رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

دَيريْ القديس جاورجيوس والشيروبيم - صيدنايا - .....................جديد الموقع: صفحة نشاطات الدير - آب :رياضة روحية لجامعين التعليم الديني - قطينة..................مخيم يسوع فيك أبتدي لثانويي الفرع الشمالي مدارس الأحد الأرثوذكسية - مركز دمشق...................................صفحة صوت الديرين: حديث الأسبوع 5 أيلول: أنتم هيكل الله (الأرشمندريت يوحنا التلي)....................صفحة صوت الراعي: التوبة (لصاحب الغبطة البطريرك إغناطيوس هزيم) من كتاب آلام فقيامة...........................صفحة سؤال وجواب: ما هي رموز الإكليل؟..................................صفحة مساهمات القراء: تأملات : للأب فادي هلسة "يسوع هذا الشخص الفريد"..........................صفحة الأخبار : حديث روحي للمطران أفرام كرياكوس في دير القديس جاورجيوس

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

حديث الأسبوع (14 آذار)

أرشيف

وعظة الأحد

محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

لرعية كنيسة القديسين قزما ودميانوس     صافيتا 9-3-2010

  التوبة والاعتراف

 

أولاً: مقدمة: مغريات الاعتراف

يرتكز الاعتراف على شخص المسيح الذي نريد أن نكون على مثاله. في المسيح يوجد كل شيء, كل ما هو حسن ونافع. يكفي أن يحبنا المسيح ليتحقق لنا بمحبته كل شيء. ومحبة المسيح تفيدني إن أنا أحببته أيضاً. فإن كنا كبشرٍ وخطاة مدعوين "ليحب بعضنا بعضاً" (1يو23:3). فكم بالحري أن نحب مخلصنا الذي مات من أجلنا. وحينها يسهل علينا أن نحيا مواهب الروح القدس التي هي: "المحبة, الفرح, السلام, طول الأناة, الصلاح, اللطف, الإيمان, الوداعة, والتعفف" (غلا22:5-23). هذه الصور من العيش لإنسان الله يمكنه إكمالها بأقوال بولس الرسول التي ذكرها في نشيد المحبة مثل: "المحبة تتأنى وترفق... المحبة لا تظن السوء... تحتمل كل شيء وتصدّق كل شيء... المحبة لا تسقط أبداً" (1كو4:13-8).

من يمتلك هذه الصفات يمتلك أيضاً المسيح والفرح والسعادة، هذا الامتلاك يتحقق في حال أخلينا أنفسنا من الأهواء عن طريق التوبة والاعتراف، مقتربين بنعمة الذي سكن فينا يسوع المسيح، لنصل إلى درب القداسة. ولما كان الإنسان واحداً بنفسٍ وجسد، فإن الرقي الروحي الذي يصير إليه. يصير لكامل شخصيته، بمعنى أنه ليست نفس الإنسان فقط هي التي تبقى بدون خلل، بل وجسده أيضاً. لأن نعمة الله تغيّر الإنسان وتجعله يتغير, فتختفي عنده كل الأمراض, مثل المرارة والغدة الدرقية والمعدة, فالكل يعمل بنظام. مهم لنا أن نكون متعافين جسدياً, ولكن الأهم أن يكون لدينا عافية نفسية، لأنها الأساس أولاً. فمعظم الأمراض تأتي من نقصان الثقة بالله. أما بلغة علم النفس فهي وليدة الاضطرابات النفسية. ومعظمنا يعرف أن الطب النفسي يشفي بعض أمراض الشلل والربو. كثير من الأمراض التي تتولد من نقصان الثقة بالله أيضاً, يسبب لصاحبه الأرق المكدّر لحياته, وهو ما ينتج غالباً بطلان وجود الحس الديني عنده. وأعظم مخرج من هذه البلايا هو الشعور بعشق نحو المسيح، مع الاهتمام بالأمور المقدسة. وإلا فإن حال الإنسان تميل إلى الكآبة والشرور.

الفراغ القاتل الذي هو مرض العصر سببٌ للكثير من أحزاننا. فعندما يكون الإنسان فارغاً من المسيح, عندئذٍ يصبح جاهزاً لأي شيء أن يملأه كمثل: الغيرة والكره والكآبة والمعارضة لأمور صحيحة, كما وأنه يميل إلى التفكير الدنيوي والأفراح العالمية. أما المخرج من ذلك كله فهو أن يملأ الإنسان نفسه من المسيح. هذا التحول يحتاج إلى وصول الإنسان في تفاعله مع ذاته الفارغة. ليدرك بأنه يحتاج إلى توبة عن كلِّ أفعاله السابقة، وذلك بإحساسه مجدداً بالمسيح. فيبدأ بالاعتراف ليحل ملء المسيح بدلاً من فراغ الذات.

 

ثانياً: الاعتراف والتوبة والأب الروحي

إن بداية عمل التوبة هي أن نسْبُر ما في داخلنا. كما وأن نسمح للأب الروحي أن يتوغل لمعرفة هذه النفس ونوع اهتماماتها. فالاستعداد للاعتراف يستدعي منا مراجعة النفس لفحص الأفعال التي تسبب هذه التصرفات, وما تخفيه الأفعال من خلفيات وبواعث قلبية. كما وأن علينا معرفة الطابع العام الذي توصله أفعالنا لأشخاصنا.

هذا الاستعداد يكشف لصاحبه حسناته وسيئاته على ضوء الوصايا الإلهية التي يقدمها لنا الكتاب المقدس. فمنه نحصل على معرفة مخالفاتنا في أفعالنا. بحيث تصبح تلك الوصايا بمثابة مرآة لكلمة الله. فعندما ننظر في هذه المرآة تحمرّ وجوهنا خجلاً من أفعال ارتكبناها. هكذا النفس, إذا قرأت كلمة الله ودققت في الوصايا التي تمليها عليها تلك الكلمة، لا بد لها أن تلاحظ إن هي امتثلت لها أم لا.

بالاعتراف نعلن عن خجلنا هذا, وبالتوبة نزيله.

فما هي هذه الكلمة (اعتراف) وبالتالي (توبة) ومن ثم (الأب الروحي)؟

1- الاعتراف: سرّ وضعته الكنيسة كواحدٍ من أسرارها، لتخلّص به أبناءها من أمراضهم الروحية التي تصيبهم بعيداً عن نقاوة المسيح، فتعيدهم به إلى الأحضان الأبوية. قال الرسول الحبيب يوحنا: "إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم. إن قلنا إننا لم نخطئ نجعله كاذباً وكلمته ليست فينا" (1يو9:1-10).

لذا فإن الاعتراف بحسب قول العلامة ترتليانوس: (هو ولادة جديدة, نوع من المعمودية الثانية, ومصالحة مع الرب). وهذا يتم بواسطة الكهنة الذين كان الرسل طلائعهم الأولى, منفذين وصية يسوع في قوله: "أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء. وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء" (مت7:8). لذلك عندما نُقبل على الاعتراف فنحن لا نعترف للكاهن, بل نحن نعترف لله أمام الكنيسة مجتمعة. والكاهن هو مكرَّس من الله يمثل الكنيسة ويحمل لنا بلسمها الشافي. والله وحده هو الذي يغفر.

ولغة الاعتراف تبتدئ بعلاقة مع الأب الروحي، يقول عنها يوحنا السلمي: (اظهر جرحك أمام الطبيب الروحي. قل له ولا تخجل: إنها غلطتي أيها الأب. إنه جرحي. وقد أصابني بسبب تهاوني, وليس بسبب أحد آخر, لا إنسان ولا شيطان ولا جسد, ولا أي شيء آخر, بل بسبب إهمالي وحده. كن أثناء الاعتراف مثل المحكوم عليه, سواء في المنظر أم في الفكر. أخفض رأسك إلى الأرض بخجل, واسكب إذا استطعت دموعاً سخيّة على قدمي الطبيب كما لو أنهما قدما المسيح...). وتقوم هذه العلاقة على قاعدة أن يلوم المُعترف نفسه بدلاً من أن يلوم الآخرين. فمن أقوال القديسين: (أعظم الفضائل إرجاع الملامة إلى النفس) ومكاريوس الكبير يقول أيضاً: (احكم يا أخي على نفسك قبل أن يُحكم عليك). أما موسى الحبشي فيقول: (أشر الرذائل كلها أن يزكيّ الإنسان نفسه, والذي يعتقد في نفسه أنه بلا عيب فقد حوى جميع العيوب). لذا فإن تعاليم الآباء القديسين تُختصر بالقول التالي: (إن أدنّا نفسنا رضي الله عنا). لأنه عندما نلوم أنفسنا فلا يلومنا الله, وعندما ندين أنفسنا فلا يديننا الله. وهناك قول مفيد للقديس انطونيوس يقول فيه: (إن ذكرنا خطايانا ينساها لنا الله. وإن نسينا خطايانا يذكرها لنا الله).

فالاعتراف ضروري، وهو من الأمور التي أوصى بها الكتاب المقدس، والتي يقول فيها يعقوب الرسول: "ليعترف بعضكم لبعض..." (يع13:5-16).

2- التوبة: تعني تغيير الفكر, لأنه عن هذا الطريق يغير الإنسان حياته. فتصبح التوبة حينئذ تغييراً داخلياً جذرياً. إنها تَبدُّلٌ في الصورة. الخطوة الأولى في التوبة هي (رجوع النفس إلى ذاتها)، ذلك لأن الأهواء تخرج النفس إلى خارج ذاتها, إلى العالم عوض الحياة. ومن طريق هذه العودة يصير التقدم مستمراً بصورة غير منقطعة. وكما هي خطوة ضرورية للخاطئ، فإنها بذات الوقت ضرورية للإنسان البار، لأنه بها يحدث تجديدٌ دائمٌ للإنسان، ليكون له بمثابة معموديةٍ جديدةٍ تقوده للكمال.

التوبة تقتل فينا بذور الأهواء أيضاً، وخاصةً أنها تبعد الأنانية التي تحجب عنا التواضع لنبقى بعيدين عن سر الاعتراف.

عاش "الابن الضال" (راجع، لو15). في بلدٍ بعيد, وعندما تاب ترك تلك البلد ورجع إلى البيت. لقد نتجت عن توبته تغييرات جذرية. فهو لم يترك الخطيئة فقط, بل (أمكنة الخطيئة) أيضاً. لقد هجر الأرض الغريبة بلد الخطيئة، ورجع إلى عائلته. وما العائلة هنا إلاّ الحضن الأبوي الذي يعيده من حالة الموت إلى الحياة وهذا يتناسب مع قول الأب لابنه بعد عودته تائباً: "ابني هذا كان ميتاً فعاش" (لو24:15). والقديس يوحنا الذهبي الفم يعلّمنا أن التوبة تشمل ثلاث مراحل:

أ- اليقظة والانسحاق.

ب- الاعتراف بالخطايا.

ج‌-  الجهاد ضد الخطيئة حتى الموت.

وإذا شعر الإنسان بحالة الندم على خطاياه، وأراد توبةً حقيقيةً منها، فإن مثل هذا الإنسان لا يترك أي عائق يحول دون اعترافه. فالإحساس بالتوبة والرغبة بها هي طريق ملوكي نحو الكنيسة، التي تؤمّن له أب اعتراف فاضل. كما وأن التوبة الحقيقية تقود إلى اعتراف حقيقي أيضاً وانسحاق قلب كامل، لأن الكتاب المقدس يقول: "القلب المنسحق والمتواضع لا يرذله الله" (مز50) حينها يتدخل الله لمساعدة هذا التائب، فيرسل إليه نعمته الإلهية المقدّسة والمخلّصة. وكما أقيم احتفال للابن الضال بعد عودته كدليل على قبول توبته، هكذا يعمل الله: "فرح في السماء يحصل بعودة تائب واحد يعود" (لو7:15). فيشعر هذا المعترف التائب بأنه يحيا في السماء لا على الأرض، بكونه هو المُحتفى به.

وكم كثيرةٌ هي الخبرات التي فاه بها أصحابها، والتي تعلن عن مدى ابتهاجهم بفضل توبتهم واعترافهم. فهذا شاب يتحدث عن نفسه بعد توبته واعترافه قائلاً: (كإنسان شاب لقد اختبرت كل ملذات هذه الحياة. لكن ما أحسّ به الآن مختلف بالكامل. ثم تابع قوله: إني أنظر لأرى إذا كنت سأعود إلى البيت ماشياً أو طائراً. إنني أشعر كأنني خارج جسدي). مثلاً آخر لامرأة في التسعين من عمرها لم تكن قد اعترفت قبل الستين، تقول: (عندما أخرج من الاعتراف لا أشعر بجسدي. لا أكون أكيدة إذا كنت في السماء أو على الأرض. أشعر كملاك).

3- الأب الروحي: ملجأ التائب هو الكنيسة بآبائها الروحيين. فبعد أن يستقر رأي الخاطئ على الاعتراف لبلوغ التوبة الكاملة. يبحث المؤمن عن أبٍ روحي يساعده، في هذا يقول القديس يوحنا السلمي الذي ينصحنا: (فلنعمد أولاً إلى الفحص والتدقيق، وذلك لئلا تصادف نوتياً بدلاً من ربان، ومريضاً بدلاً من طبيب، ولجّةً بدلاً من ميناء).

هذا الكلام المهم جداً يعني أن يبتعد المعترف عن الأب الروحي الذي لا يملك خبرة محاربة الأهواء الجسدية والروحية. حينها بدلاً من أن نخلص أنفسنا نخسرها، أو كما يقول يسوع: "وإذا كان أعمى يقود أعمى، يقع كلاهما في الحفرة" (مت14:15) فمن هذا القبيل على المعترف أن يُخضع ذاته بتواضع إلى كاهنٍ مُختْبَر، صحيح العقل، متواضع، وخائف من الله، يتكلم عن المسيح وخلاص النفس والملكوت. مثل هذا الكاهن هو من يُطلق عليه أب روحي يملك السلطان أمام الرب.

ولما كانت الكنيسة تحسب أن صلوات الكهنة مقبولة عند الرب كمثل صلوات القديسين. خاصةً بسبب صلواتهم من أجل أبنائهم الروحيين، مما يجعل مثل هذه الصلاة مختلفة عن صلاة التائب لنفسه كما يقول أحدهم: (أن تصلي من أجل نفسك شيء، وأن يصلّي أبوك الروحي من أجلك شيء آخر). ونعلم بأن يسوع علمنا أن: "نصلي بعضنا من أجل بعض" (يع16:5). فكم بالحري أن يصلي من أجلنا كاهن هو خادم الهيكل. لذلك علينا أن نأخذ بعين الاعتبار قوّة صلاة الأب الروحي.

ويوحنا السلمي يطلق اسم (حماية) لشخص الأب الروحي اتجاه ابنه، لأنه بمثابة حصن له ضد الخطيئة. هذا يعني أن الأب الروحي - بنعمة الله - هو إنسانٌ مقتدر، أما بالاتكال على نفسه فهو فاشل. أقول هذا من ناحية ألا نخلط بين الله والبشر. فالإنسان ضعيف والله قوي. ولنعلم أنه حينما نعترف، فتوبتنا متوجهة لله، وغفران خطايانا آتٍ من لدنه. إلا أن ضعف الأب الروحي كإنسان يحمل أهواء غير مُعابة كالجوع والنوم بالنسبة للجسد، والخوف والحزن وألم النفس بالنسبة للروح. ووجود مثل هذه الأهواء عنده تساعده لمعرفة طبيعتنا الخاطئة التي تحمل مثل هذه الأهواء أيضاً. ومن يدري؟ قد يكون هذا الأب قد مرَّ بأهواء معابة خاصةً قبل سيامته وتاب عنها فذاق طعم حياة الروح التي هي حياة الفرح فصار ينظر إلى ابنه عن طريق هذا الرجاء. فالقديس سلوان والقديس موسى الأسود والمغبوط أوغسطين وغيرهم كثيرون سبق لهم أن ذاقوا نعمة أفراح التوبة بعد مرارة الأهواء. لذا نجد أن الأب الروحي هو إنسان وديع في تعامله مع أبنائه.

 

ثالثاً: الاعتراف طريق التحرر النفسي

أياً ما كانت الخطايا, وكيفما أتته. سواء كانت بمسؤولية الإنسان وحده, أو بتأثير من غيره - وأخص بالذكر منهم الأهل الذين يحمل هذا الإنسان تأثيراتهم بدءاً من حمل الولادة، حيث تنقل الأم إلى جنينها مضايقاتها وتعبها وأحزانها وكآبتها, أي آثار تعب جهازها العصبي، الذي يؤثر على بنية الجنين العصبية لتبقى، ملازمةً له حتى كبره - أو نشأت من جانب آخر أتى من إهمالنا ونقص حرارة إيماننا. كل خطايانا التي نحن تحت عبء ثقلها الروحي والنفسي هي تؤثر على مصير حياة الإنسان  الروحية.

ولكن هذا المصير يملك وجهه الصحيح عن طريق الاعتراف، الذي ينال الإنسان به تحرره بمساعدة الأب الروحي. فالاعتراف في جوهره يتعدى ذكر الخطايا وتعدادها, إلى أن يكون حديثاً عن حال هذا الإنسان، من خلال تأثيرات حياته المحزنة والمفرحة منها، وكيفية التصرف حيالها. والمواقف المتخذة بسببها. إضافة إلى رضا النفس المرافق لذلك كله أو عدمه.

ولما كان الاعتراف لله بحضور الأب الروحي، فإن النعمة الإلهية تنحدر على الاثنين. فالأب يتكلم بمشيئة هذه النعمة, والابن الروحي ينال الأشفية من السيئات كلها، مع إزالة آثارها من جراحات وصدمات نفسية ومشاعر تأنيب. فالأب الروحي - والحالة هذه - يسمع حديث ابنه الروحي، مقروناً بأداء صلاةٍ حارةٍ في قلبه إلى الرب من أجل تحرره.

فعل الصلاة من الأب الروحي التي رافق بها كلام المعترف، تظهر علاماتها منبعثة من داخل نفس المعترف. وهو ما يظهر أن هنالك في الاعتراف دوراً مهماً لصلاة الكاهن المعرّف من أجل الابن المعترف. وتشكل هذه النعمة بفضل تلك الصلاة رابطة جديدة تتجدد مع كل اعتراف، فيلمس المعترف أثرها.

ولقد حدثني أحد آباء الاعتراف بقوله إنه يستقبل في كثير من الأحيان معترفين جدداً رجالاً ونساءً. ومن بين هؤلاء أشخاص بعيدون عن التعامل عن قرب مع الكهنة والآباء الروحيين. وبعد نهاية الاعتراف فإن غالبيتهم يتصرفون بدموعهم العذبة النقية، إنهم يأخذون يده تارةً، وتارةً أخرى يديه الاثنتين ويقبلونها بدفءٍ واحترامٍ وحب، شاكرين الله على السعادة المتحصلة نتيجة الاعتراف. وكأنهم بهذا يكتشفون أبوّة جديدة, أبوّة روحية هم بحاجة إليها. فيلثمون يديّ الروح في الكاهن بالرغم من أن بعضهم كان سابقاً لاعترافه هذا يسخر في دنياه من هذا التصرف. فاكتشفت من كلام هذا الكاهن بأن تحرير الإنسان من ضغوطاته النفسية، وخطاياه المكروهة المقرونة بعذابات هو في غنى عنها وهي قابعة فوق نفسه وقد تحرر منها, وهي مرتبطة بالحاجة إلى الخلاص، الذي يتم بعد توبة المخطئ، وقرنها باعتراف أمام كاهن مقتدر، يمتلك أن يدخل داخل نفس المعترف بقوة صلاته, فيرى حالة المعترف التعيسة، وينقل إليه بدلاً منها نعمة الله المجدّدة، تلك النعمة الممنوحة من الله بالمسيح حصراً. فتعمل في داخله بمثابة (أشعّة روحية). كمثل تلك الأشعة التي قال السيد المسيح عنها: "إن شخصاً ما قد لمسني, لأني شعرت بأن قدرة خرجت مني" (يو46:8). هي إذن ليست أشعة طبيعية بقدر ما هي (أشعة إلهية)، فهي تخفف أثقال المعترف وتشفيه، كما شفت المرأة النازفة الدم.

بالتأكيد القوة من يسوع هي عمل إلهي, ولكنها بالنعمة انتقلت إلى رسل المسيح والآباء القديسين ليقوموا بهذا الدّور. هي أيضاً بذات النعمة التي فيها قوة من الصلاة، تكمن في أشخاص الآباء الروحيين والمعرفين بالقدر الذي عليه تكون صلاتهم مرتبطة بنعمة الروح القدس. إنها موهبة الأشفية التي هي عون للمعترفين بواسطة آبائهم.

رابعاً: ماذا يغفر الله للمعترف

كثيراً ما يعترف شخص ما عند كاهن ما. على الرغم من أنه يتناول القدسات بعدها, إلا أن قلبه يبقى حزيناً، ويستمر بحزنه على خطاياه تلك, فاقداً بهجة التغيّر الذي يتم بواسطة النعمة الإلهية الحالة عليه بفضل التوبة الصادقة المقرونة بالاعتراف. إن مثل هذا الإنسان لم ينتفع من اعترافه, لأنه عندما ثار ضد ذاته السيئة باعترافه وصل إلى درجة اليأس والقنوط. وهذه الحالة دلت على أنه لم يتب حقيقة لأنه لازال مرتبطاً بخطيئته، ولم يتحرر منها, وإما أنه واقع في فخاخ إبليس، الذي يوهمه بأنه لا فائدة روحية ينالها بعد خطيئة كبيرة كتلك التي فعلها. فيقع نتيجة هذا في بلادة الهمة. قريباً من الخمول والضجر والملل, ويبقى متحسراً على نفسه من خلال استمراره في القول: (أنا إنسانٌ خاطئ تمر أعوامي عليّ وأنا لا أنفع في شيء). وهكذا يضغط عليه هذا الشعور بالمهانة الذاتية والإحساس بالانحطاط غير المجدي، ويصير كل شيء بالنسبة إليه بلا جدوى. حتى المناولة يتوقف عنها. إنه إنسان وقع في الفخ ففقد رجاءه في محبة الله له. أليس هذا الموقف يتعارض مع روح الله؟

الصحيح في الموضوع أنني بعد اعترافي وتوبتي أُقرّ بعدم عودتي إلى الخطايا التي اعترفت بها، ولا أعود لتذكرّها. لأنه بعد طلب المغفرة ينتهي الأمر, فالله يغفر لي كل شيء ناتج اعترافي. العودة إلى الوراء معناها انغلاقي على نفسي في حالة من اليأس تبعدني عن الصحيح، الذي بدأته بوقفتي المتواضعة أمام الله، المؤدية إلى الفرح والامتنان لعزته الإلهية، من أجل أنه غفر خطاياي. وهو ما يسمح لي أن أتابع حياتي بفرح عن طريق صلاة دائمة، مستفيداً من قول بولس الرسول لي: "أن أنسى ما وراء وامتد إلى أمام" (في13:3). فيزداد تعلّق هذا المعترف بيسوع مع صباح كلِّ يوم، مردداً مع بولس الرسول: "وأنا حيّ, لا أنا إنما المسيح حيّ فيَّ" (غلا20:2). فاكتشفُ حينها الحقيقة في قول الكتاب القائل: "فمن يفصلنا عن محبة المسيح, أشدّة أم ضيق, أم جوع, أم عريٌ, أم خطر, أم اضطهاد, أم سيف. كما كتب إننا من أجلك نمات النهار كله. وقد حسبنا مثل غنم للذبح" (رو35:8-36).

 

خامساً: معيقات التوبة

إذا لم تكن التوبة مصحوبة بقرار صادر عن القلب برغبة وحزم, فإن قرار الشفاه لا يكفي. فالتوبة تتحقق من شعور بحالة الخطيئة صادر من داخل الإنسان. فالذي لا يذرف دموع توبة فإنه لن ينال توبة كاملة ولو ذهب إلى الاعتراف. وهو علاوةً على ذلك, وكما يحصل عادةً, فإنه يتردد في الاعتراف من جهة، ويُصاب بالخجل من جهةٍ ثانية، مما يخلق عنده الحيرة في الذهاب إلى الاعتراف أم لا!! ولكنه غالباً ما سيشعر بثقل ضميره فتزداد حيرته خاصةً وأن الخوف يزداد لديه من تفكيره بالحياة بعد الموت، فيزداد الصراع الداخلي عنده، وهو ما يدفعه لأن يتساءل نتيجة ذلك، من هو الكاهن المناسب وأيهم أكثر رحمة؟ فيسيطر عليه شعورٌ يدفعه للذهاب إلى أبٍ روحي غير معروف. تؤثر حياته عليه في هذه المرحلة فيتمنى حين يذهب إليه ألا يجده، وقد يقرر أن يعود أدراجه حاملاً معه ألمه وخوفه وخجله. ومن المحتمل أن يدخل إلى حيث يقيم هذا الأب الروحي، ويكون حضوره إليه بدون فائدة، لأنه يحمل قلباً مثقلاً، وليس قلباً نقياً.

وهناك أمثلة كثيرة يختبئ الإنسان فيها خلف ظلّه، مبتعداً عن مواجهة نفسه ودربه الذي يسير فيه بالحقيقة. التي بها تكمن سعادته وراحة نفسه. لذلك على المعترف أن يعرف بحسب قول أحد القديسين بأن (الله لن يدين المسيحي لأنه اقترف خطيئة، بل لأنه لم يتب عنها). لأن المرء حين يخطئ ثم يتوب، يكون متصرفاً بسلوكٍ بشريّ، بينما عندما لا يتوب عن خطاياه، فهذا الأمر من خواص إبليس. ولهذا فإن المسيحي سوف لن يدان من الله إلا إذا لم يعش التوبة باستمرار.

 

سادساً: التوبة الحقيقية تجلب التقديس

لا يوجد شيءٌ أرفع سمواً من (التوبة والاعتراف). هذا السر هو تقدمة محبة الله التي وهبها للإنسان. بهذه الطريقة الكاملة يتحرر الإنسان من الشر. الاعتراف هو طريق مصالحتنا مع الله, به يحل الفرح في داخلنا, ويزول الشعور بالذنب. ونحن في كنيستنا قد زال منها وجود طريق مسدود. فكل المآزق لها أجوبة وحلول عن طريق الاعتراف، الذي به ينال الإنسان إمكانية الصفح عن الخطايا. وبفضل الاعتراف يكتشف الإنسان حنان الله، فيسير على درب الخلاص الذي أعده الله لنا.

يسعى الإنسان - وخاصةً الخاطئ - لأن يلتمس حياة السلام والهدوء, فيجد - بسبب ضعفه - إعاقة عن تحقيق هذا المطلب. وهذا ما يدفع به لأن يلتجئ إلى القوة التي بها يصل إلى مطلبه, وهو ما تعلنه الكنيسة أنه موجودٌ بشخص المسيح، القائل على لسان بولس الرسول: "في الضعف تكمن قوتي" (2كو9:12) فيلتجئ الخاطئ إليه عن طريقين؛ الأول هو الصلاة ومطالعة الكتاب المقدس, والثاني هو شخص الأب الروحي الذي يقدم إلينا بلسم الشفاء الآتي من لدن الله. وحين ينطلق الخاطئ على هذا الدرب الجديد، يزول عنه الارتباك النفسي الذي سببَّته الخطيئة، بما يمنحنا من نورٍ ينبلج في أفئدتنا, وهو ما يجعل المسيح يأتي إلينا، بعد أن سبق واستدعانا بقوله: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين وأنا أريحكم" (مت28:11).

الاعتراف المرتبط بالتوبة, هو الطريق لكي يصالح الإنسان نفسه مع ذاته، بعد أن تكون هذه الذات قد عقدت العزم في توبتها أن تكون صالحة. فيتلقى صاحبها النور المبهج الذي وُعِد به والذي تحقق بشخص يسوع حسب قوله: "مادمت في العالم فأنا نور العالم" (يو5:9)، وفي مكان آخر يعلن بوضوحٍ أكثر قوله: "من يتبعني لا يمشي في الظلام، بل له نور الحياة" (يو12:8). وهو ما يضعه على طريقه الجديد الممثل بالصلاة وممارسة الأسرار الإلهية.

كي تتوب النفس ينبغي أن تستيقظ. وهذه اليقظة بالضبط هي ما تتم به أعجوبة التوبة. لأنها تُشرك إرادة الإنسان في توحيد الذات وإنهاء ما أحدثته الخطيئة من انفصام. إلا أن الاستيقاظ لا يرجع حدوثه فقط إلى الإنسان, لأن الإنسان وحده لا يستطيع ذلك. نحن بحاجة لتدخل إلهيّ. إن تدخل الله يتم بأن تنحدر نعمته الإلهية علينا. بدون النعمة لا يستطيع الإنسان أن يتوب, ولنا الثقة بهذا الأمر لأن محبة الله تفعل كل شيء. وهذا الفعل لله يأتي إلينا بصورٍ وأشكالٍ مختلفة, لأن الله يستخدم حالات ضعفنا أو حالات قوتنا بالشكل المناسب، لكي يوصلنا من خلالها إلى التوبة. فالتوبة تتحقق بواسطة النعمة الإلهية, بعد إتياننا بحركة واحدة جدية نحو الله, تنحدر بعدها النعمة الإلهية علينا.

وكما أن الله أحبنا أولاً هكذا الآن أيضاً. فنحن لا يمكننا أن نتوب إذا لم يمنحنا الرب التوبة. وهذا ينطبق على كل أمور حياتنا، لأن يسوع يقول: "بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً" (يو5:15). ولكن علينا أن نعمل ما يسهّل سكنى الله في قلوبنا عن طريق عيش الصلاح والعمل به، وإلا فإن التوبة تبقى بعيدة عنا. وأهم الفضائل المساعدة لهذا الإنجاز هي: (التواضع, المحبة, الصلاة, التعب من أجل المسيح، مع التيقظ الدائم ليبقى الإحساس عندنا نقياً، فيحرك فينا طريق الرغبة بالاعتراف). وهذا الاعتراف ذاته يجب أن يتأسس على نقاوة النفس بمعنى أن الإنسان حين يذهب للاعتراف ونفسه لا تزال تحمل اهتمامات الدنيا وهمومها, فهو لن يمتلك باعترافه شعوراً بالارتياح، الذي يشعره آخر لا يحمل في داخله إلا محبة الله، مقرونةً بالرغبة بالتوبة عن كلِّ خطيئةٍ ارتكبها. في مثل الحالة الثانية تكون التوبة نافعة, ومحققة لصاحبها طريق القداسة. حينئذ بإمكاننا القول إن التوبة تقدّسنا.

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا