتحاد مع الروح فقط، هذا الاتحاد الذي يُبدد ظلمة النفس بعد
قبولها للنور الإلهي. فكما أنها تصير نوراً، هكذا تصير النفس فرحة أيضاً.
ثامناً: مع الروح القدس في جهادنا اليومي
عندما نبحث عن دور الروح القدس في حياتنا، فالواجب علينا أن ننتبه إلى أدق
التفاصيل في حياتنا اليومية، لنختبر في وجودها فيما إذا كان الروح القدس
حاضراً بصورةٍ إيجابية، أم أنه غائب ولا دور له.
وسيأتي نوع جوابنا على ضوء معرفة أين نحن منه بفضل البحث في النقاط
التالية:
1- الروح القدس والخروج من حياة الخطيئة متدرجاً إلى حياة القداسة. بات
واضحاً لدينا أن الروح القدس يعمل داخل أنفسنا، وليس في صورتها الظاهرية.
وهذا ما يدعونا للولوج إلى أعماق نفوسنا لنلتقي به هناك. فنتواجه حينها مع
فكر الروح القدس ومطالبه وأهدافه فينا. ففي العمق توجد الدوافع والأسباب
والغايات الحقيقية التي تحرك الإنسان. مما يمكننا أن نكتشف أن عمل الروح
القدس في الإنسان يتم بالتدرج:
أ- الإنسان بدون الروح القدس يشرب الخطيئة كالماء ودون أي صراع أو ندم.
لأنه بغياب الروح ينتفي وجود الصلاح كمقياس.
ب- يزداد عمل الروح القدس في أنفسنا بمقدار قبول الذهن له وطاعته. ولنعلم
بأن هذا الازدياد يسبب صراعاً في النفس. وكلما كان قبولنا لاستقبال الروح
القدس أكثر كلما كان الصراع أشرس. وتستمر الحال هكذا لحين ضعف الخطيئة في
نفوسنا، ثم انتفاؤها بفضل فاعلية الروح القدس فيها، وحينها تهدأ النفس لنبذ
الخطيئة من داخلها وبعدها عنها.
ج- العلاقة الحسنة بين الروح القدس والنفس البشرية، تجعل من ذهن الإنسان
الذي يميل بطبعه إلى مغريات الدنيا أحياناً، متغيراً وساعياً لأن يكتشف
أهمية الحياة الجديدة بالقرب من الروح القدس. حينها يتقدس الذهن ولا يبالي
بما كان يميل إليه، فيبتعد عن مغريات الشهوة المادية والجسدية والسلطوية،
ليقترب من شهوة اقتناء الروح القدس، في حياةٍ روحيةٍ سليمة. حينها يتحقق
الهدف بسيادة الروح القدس على مثل هذا الإنسان، فيتحقق فيه ما عناه بولس
الرسول بقوله: "الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات"
(غلا24:5).
د- عمل الروح القدس في نفس الإنسان بعد انتصاره على الشهوات، يتحول به إلى
طريق جديد يصبح المسير فيه دائماً ومستمراً، فتصير النفس بفضله تنظر إلى
أنها صارت قريبةً من القداسة. وعلى هذا الطريق يفعل الإيمان فعله ويتآخى مع
قرينه (العمل)، حتى إنهما يتوحدان دون أن يحدث الانفصال بينهما، وهذا يتشكل
عن طريق الاستعانة بالروح القدس. فيتم للنفس الاقتراب من فكر المسيح.
فالمؤمن الحقيقي المنقاد لفكر المسيح يصبح الجهاد عنده بعيداً عن إرادته
البشرية، ويتم بوساطة طاعته لصوت الروح القدس, فيتجه مباشرة لتذوق عذوبة
العمل والجهاد المتواصلين، حاصلاً على مسرةٍ تتشكل من لذةٍ فائقة، فلا يعود
مهتماً البتة بالشهوة وثمارها الدنيوية, بل يصير متطلعاً إلى شهوةٍ جديدة,
شهوة نيل الملكوت الذي يذوق من وصل إليه (فرح ربه). وهذا ما يجعله ينكب على
الصلاة والسهر أكثر. فينطبق قول بولس الرسول على مثل هؤلاء: "لا شيء من
الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع السالكين ليس بحسب الجسد بل
بحسب الروح" (رو1:8).
2- الروح القدس وإنكار الذات: تحدثنا عن مزايا العمل الصالح, ولكن هذا يجب
ألا ينسينا أنه يشكل خطراً أحياناً, وخاصةً على النفس الضعيفة. فقد يعتقد
الإنسان بفكرٍ خاطئ أنه بسبب عمله الصالح أصبح إنساناً صالحاً. ناسياً أننا
نستمد صلاحنا ليس من أعمالنا رغم أهميتها في هذا، بل نستمدها من الله وحده
الذي هو مصدر كل شيء مهم في حياتنا. ولتوضيح ذلك نقرأ آية يسوع القائلة: "لكي
يروا أعمالكم الصالحة فيمجدوا أباكم الذي في السماوات" (مت16:5). وراء
كل عمل صالح تمجيد لله الذي وحده معطٍ لهذا الصلاح. كما وأنه يجب علينا ألا
ننسى بأن الروح القدس هو الذي يعطي للعمل الصالح (مذاقه الحقيقي)، فيجعل
الإنسان يستشف من عمله ومن جهده رائحة الله نفسه، فيستنشق عبق القداسة من
لدنه.
الروح الساكن فينا - والذي هو الروح القدس - هو الذي يقودنا إلى العمل
الصالح. فيسعى الإنسان بفضل هذا الروح أن ينكر ذاته، لتكون الذات الإلهية
هي العاملة فيه. فالمسيح يؤكد لنا أنه عن طريق (نكران الذات) نتمكن من حمل
الصليب، الذي به نصل الجلجلة عنده، فيتسنى لنا معاينة القيامة حينئذٍ. فإذا
كان المسيح نفسه قد أخلى ذاته آخذاً صورة إنسان ليحقق الخلاص للبشر. فكم
بالحري بنا أن ننكر ذواتنا أمام كل عملٍ صالح.
فليكن الروح القدس معيناً لنا من أجل ذلك، لأننا بدون اتكالنا عليه نخفق في
الوصول إلى هذا الهدف.
تاسعاً: خاتمة: الروح القدس وانسكاب المحبة
حين لا يعطي الإنسان أهميةً لعلاقاته العاطفية الرخيصة وأشكال تعلقه
بالأمور الدنيوية، ويثبت وجهه اتجاه الله في شجاعة الإيمان وطاعة البذل
وكرامة الخدمة، تنسكب محبة الله في القلب بوساطة الروح القدس بسرّ إلهي
يفوق الوصف.
المحبة الإلهية شيءٌ آخر غير المحبة البشرية، هي محبةٌ ناريةٌ تتأجج حين
اقتراب النفس من الله، فيلمس فيها الإنسان شخصه الإلهي أي حبّه، لأن "الله
محبة". حينها يفعل الروح القدس فعله في ذواتنا "لأن محبة الله قد
انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا" (رو5:5). وهكذا فإن المحبة
المنسكبة بالروح القدس في الإنسان، تُغيّر طبيعته ذاتها، فتخلق فيه
إمكانيات تفوق قدرة البشر العاديين، وتمنحه تحملات وطاقات وإدراكات جديدة.
وتلغي منه بالمقابل ضعفاته وتعثراته واضطراباته التي كانت ميؤوساً منها.
الحب هو العامل الأساسي لحياة الشركة بين الله والإنسان، كما وأنها أيضاً
هي العامل بين الإنسان وأخيه الإنسان في ظلِّ القداسة المعاشة. لذلك جميلٌ
القول: (لا شركة بدون حب، ولا حب بدون الروح القدس). لكن الحب الإلهي لا
ينسكب من الله في القلب إلا بعد أن ينجح الروح القدس في تطهير القلب من
كافة الرذائل، وعلى رأسها الرذيلة الأساس التي تعيق ذلك وهي حب الذات. لأن
هذا الحب يشكل ثماراً من الحسد والطمع والحقد والكرامة الزائفة والعظمة
والبغض والعداوة. فمثل هذه المعطيات الآتية عن طريق حب الذات، لا يمكنها أن
تلتقي مع محبة الله في ذات القلب الواحد. لذا فإن أهم ما نهيؤه لعيش الحب
الإلهي بداخلنا، هو أن نجعل أنفسنا هيكلاً للروح القدس. وأجسادنا هيكلاً
للروح القدس. |