رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

صيام مبارك............................."نور الدهر الآتي"...... كتاب جديد لقدس الأرشمندريت يوحنا التلي من إصدارات دَيري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا............................

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

حديث الأسبوع (23 آذار)

أرشيف

وعظة الأحد

محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

في كنيسة السيدة في محردة

14 آذار 2011

 الموت

 أولاً: مقدمة

غالبية الناس تخاف من الموت، لأنها تجهل حقيقة الموت كما وتجهل الحياة بعد الموت. وهذا الجهل يسبب لأصحابه كثيراً من الغموض، في حين أن عدداً كبيراً من المؤمنين يواجهون الموت بمهابة لأنهم متحررون من الرعب واليأس المرافق لغيرهم من الناس. لا بل إنهم بدلاً من الرعب منه نجدهم أمناء في برمجة حياتهم للتوغل والاستزادة من عالم الروح، الذي يزيد يقينهم بأن الموت هو حالة انتقال لحياة جديدة. وأن هذه الحياة الجديدة كُشفت في قيامة شخص المسيح الذي انتصر على الموت وهزمه، وفتح لنا الباب لهذا الانتصار لنضع رجاء الغلبة نصب أعيننا قائلين مع أحاسيس الانتصار: "أين شوكتك يا موت، أين غلبتك يا هاوية" (1كو55:15). هذا يعني أن الظفر في الانتصار الذي كان من نصيب الشيطان في جنة عدن يوم خدع جدينا الأولين قائلاً لهما: "لن تموتا، بل إن الله يعرف أنه حين تأكلان من ثمر هذه الشجرة تنفتح أعينكما فتصيران مثله، قادرَين على التمييز بين الخير والشر" (تك4:3-5). في حين أن الله قال لهما: "لا تأكلا منه ولا تلمساه لكي لا تموتا" (تك3:3). هذا الظفر الشيطاني خدع آدم وحواء وحملهما على ارتكاب خطية نالا بموجبها الموت، في حين أنه كذب عليهما بادعائه أنهما لن يموتا، وأن السبب قد أتى من كونه هو يعتبر في عداد المائتين، ويريد لكل الخليقة أن تكون مثله، لدرجة أنه حاول أن يقود يسوع إلى الهاوية بحسب ظنّه يوم أن جرّبه.

وليكن معلوماً لدينا بأن التجربة ليست بخطيئة، ولا تمسُّنا البتة، وأهلاً وسهلاً بها يوم يخطط الشيطان لأجلها. إنما الخطيئة هي امتثالنا للتجربة وقبولنا لها، كمثل ما فعلت حواء وتبعها آدم. ولنتذكر دائماً بأن تجربة الإنسان بواسطة الشيطان تسعى لإنجاز هدف أساسي هو شكّنا في صلاح الله لنا، فننسى حينها عظائم الله في حياتنا، وأهمية إتباع مواعيده لأنها صادقة. وظهر هذا الصدق بإدخال الموت إلى العالم حسب قول الله. ولكن الله وعد بفيض محبته للإنسان، وعدم تركه في يد العذاب والموت الدائمين. وعد قائلاً لحواء ونسلها أثناء مخاطبته للحية بشخص الشيطان: "هو يسحق رأسك وأنت تلدغين عقبه" (تك15:3). فقول الله "وأنت تلدغين عقبه" إشارة إلى محاولات الشيطان المتكررة ليهزم المسيح في أثناء حياته على الأرض. ولكن قوله "وهو يسحق رأسك" تظهر نبوءةً عن هزيمة الشيطان، وذلك عندما انتصر يسوع على الموت وقام من بين الأموات. وإنه لأمرٌ واضحٌ يتبدى في سحق العقب الذي يقوم به الشيطان، وبأنه ليس مميتاً. أما سحق الرأس الذي ينجزه المسيح فهو يميت الشيطان. وهكذا يستعيد الإنسان بهذا العمل الخلاصي عودةً لحياةٍ أبديةٍ عن طريق العمل الفدائي، الذي به تصير قيامة المسيح مدخلاً لقيامتنا نحن. لأن قيامة المسيح مدلول لقيامة الإنسان. وهكذا، لم يعد الموت مصدراً للرعب أو الخوف، فقد غلبه المسيح، وسنغلبه نحن أيضاً يوماً ما. لقد انهزم الموت وأصبح رجاءاً لنا وراء القبر.

ولابد من التوضيح بأن فقدان المحبة الصادقة، وضعف العلاقة مع الله، والعداوة بين الإنسان وأخيه وعيش الأنانية نتيجة محبة الذات، كل ذلك وغيره هو من المؤشرات هي ما يؤرقنا ويزرع فينا إحساساً برعب الموت الذي نتوهمه أنه النهاية. لذا علينا الانفتاح على عود الصليب بعيداً عن انغلاق القلب، حينها نستقبل الموت بلا خوف.

 

ثانياً: أول دخول للموت في العالم

 يذكر لنا التاريخ المقدس أن أول مولود في العالم كان قايين، وثاني المواليد كان هابيل. إلا أن هابيل الذي كان راعياً للغنم وكان يقدم ذبائح مرضية لله، كان نصيبه أن يكون قد نال أول تفعيلٍ للموت عرفه الإنسان في العالم. فحياته القصيرة انتهت على يد أخيه الأكبر الحسود قايين.

فأزمة الإخوة التي تواجهنا في كل الأجيال عبر التاريخ، والتي ينشأ عنها صراعٌ يخلق المزيج من المحبة والعراك، تقود أحياناً إلى التفاهم والتلاحم وزيادة الروابط. وأحياناً أخرى تعود إلى الصدام والعراك. وعند قايين تحولت هذه الحالة المزعجة إلى مأساة تم خلالها موت هابيل على يد أخيه قايين الذي "قدم قربانه لله من ثمار الأرض أما هابيل فقدم من خيرة أبكار غنمه. فتقبل الرب قربان هابيل ورضي عنه. لكنه لم يتقبل قربان قايين ولم يرضَ عنه... وحدث إذ كانا معاً في الحقل أن قايين هجم على أخيه هابيل وقتله" (تك4:4-8).

ولا يذكر النص لماذا قبل الله تقدمة هابيل، ولم يقبل تقدمة قايين. ولكن كلا قايين وهابيل يعرفان ما يريده الله. ورسالة العبرانيين تقول لنا: "بالإيمان قدَّم هابيل لله ذبيحة أفضل من قايين... ومع أن هابيل مات قتلاً فإنه مازال الآن يُلقِّننا العبر بإيمانه" (عب4:11). إذن لقد قُبلت ذبيحة هابيل بسبب الأسلوب الذي قدم بها ذبيحته. ومنذ ذلك الوقت والأديان القديمة بعقائدها بما فيها الأساطير، ترى أن هنالك خلوداً للنفس. فإنسان العصر الحجري كان يؤمن بأن هناك حياة أخرى، لذلك كان يدفن موتاه بطريقة توحي بهذا الإيمان. صحيح أن معاني تلك الحياة الأبدية مختلفة بتفاصيلها عن إيمان الكنيسة، بسبب ضعف قدرة التعبير في تلك العقائد وعدم ربط الخلاص بالمسيح. ولكن كلها أثبتت بوضوح بأن الحياة لا تنتهي بالقبر.

 

 ثالثاً: أثر الموت على حياتنا

بعد أن تم لفظ حكم الموت على الجنس البشري دخل معه الخوف. وصار الإنسان يخاف حتى من اقرب الناس إليه. فحواء صارت تخاف من آدم، كما خاف آدم من

حواء. وبدأت الجرائم تفعل فعلها في الذرية البشرية، وتقوم الطبيعة البشرية الساقطة بتحريكها بأشكالٍ متنوعة، وكان الخوف على الذات الذي هو الخوف من الموت من أهمها. فنشأت أفكار جديدة مثل: أن الطبيعة البشرية يجب أن تأخذ حقها في الحياة ولو على حساب الآخرين، وحتى ولو على حساب حياة الآخرين أيضاً. فصارت مدعوةً أن تقتل لتحيا، بدلاً من أن تعطي وتشارك الآخرين في العطاء. وأحياناً فإننا نُحوِّل صلاتنا وصومنا لا لتغذيه أرواحنا، وهو ما يضعف قدرتها على طاعة الله والعمل بمشيئته وحفظ وصاياه، بالرغم من أننا ندعي أن هذا المطلب يتم ظاهرياً. ولكن ما يحدث واقعياً أننا نحول قوى جهادنا لتغذي محبتنا لذواتنا. وهذه المحبة للذات تأخذ السعي لطلب مديح الآخرين لنا، فتصير صلواتنا أداة نشعر من خلالها أنها تحقق لنا صورة مُستترة للخوف من المذمة، والخوف من المذمة هو شكل مستتر للخوف من الموت. وهي ليست إلا أنانية مفرطة لمحبة الذات، تأتي إلى الإنسان من عشق مفرط في الخوف على ذاته من الموت.

ثم إن الخوف من الموت يأخذ شكل الدفاع عن النفس، ويتم تنفيذ هذه الخطة عن طريق تحقير الذات وعدم الاهتمام بها، فيعمل صاحبها إلى إظهار تواضعه أمام الآخرين، وهو يبتغي من هذا بصورة غير معلنة أن ينال التقدير من الناس. ومع الاستمرار في تحقير الذات المصطنع نراه يسعى من خلال تحقير نفسه، إلى إبراز القلق على ذاته، ويبتعد بذلك عن إيجاد رغبة تقوم على اندفاعه لخدمة الآخرين. وهنا نلاحظ أنه يمتزج عنده الخوف من الموت بالتواضع المزيف، فتصاب النفس بتدنّي قيمتها، فترى أنها عاجزة وفاشلة وبلا قيمة. فتصير مستسلمة لأفكار غير صالحة، وبالتالي تستسلم لقدر الموت بوجهه السلبي. ويتابع الإنسان حياته بنفس تتستر وراء الكلمات، وتخفي حقيقة خوفها من الموت. وليس الأمر هو هذا فقط، بل الأكثر أهمية أن مثل هذا الإنسان لا تبرز عنده قيمة علاقاته مع الآخرين، حتى وإن كان راهباً في الدير، فإن علاقته مع إخوته الرهبان تكون علاقة منفعة، وهي علاقة بعيدة عن المحبة الصادقة، لأن الخوف من الموت يتسلط على القلب، ويمنعه من العمل بالمحبة حتى تلك المتجهة نحو الله. وأمام انحطاطٍ للقلب هكذا، فإنه يسهل عليه السقوط بخطايا متنوعة، دون أن يشعر بأن سببها هو سعيه وراء منفعة العلاقات الأخوية المزيفة، أي التي لا تكون فيها الأخوة الصادقة.

قد يقول قائل ولكن أين هي المحبة التي يعيشها صاحبها، لكي يتصالح الإنسان من خلالها مع هذا الخوف من الموت وينهي أزمته معه؟ يكمن الجواب في القول بأن المحبة لا يمكنها أن تتصالح مع ما هو ليس من طبيعتها، فلا تستطيع أن تتصالح مع هذا الخوف!! المحبة هي عطاء، والخوف من الموت يمنع كل أشكال العطاء، ولا يحس إلا بتلك التي تهدد كيان الإنسان. وفي هذا التوجه يبدو الفرد عديم القدرة على أن يحب الآخرين. لذا علينا أن نقيم الجهاد، ونرضى بالتعب في المحبة. فالتعب أمر يلازم المحبة الصادقة، وعن طريق هذا الجهد وهذا التعب يتم الكشف عن أوجاع النفس المختفية التي تتعارض مع المحبة، وهو ما يؤدي بنا في النهاية إلى أن يبيد الله كل أوجاعنا النفسية.

صليبٌ عن طريق المحبة يدخل في صميم حياتنا، فيهبنا الله به حياة جديدة نقضي بها على الخوف من الموت، وتضمنا إلى يسوع الذي وهب لنا هذه الحياة الجديدة، من خلال قيامة حصلنا عليها بواسطة الصليب، والتي تقودنا إلى الحياة الأبدية التي هي ليست بشيء آخر غير المحبة. ويتلخص هذا كله بأنه الخروج من النفس وعدم التفكير الأناني، وعدم الانطواء على الذات، وعدم الانكماش على النفس، والذي يوصل إلى تفضيل الآخرين على الذات. هذه كلها هي التي تحل مكان الموت، لتؤلف السعادة السماوية للعائشين في وسطها.

 

رابعاً: "آخر عدو يُبطل هو الموت"

الموت غير مبارك وهو ليس من عمل الله، لأن الله لم يحوّله ليصير صديقاً. ويوم القيامة نقول: بأن يسوع داس الموت. ونحن نقلّد المسيح في كل شيء، فعلينا أن ندوسه أيضاً. فالموت إذن لم يكن مرغوباً به لا من المسيح ولا من الناس، خاصة بعد أن غلبه المسيح بقيامته المجيدة، لقد تخطّاه وانتصر ظافراً عليه. تلك المواقف التي عاشها المسيح تدعو الإنسان المؤمن أن يأخذ موقفاً لنفسه من الحياة التي يحياها. فعليه أن يختار بين حياتين معروضتين أمامه؛ الأولى حياة تعيده إلى ترابية هذه الدنيا، والثانية حياةٌ تنقله إلى روحية أبناء الله في السماء. ويأتي منطق الاختيار إلينا من مقولة الكتاب المقدس القائلة: "على صورة التِّرابي يكون الترابيون، وعلى صورة السّماوي يكون السماويون" (1كو48:15). فالحرية مرتبطة بالمصير المقرون بالموت، والمؤمن الحق يتجلى دائماً في أن يكون توّاقاً إلى الانتقال لملكوت لا يفنى. إنه ملكوت المحبة التي تُنقّي الإنسان من ترابيته لتبقيه في النور الأبدي. ومن لا يحمل هذا الرجاء، رجاء القيامة مع نيل الرحمة، ومن لا يسعى بإيمان في درب الجهاد الذي يصقلنا الله فيه ليعيدنا إليه بالصورة التي سبق وخلقنا عليها، أعني صورته هو فينا يكون قد اختار أن يكون من الترابيين. أمام هذه الأمور المرتكزة على الرجاء نجد أن أبواب الفردوس قد فُتحت لنا. فانتفاء الموت كلياً يتحقق لنا فقط إذا تم لنا معاينة وجه الله يوم أبديتنا. "اليوم كما في مرآة، وهناك وجهاً لوجه" (1كو12:13).

من المهم القول، أن الله - منذ الآن وفي دنيانا هذه - يتعهدنا ويحتضننا، ويبقى ممطراً علينا رحماته حتى يتجلّى في اليوم الأخير مع باقي المتجلين. وهناك تظهر لنا ما عبّر عنه سفر الرؤيا بقوله: "سماء جديدة وأرض جديدة، فيها يسكن الله مع الناس" (رؤ1:21).

ونشدد القول بأن رجاءنا الذي يوصلنا إلى (أورشليم السماوية) هذه، يتم في اللحظات التي نعيشها في الإيمان خلال ارتباطنا الشخصي بيسوع المسيح. ولنا مثل هام على ذلك، هو حديث السيد المسيح مع مرتا أخت لعازر عندما كان هذا الأخير في القبر. فهي قد قالت للمخلّص: "يا سيد لو كنت ههنا لما مات أخي" (يو21:11). فأجابها: "سيقوم أخوك" (يو23:11). فقالت له مرتا: "أعرف أنه سيقوم في اليوم الأخير" (24:11). فرد عليها يسوع: "أنا هو القيامة والحياة" (يو25:11). ما أجمل وما أعمق وما أعذب هذا الحوار. لأن الكلام وإن كان مدلوله على اليوم الأخير، إلا أنه أوضح لنا بأنه هو معطي المؤمنين الحياة في كل حين أيضاً، وهو يريدهم أن يعيشوا فيه، أو أن يكونوا قائمين. يكفي أن يكونوا به مرتبطين. فالمسيح عندما يكون فينا فلنا منه هذه الحياة الجديدة. أي ينتفي وجود الموت ويبطل، ويتم لنا الحياة الأبدية. ونحن نترجم هذه العلاقة بالمسيح بصور وأشكال مختلفة. فعيش مسيحيتنا لا حدود له نحس أننا نقف عندها وينتهي الأمر، إن حياة متجددة بالروح لها من الغنى الشيء الكثير، ولكن أعمقها قائم في سر الافخارستيا تلك، التي يقول لنا المسيح فيها: "من يأكل جسدي ويشرب دمي له حياة أبدية" (يو54:11). والعكس صحيح: "إذا لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فلن تكون فيكم الحياة" (يو53:11). نحن لا نبتغي الموت بل نريد الحياة، ويسوع يقول لنا: "أنا خبز الحياة" (يو48:6). ثم يضيف: "من يأكل هذا الخبز يحيا إلى الأبد" (يو58:6). لذلك علينا الارتباط بيسوع من خلال الكأس المقدس الذي يحتوي جسده ودمه، وهو القائل: "من أكل جسدي وشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه" (يو56:11). لنا في المسيح عطاءين بهما نصير به، ومن يصير به يكون قد داس الموت مثله أيضاً. الأول: بحسب تعليم أوريجنس هو تناولنا كلمة الإنجيل التي هي خبرة بها أصير كلمة المسيح. الثاني هو الافخارستيا التي أصبح فيها جسد المسيح. ونحن في الكنيسة نقرأ بعد المناولة القول التالي: (ليكون للمتناولين لنباهة النفس والجسد وكمال ملكوت السموات). أي أننا بالمناولة لم نعد ترابيين بل صرنا من أبناء الملكوت. فالإنسان بالافخارستيا يغلب الموت ويحيا القيامة. وبتعبير أدق إن التعليم الآبائي يجعل من انبعاث أجسادنا كثمرة افخارستيا في تناولنا لها، ويكون قد حقق من خلالها نصرة على الموت بالرغم من أنه لازال يحيا في الدنيا. ولكن لا بد من التنويه الضروري بأن المناولة تقوم على حقيقة التوبة، التي بها نميت الأسباب التي أدخلت الموت إلى حياتنا، لنبقى بعدها أنقياء ساعين إلى النظر دائماً إلى وجه الآب بما تحمل نفوسنا من نقاوة. وعلينا أيضاً أن ننتبه بأننا نكتسب من خلال العلاقة بالمسيح أجساداً ممجدة كجسد المسيح الذي تناولناه، فيصير نورنا من نوره وينعدم فينا التراب مثله. ونصبح كلمة الله المحققة، والتي عبر عنها سفر الرؤية بقوله: "والموت لن يكون فيما بعد، ولا يكون حزن، ولا صراخ، ولا وجع لأن الأمور الأولى قد مضت" (رؤ4:21).

 

خامساً: ارتباط الموت بالخطيئة بحسب الكتاب المقدس وفكر الآباء

تطرح لنا رسالة رومية قضية الموت، وخاصة بارتباطها بالخطيئة من خلال عدة أوجه:

أ- "أجرة الخطيئة الموت" (رو16:6).

ب- "بإنسانٍ واحدٍ دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس" (رو12:5).

ج- "عاشت الخطيئة فمتُّ أنا" (رو9:7).

د- "فإن كنا قد متنا مع المسيح، نؤمن أنّا سنحيا معه أيضاً" (رو8:6).

ويوضح لنا القديس باسيليوس الكبير ضعف قوة الموت عند المؤمن بقوله :(إن موت الأبرار صار رقاداً، بل صار هو الحياة). أما غريغوريوس اللاهوتي فيقول: (كن مصلوباً مع المسيح، كن مماتاً معه، كن مدفوناً معه، لكي تقوم معه، وتُوجد معه، وتملك معه).

          هذا التفاؤل الآبائي المبني على الرجاء بالمسيح يتيح لنا فهم ما عرفوه من الوحي الإلهي، وقدموه لنا بخبرة إيمانهم المعاش. فمثلاً كانوا يدركون بأن الله منح الإنسان الروح القدس الذي نفخه فيه. وقد عبَّر بولس الرسول عن هذه الروح الإلهية بقوله لأننا: "لم نأخذ روح العالم، بل الروح الذي من الله" (1كو11:2) فصار الإنسان برمته روحاً وجسداً محتازاً على النعمة الإلهية التي ينالها من الله. ولكن عندما يبتعد الإنسان عن الله أو يخطئ، والخطيئة هي أكثر أنواع أشكال الابتعاد، فإن الله في هذه الحالة يترك الروح البشرية، وينفصل عنها، فتموت هذه الروح. ولكنها بموتها لا تفنى لأن موتها لا يعني العدم، بل خلقها الله لتبقى بحسب جوهرها العادم الموت والفناء. لهذا يدعوها بالاماس: (الموت الأبدي للنفس غير المائتة).

          يشكل الموت الأبدي أعظم مأساة يمكن أن تصيب الروح، والتي فيها يموت الجسد حيث يتحلل إلى عناصره المادية الأولية. فالبشرية إجمالاً يصاب أفرادها بالرعب لدى موت الجسد. ولكنهم - ويا للأسف - لا يهتمون لموت الروح.نحن نخاف من القادر أن يميت الجسد، و لا ترف لنا عين أمام القادر على إماتة الروح والجسد معاً. ولهذا السبب تجدنا لا نخشى الخطيئة، هذه التي تٌيقِّظ شهوات الجسد فينا، فتقتل الروح بداخلنا. وبالمقابل نبتعد عن حياة الفضيلة والنسك والجهاد والسهر الروحي، والتي بمثل هذه الأمور ننهك الجسد، ونخضعه للروح التي تحيا داخل هذا الجسد.

          ولتبيان هذا الكلام نؤكد فيه أمراً أتينا على ذكره، حيث نجد أن سقوط الإنسان قد فصله عن النعمة الإلهية مما أدى إلى موته، الأمر الذي أدى بدوره إلى موته الجسدي كنتيجة لهذا الفصل. وهذا الأمر دعا إلى وجود الأمراض والوهن والضعف العام، وكل ما صار الإنسان يعاني منه بعد الخطيئة. ومن جهة ثانية فإن عذاب آدم لخسارته الفردوس وجماله، ما كان بالأمر الكبير أمام خسارته الحقيقية الممثلة بفقدان الحب الإلهي، الذي كانت تنجذب نفسه إليه هو وحواء عند رؤية الله. مما أدى بهما إلى شعور الغربة والحرمان، وهذا ما تشعر به كل نفس خاطئة، فتبدأ تلك النفس بالتوبة عن طريق (نخس القلب) كما يؤكد الآباء القديسون. وقد وصف الراهب سلوان ألم الإنسان التائب هذا بأنه عميق عمق البحر. هو ألم مبعثه الروح والجسد كليهما. ولكن الوجه الإيجابي له أن الإنسان يبدأ بالشعور بضرورة التبدل والتغير، ليتنقى من خطاياه ويعود إلى حالة البرارة والقداسة.

          نعود إلى نقطة البدء، إلى الخطيئة الأولى. إلى آدم وحواء المسببان للكارثة الكونية بحسب لغة بالاماس، والتي تسبب عنها موت الروح. إن من المهم القول أن آدم لم يُخلق ليفنى إن أخطأ. فآدم خُلق وهو حامل للصورة الإلهية التي تبقيه دائم الوجود، أي موجوداً على الدوام. وأن أبديته قد حُفظت بالرغم من أنها جعلته بحالة أسوأ من الموت. وهذه  الحالة تعود إلى فقدانه لجمال المحبة الإلهية، التي فقد معها جمال حياته ومعناها. فمطلب الإنسان هو وجود المحبة الإلهية وإعادة الشركة مع الله، التي تتحقق في عالم الملكوت. فهل سيناله؟ نعم، ولكن من خلال المسيح. وفي هذا يقول القديس سلوان الآثوسي: (خسر آدم الفردوس الأرضي. فكان يطلبه بدموع، لكن الرب بموته على الصليب، فتح له فردوساً آخر وهو السماء).

          دور الإنسان في هذا العطاء الإلهي هو الحركة، أي أن يتحرك نحو الله، ويقيم علاقة معه، وينمو به في حياة روحية. ليست الحركة للجسد ولأعضاء الجسد فقط، فهذا لا يكفي. لأن حركة الروح والعودة  إلى الأحضان الأبوية هو الأهم. خاصة وأننا نعرف من قصة الابن الضال كيف أن الله فتح لنا قلبه لعودتنا إليه. وهنا نتساءل ما هو الموقف المختص بالموت في هذا المجال؟ يجيبنا القديس بالاماس موضحاً الفرق بين الحياة الدائمة في الملكوت، والحياة الدائمة في الجحيم فيقول: (إن الموت لا يعني سوى نصف وجود، ففي الجحيم، يستطيع الله وحده أن ينقذني منه). على هذا الإنقاذ شدد الكتاب المقدس على مفهوم الموت، وكنيستنا بفكرها الآبائي أمينة له.

 

سادساً: علاقة المعمودية بالموت

إذا قرأنا ما نتلوه في سر العماد المقدس، وهي من رسالة بولس الرسول لأهل رومية: "نحن معشر الذين اصطبغنا بالمسيح يسوع فلموته اصطبغنا فقد دفنا معه بالمعمودية للموت. حتى أننا كما قام المسيح من بين الأموات بمجد الآب كذلك نسلك نحن أيضاً في حياة جديدة..." (رو3:6-11) نكتشف أن المعمودية تتم بالتغطيس علامة على موت ودفن إنساننا القديم. وبها أي بالمعمودية ننال قيامة جديدة لحياتنا. فالأهمية هنا أن الخطيئة ماتت، وأنه علينا أن نقاوم كل خطيئة تداهمنا، ونصير غير راغبين بأن تتسلط علينا ثانية. ومع نمو إيماننا وعبر نضوجنا الروحي ووعينا، ندرك أهمية موت الخطيئة ونهوض شخصنا من جديد. وكما تقول رسالة غلاطية: "لأنكم جميعكم الذين تعمدتم في المسيح، قد لبستم المسيح" (غلا27:3) فنحن بهذه الحياة الجديدة التي ستكون أيضاً حياة الملكوت، سنلبس لها ثياباً جديدة. بمعنى أن أجسادنا بالقيامة ستكتسب ثوباً نورانياً جديداً كثوب المسيح بعد القيامة. إن رسالة كولوسي تقدم لنا توضيحاً على الموت بالمعمودية من أجل القيامة التي ستنفي الموت عنا أيضاً: "فقد دفنتم معه في المعمودية، وفيها أيضاً أقمتم معه عن طريق إيمانكم بقدرة الله الذي أقامه من بين الأموات" ( كو12:2).

تتمثل هذه العملية في المعمودية على أساس إيماننا بالمسيح. فنحن بالمعمودية كأننا صلبنا للموت، لأن الطبيعة العتيقة الشريرة تموت فينا، وبدفنها نصير مستعدين لقبول حياة جديدة يعطينا يسوع المسيح إياها، بحيث أنه سيقيمنا. ومن ثم تأتي رسالة أفسس لتعمّق القول وتوضحه لنا فنقرأ فيها: "وتتجددوا في روح ذهنكم ، وتلبسون الإنسان الجديد المخلوق على مثال الله في البر والقداسة بالحق" (أف23:4-24).

          علينا إذاً أن نتخلى عن كل ما يمت بصلة بأسباب الموت، الذي دخل إلينا ليغرينا ويبعدنا عن الله. وهو المرتبط بحياتنا قبل سر العماد المقدس. وهو الذي سوف نبتعد عنه وعن أمثاله بملء حريتنا بعد أن نلنا المعمودية. فدورنا يقوم على حسن الإصغاء الدائم إلى الله، لنبقى معه كما ولدنا ثانية، أي بعد أن صرنا شعباً جديداً في المسيح. ففي هذا كله لا يعود للموت سيطرة علينا، لأننا أزلنا آثار الموت بقوة الروح القدس الذي تلقيناه بمعموديتنا، وأصبحنا نحمل سمات الدخول إلى حياة لا موت فيها داخل عالم الملكوت. وبدون المعمودية تبقى أرواحنا مائتة ومنفصلة عن النعمة الإلهية التي لا تمس قلوبنا. وموت الروح هذا لا يتبعه الموت الجسدي مباشرة، بل يتم حسب ظروف أخرى. إلا أن تأخر الموت الجسدي عن الموت الروحي هو رحمة للإنسان، ليتوب ويستعيد حياته الروحية ثانية.

سابعاً: كيف نفهم قيامة الجسد

وماذا عن قيامة الجسد؟ تلك القيامة التي رفضها الكثيرون، ولم يصدقها العديد من الناظرين للأمور الحياتية نظرة مادية خالية من الروح والحياة.

          يقول القديس يوحنا الدمشقي: (نؤمن بقيامة الموتى.إذ ستكون هناك في الحقيقة قيامة للموتى. وبالقيامة نحن نعني قيامة الأجساد..إذ أن النفوس غير مائتة، فكيف يمكنها أن تقوم ثانية؟ فإذا كانوا يعرّفون الموت بأنه انفصال النفس عن الجسد، فإن القيامة هي حتماً، إعادة الاتحاد بين النفس والجسد. وهي الحالة الثانية للخليقة الحية التي من الفناء والسقوط. إن هذا الجسد بالذات، القابل للفساد المتعرّض  للفناء، سوف يكون ثانية غير فاسد. إذ إنّ الذي صنعه (صنع الجسد) في البدء من تراب الأرض، لا يفتقر إلى القوة كي يقيمه ثانية، بعد أن يفنى ويعود إلى الأرض التي أُخذ منها).

          إنَّ تلك العلاقة الوثيقة والأليفة بين الروح والجسد تستمر في القيامة. فالانسجام الداخلي الذي كان مفقوداً بسبب الخطيئة يعود إلى الإنسان في الملكوت الآتي. وهكذا يعود الجسد من التراب، ويلزم الشخص الروحي، فيعودا كلاهما كائناً واحداً. يقول الدمشقي: (فإذا كانت النفس وحدها تشارك في اكتساب الفضيلة، فإن النفس وحدها أيضاً سوف تنال الإكليل. وإذا كانت النفس وحدها تنغمس في الملذات، فإن النفس وحدها سوف تُعاقب. ولكن بما أن النفس لا تمارس فضيلة أو رذيلة بانفصالٍ عن الجسد، فإن كليهما (النفس والجسد) معاً، سوف يجوزان ثوابهما).

          ويقول كذلك: (لذلك سوف تقوم نفوسنا ثانية، متحدة مرة أخرى مع أجسادنا الصائرة الآن عادمة الفساد.. وسوف نقف بجانب منبر دينونة المسيح الرهيبة: وسوف يُلقى إبليس وملائتكه والإنسان المسيح الدجّال والملحد والخاطئ إلى نار أبدية: ليست ناراً ماديةً مثل نارنا، ولكنها نار لا يعرفها سوى الله. وأولئك الذين صنعوا الخير، سوف يشعون كالشمس مع الملائكة في حياة أبدية، مع ربّنا يسوع المسيح، ناظرين إليه على الدوام، كائنين في فرح فيه لا يتوقف، مسبحين إياه مع الآب والروح القدس إلى دهر الداهرين آمين).

          ولكن قيامة الموتى تحدث في لحظة، في طرفة عين، عند البوق الأخير: الأحياء يتبادلون رأساً، أمّا الأموات فيقومون.وتتم المحاكمة الرهيبة. وتكون سريعة، لأن الله يعرف كل شيء سلفاً.

          يقول القديس مكاريوس المصري :(في القيامة، كل أعضاء الجسد ستقوم، ولا تهلك شعرة واحدة). فما هو هذا الجسد الجديد، الناهض من الأموات؟!

          إنّه جسدٌ روحي (1كور35:15-46)، لأن "لحماً ودماً لا يقدر أن يرثا ملكوت الله" (1كو50:15). ويقول القديس كيرللس الأورشليمي: (وعليه ستقوم، ويكون لجميعنا أجساد خالدة. ولكن لن نكون كلّنا بأجساد متشابهة. فإذا كان الإنسان باراً فسيتلقى جسداً سماوياً، كي يتمكن من العيش باستحقاق مع الملائكة. وإن كان خاطئاً، فسيتلقى جسداً خالداً يمكّنه أن يتحمّل العقاب عن خطاياه، فيحترق أبدياً في النار دون أن يفنى).

          ويقول القديس إيريناوس: (لا تركيب الخليقة، ولا جوهرها سوف يدمّران. إنه فقط الشكل الخارجي لهذا العالم هو الذي سوف يمضي - أي الحالات الناجمة عن السقوط - وعندما يمضي هذا الشكل الخارجي، سيجدد الإنسان ويزدهر في أصالة الحياة غير الفاسدة. ولن يعود ممكناً له أن يشيخ أكثر. وسوف تكون "سماءٌ جديدة وأرضٌ جديدة" (رؤ1:21). وفي هذه السماء الجديدة والأرض الجديدة، سيسكن الإنسان جديداً إلى الأبد، ومحادثاً الله إلى الأبد).

          إن الإنسان سيخلص لا (من) هذا الجسد، بل في هذا الجسد. لأن الجسد سيعود للإتحاد مع الروح، منطلقاً في وحدة الشخص البشري وانسجامه، نحو الإتحاد مع الله. الروحانية الأرثوذكسية لا تتنكر للجسد، ولا لدوره، ولا ترفضه.. بل هو شريك الإنسان دائماً في كلِّ شيء. في السقوط كان شريكاً، وفي القيامة من الموت. في الجهاد الروحي، وفي الخلاص، في الخضوع للأهواء والشهوات، وفي اكتساب الفضيلة والعمل بها.

          ولأن الإنسان عالمٌ صغير ووسيطٌ لكامل الخليقة، فإن خلاصه يتضمن أيضاً مصالحة كل الخليقة الحيّة وغير الحية حولها وتجليها. إنه الانتقال من "عبودية الفساد" والدخول إلى "حرية مجد أولاد الله" (رو21:8). ويقول القديس كيرلس الأورشليمي: (إننا لا نعمل شيئاً بدون الجسد، إننا بالفم نجدّف وبالفم نصلّي. بالجسد نرتكب الزنى، وبالجسد نحافظ على العفة. باليد نسرق وباليد نعمل الإحسان.. فبما أن الجسد استخدِم في كلِّ شيء، ففي المستقبل يشترك بما سيحدث). 

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا