رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

دَيريْ القديس جاورجيوس والشيروبيم - صيدنايا - .....................جديد الموقع: صفحة نشاطات الدير - آب :رياضة روحية لجامعين التعليم الديني - قطينة..................مخيم يسوع فيك أبتدي لثانويي الفرع الشمالي مدارس الأحد الأرثوذكسية - مركز دمشق...................................صفحة صوت الديرين: حديث الأسبوع 5 أيلول: أنتم هيكل الله (الأرشمندريت يوحنا التلي)....................صفحة صوت الراعي: التوبة (لصاحب الغبطة البطريرك إغناطيوس هزيم) من كتاب آلام فقيامة...........................صفحة سؤال وجواب: ما هي رموز الإكليل؟..................................صفحة مساهمات القراء: تأملات : للأب فادي هلسة "يسوع هذا الشخص الفريد"..........................صفحة الأخبار : حديث روحي للمطران أفرام كرياكوس في دير القديس جاورجيوس

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

حديث الأسبوع (7 آذار)

أرشيف

وعظة الأحد

محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

             لفرقة القديس يوسف الدمشق (العاملين- فرع جديدة عرطوز)

   4-3-2010

 الحياة الروحية وعيشها في هذا العصر

 

أولاً: مقدمة: مكانة الحياة الداخلية

كلُّ إنسانٍ على وجه البسيطة يحوي داخله إنسانه الداخلي مع إنسانه الخارجي. وكلُّ إنسانٍ يشعر بين وقتٍ وآخر أنه بحاجة للاختلاء بنفسه والرجوع إلى ذاته. كما ويشعر بأن العالم الخارجي بجميع الطرق يجذبه بعيداً عن نفسه، محاولاً إلهاءه بأمورٍ أخرى مغايرة لمتطلبات حياته الداخلية. إلا أن الحياة الداخلية هي أساس حياة الإنسان كله، الذي يمتزج في داخل عالمه الداخلي، حياته الشخصية من ناحية، والحياة الاجتماعية مع إخوته ومعارفه. في الحياة الداخلية يتم اللقاء مع الله. ويزداد المرء عمقاً ووجوداً حقيقياً أمامه. فتنمو الحياة الداخلية وتكبر، ولا تبقى على ما كانت عليه. فالمسيح يقول لنا: "أنا فيكم وأنتم فيّ" (يو20:14). فنأخذ المسيح معطي الحياة في داخلنا ليصير هو حياتنا, وهذه العملية يؤكدها الكتاب المقدس. فالله يخاطبني فيه: "يا بني أعطني قلبك" (أم26:23). وبولس الرسول بحسّه الروحي الداخلي يقول: "لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيّ" (غلا20:2). بهذه العملية يصير المسيح قلبنا، أما سكناه فينا فتتم بوساطة روحه القدوس. إنها الحياة الروحية المسببة للإنسان أعظم ما تطمح إليه نفسه، بأن تنطلق إلى آفاقٍ بعيدة الغور: المسيح من جهة والعالم برحابته من جهة أخرى. والإنسان في الأساس ليس منقسماً إلى داخلي وخارجي، تبعاً لكونه نفساً وروحاً وجسداً، بل إنه (كلٌّ متكامل) يعبر عن ذاته بأوجه مختلفة. فإذا كان برنامجه الداخلي يعيده روحياً إلى ذاته، فإن التكامل لشخصه هو الخروج من الذات في موضوعٍ آخر، بحيث يتم الانتقال من ذاته (الأنانية) المغلقة المتكبرة، إلى (أناه) المنفتحة السخية والمحبة لينال الوجود الحقيقي. هذا التمييز بين (الأنا الاستيلائي) و(الأنا المنفتح المعطاء) هو تمييز كلاسيكي يُدرس في علم النفس. أما في حياة الإيمان أو اللاهوى فإن الانتقال من حالتي الأنا السالفتين يتحقق بالقدر الذي به يكون الإنسان مقبلاً وراغباً بالعيش في حياة الله، والطاعة له. فيتم له عند الخروج من الذات المنغلقة، أن الروح القدس يأتي ويسكن فينا.

ولنعلم أنه في الحياة الداخلية هناك درجات، ومثلها تتشكل الأمور في العالم الخارجي. ومن خلال درجات العالم الخارجي، الذي يأتينا عن طريق الحواس ثم العقل. يتضح لنا هناك ما هو أعمق من العقل، نراه من خلال النزول عبر درجات سلّم الروح، فينكشف لنا في هذا النزول اكتشاف مركزنا الداخلي.

الحياة الداخلية هي انطلاقٌ في جوهرها، يتم فيها خروجٌ من الذات، وهي جهادٌ لا يتوقف حتى ينتهي بالعودة إلى الذات بوساطة الروح القدس. محققاً في هذه الخاتمة السعيدة تجاوز الذات. ولنا من الإنجيل مثلٌ واضح في حادثة التجلي، لنعرض فيه معنىً للحياة الداخلية حيث أن (الرب صعد إلى جبلٍ عالٍ مع تلاميذه على انفراد) بعيدين عن ضوضاء هذا العالم واهتماماته. "وهناك تجلى أمامهم" فرأوا نوراً آخر غير الشمس، رأوا النور الأزلي الذي لا يُدرك، الذي هو استباق لنور القيامة. إن ما رأوه هو نور الحياة وعدم الفساد، لا بل هو غاية الحياة الداخلية الروحية. وغاية حياتنا هو أن نلمس هذا النور الذي خلقنا لأجله.

وعلى صعيدٍ آخر هناك طريقان أمام الإنسان لعيش نهج الحياة الداخلية. فمن جهة هو عضوٌ في العائلة البشرية المخلصة ليسوع. فالإنسان الفرد ليس وحده في الوجود. بل يحيا هو مع الآخرين حياة خدمة وطاعة ومحبة وصلاة جماعية، متعاونين ضد العادات السيئة مثل الكسل والأنانية والكبرياء.

ومن جهةٍ ثانية هو عضوٌ ملتزم في الكنيسة، مما يستدعي اشتراكه في صلواتها، وخاصةً الاشتراك في تناول جسد يسوع ودمه المقدسين. وألا يهمل الصلاة من أجل الآخرين مع ممارسة عمل الإحسان.

الكنيسة أمّنا، وقد ولدتنا بالمعمودية وكلنا أبناؤها. لذلك علينا أن ننمّي الحس الكنسي فينا، ليسيطر الشعور بتلك الجماعة الواحدة الحاملة لرسالة المسيح: (فما من أحد يعيش لذاته، ولا من أحد يموت لذاته). عضويتنا في الكنسية تدعونا لتنمية هذا الحس الكنسي في دواخلنا عن طريق صلواتنا وخدماتنا. وبأن يكون فعل المحبة ليس بالكلام فقط بل بالفعل والحق لتصير المحبة: فاعلة ومسؤولة وباذلة. وتزكية أنفسنا تتحقق أيضاً بالصلاة، وخاصةً الصلاة من أجل الآخرين المقرونة بالخدمة والعمل أيضاً. بحيث يكون لنا مواقف كنسية مبدئية نسلك على ضوئها. وسأذكر الآن وصيتين أساسيتين علينا أن نتيقظ لتطبيقهما: الأولى هي وصية الرب في عدم الإدانة: "لا تدينوا لكي لا تدانوا" (مت1:7). والثانية وصية بولس الرسول: "إذا أخُذ أحدٌ بزلةٍ، فأصلحوا أنتم الروحيين مثل هذا بروح الوداعة" (غلا1:6). فالمصالحة الدائمة المرتبطة بالسلام والمحبة هي هوية الإنسان الروحي في عصرٍ نحياه اليوم.

 ثانياً: أنواع مسيحيي اليوم

هناك ثلاثة أنواع للمسيحيين في عالمنا المعاصر:

1- المسيحيون الاسميون: هم الذين اكتفوا بأن مسيحيتهم قدمت لهم اسماً يتسمّون به. هؤلاء المسيحيون هم الذين تشير إليهم كلمة الله بحسب سفر الرؤيا، ممثلين (بأسقف ساردس) الذي تقول عنه الرسالة الموجّهة إليه: "أنا عارفٌ أعمالك، إن لك اسماً أنك حيٌ، وأنت ميت" (رؤ1:3). هم أحياء جسدياً، ولكنهم أموات روحياً. فإذا حضروا القداس الإلهي وتناولوا خلاله، فإنهم يحضرونه كواجب أو عادة، وتكون مناولتهم بدون استحقاق. وهم رغم امتلاكهم للمعرفة النظرية لما يقومون به، بالإضافة إلى أن أسماءهم مسيحية، إلا أن حياتهم الروحية غير منقادة للعيش بالمسيح. قد يكونون نشيطين بأعمال الجسد، يعبدون المال والشهوات. ولكنهم بالروح بعيدون عن الحياة بالمسيح. ولهذا فهم بسبب خطاياهم أموات لأن "أجرة الخطيئة موت" (رو23:6).

2- المتدينون بحسب المظهر: هؤلاء يتمثلون بأولئك الذين كتب عنهم بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس قوله: "لهم صورة التقوى، لكنهم منكرون قوتها....فأعرض عنهم" (2تيم5:3). فهم يذهبون إلى الكنيسة ويصومون كذلك، لكنهم بعيدون عن إدخال إنسانهم الداخلي بفاعلية هذه الممارسات. ولقد وصفهم السيد المسيح بقوله إنهم: "قبورٌ مبيضة، تظهر من خارج جميلة، وهي من داخل مملوءة ...نجاسة" (مت27:23). يتمثلون في آيات الإنجيل بالعذارى الجاهلات. فبالرغم من أنهن يحملن مصابيح الحكيمات نفسها، إلا أن هذه المصابيح تختلف في جاهزيتها، لأنها فارغة من زيت نعمة المسيح الذي يضيء في الظلمة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم عن أمثال هؤلاء: "هذا الرياء - رياء المتدينين بالمظهر - يمثل لصاً خطيراً يسلب المتدينين كل ما لديهم، فهم لا يخدعون الآخرين فحسب، وإنما يخدعون أنفسهم أيضاً، فيرون أنهم أفضل من الآخرين، ولا يقبلون التعليم الصحيح".

3- المؤمنون الحقيقيون: وهم الذين قال عنهم الكتاب المقدس: "وأما كل الذين قبلوه أعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه" (يو12:1). هؤلاء يريد يسوع أن يشركهم في حياته، فيأتي إليهم بحسب قوله: "هاأنذا واقفٌ على الباب وأقرع، إن سمع أحدٌ صوتي، أدخل إليه وأتعش معه وهو معي" (رؤ20:3).

          هؤلاء يتصفون بمثال العذارى العاقلات. فقلوبهم امتلأت بزيت النعمة ومحبة المسيح، فيشع نوره في قلوبهم وحياتهم. ومن أبرزهم شاول الذي انقلب من التدين الظاهر ليصير بولس بالتدين الحقيقي. و(ليديا) بائعة الأرجوان التي صارت مؤمنة حقيقية (أع16). وهناك كثير من القديسين كمثل مريم المصرية وموسى الأسود وأغسطينوس المغبوط. الذي تتمثل حياة كل منهم بالإيمان الحقيقي.

          ونحن في حديثنا اليوم نخاطب أولئك المؤمنون الحقيقيون في محاضرتنا هذه.

 ثالثاً: أنماط الإنسان وتكوين شخصية الإنسان الروحي

عندما نتحدث عن الحياة الروحية وعيشها في هذا العصر، تتجلى أمامنا صعوبة تكمن في السؤال التالي: عن أي إنسانٍ تتكلم؟ هناك مستويات وأنماط وشرائح تتبع تلك الأنماط للمسيحيين، وسأعددها باختصار:

1- المؤمنون الذين يتبعون الجانب الروحي بامتياز، أي أن الروح القدس يغلب في أحدهم، ليكون الجانب الروحي وحده هو المقبول لديهم.

2- الذين يتبعون الحياة الروحية العقلانية وهم قريبون من الشريحة الأولى، ولكنهم يدرجون العقل لا ليخدم قضايا الروح فقط، بل أيضاً للتحدث بقضايا الروح من خلال العقل.

3- هناك مستوى من الناس تجعل العقل وحده أي العقل المحض هو المحرك لحياتهم. فهم يهملون الجانب الروحي الذي يعجز العقل عن تفسيره، ويرضون بكل الأمور التي يطولها العقل.

4- هناك من ينظرون إلى الحياة وجهة نظرية (عقلانية جسدية)، فهم بالرغم من أنهم يسخرون حياتهم لأمور الجسد، إلا أنهم يلجمونها بمقتضيات العقل، فما لا يراه العقل مناسباً يرفضونه.

5- المستوى الأخير هو للشريحة الجسدية. فشهوة الجسد تغلب على مثل هذا الإنسان. ويرضى أن تكون حياته هي حركات الجسد من غرائز وشهوات فقط، فلا الروح له دور فيها، ولا العقل أيضاً.

في الخطوط العريضة هذه هي نوعية الأشخاص في مجتمع عصرنا. فشخصٌ يربط حياته بهذا اللون، وآخر يربطها بغيره وهكذا. فيكتسب كل إنسانٍ طباعاً معينة تأتيه من نمط الحياة التي يعيشها. وتحمل هذه الطباع رؤيته المخصوصة للأمور ومواقفه منها، فتتشكل عاداته ومشاعره، التي تجعل حياته؛ إما روحية، أو عقلانية، أو جسدية.

ولكن هذا التصنيف ليس قدراً لا يتغير، بل إن علينا أن نعلم بأن كل إنسان قادر أن يبدل المستوى الذي يحياه بغيره، إذا تبنى قناعات مغايرة. وهو ما يتحقق بإضعاف أحد جوانب حياته من خلال تبنيه للجانب الآخر الذي يسعى مريداً لتقويته في شخصه. ولهذا قد يسقط الإنسان الروحاني في العقلانية، ولهذا أيضاً فقد يرتقي الإنسان الجسداني بعيداً عن شهواته ليحيا في الحياة الروحية.

ولهذا فإن حديثنا الآن يستدعي منا تيقظ الجانب الروحي، الذي نريد له أن يتجلى بأوضح بيان، مسانداً خلجات الروح. وهذا ما يفرض علينا أن نهتم بالموضوعات التالية:

1- محبة الله ومخافته: وهذا يتم بعد التسليم والقبول بوجود الله، وبأن (أوامره نورٌ على الأرض). وهو ما يدفع إلى الفرح به على أنه قاضٍ وديان. وما اكتشاف هذا الأمر إلاّ القناعة الآتية من حركة الدين الطبيعي، كدستور مسطّر في روح هذا المؤمن.

2- الضمير: فبعد أن كشف الله شيئاً من شموليته عن طريق الإيمان الطبيعي، ترسّخ في نفس هذا المؤمن القبول بقدسية الله وصلاحه. وينتج عن هذا مهمة للنفس المؤمنة بأن تسهر، وأن تحكم على ما هو حق وباطل. من هنا يأتي دور الضمير ليكون (كتاب خط الله فيه كل التشريعات التي فرضها على الشعوب أجمعين).

3- الشوق إلى الله: هذا الأمر يجد تعبيره في توق البشر أجمعين إلى الخير الأسمى. ولما كانت الروح آتية من الله، وإليه ساعية، وبه تعالى تلتمس الأنس والسكون والهدوء. لهذا نجد أن الكثيرين من الناس في سعيٍ مستمر لهذا الالتماس. وقد عبّر الكتاب المقدس عن ذلك بقوله: "كما تشتاق الأيل إلى الماء، نفسي تشتاق إليك يا الله" (مز1:42). لذا فمن المهم أن يحقق الإنسان هذا المسعى واقعياً، فيغذي هذا الشوق إلى الله، ليصير من عداد المؤمنين الذين يتبعون الجانب الروحي في الحياة.

وهذه الفقرة تحتاج إلى تعقيبٍ مفاده: أن الإنسان بطبعه (حرّ)، وأن هذه الحرية هي هبة له مقرونة مع وعي الذات. ومن هذا الاقتران يتشكل لنا الجوهر الأساسي الذي يسمح بأن يكون مقروناً بالروح. لأن الإنسان بحسب رأي برديايف: (ابن الله، وربيب العدم، ووليد الحرية). فوحدة هذا المنبت الثلاثي للإنسان هي التي تشكل شخصيته الخلاّقة له. ونستفيد من هذا أنه إذا أزلنا الحرية والوعي الذاتي للإنسان، فإننا نزيل الروح أيضاً، الذي هو البعد الإلهي فيه، فلا يعود إنساناً. والصعوبة تكمن أن الإنسان الذي يتمتع بالوعي الذاتي الكامل وبالحرية هو الإنسان الذي يقع عليه الذنب إن صار في وضع الإنسان الخاطئ. ولهذا مدعوّ أمام الله والناس لأن يقدم الجواب لتفسير كلِّ أفعاله.

رابعاً: شجاعة الشهادة هو الشرط الطبيعي لعيش حياة مسيحية

الإنسان بقواه الخاصة ضعيف, وهو بعون الروح القدس, بالله, قوي. فإنسان اليوم, كما كان في كل الأيام الخالية، فإنه مازال يحيا في جيل لم يسبق له وجود من قبل، وعليه أن يواجه من خلال حياته مشكلات جديدة، أخذت تطرأ بصورةٍ غير مألوفة لإنسان البارحة. لذا هو مدعو أن يتوجه نحو الله ويطلب منه (شجاعة الشهادة). لأن الشهادة هي مقياس أخلاقية الإنسان المسيحي المفصحة عنه. إن امتداد الكنيسة في العالم يرتكز إلى قوةٍ خارقة. والإنسان الذي يحيا في العالم, إنما يحيا في جحيم هذا العالم. ومن خلال سعيه لكي يتقيد بوصية السيد المسيح (بألا يكون من العالم, رغم أنه من العالم). لأنه إن لم يستجب لهذه الدعوة يكون قد سار في طريق اليأس، متنازلاً عن ارتباطه (بعالم الله) الذي يدعو إليه المسيح، على حساب تحالفه مع أمير هذا العالم الذي هو الشيطان. إن المسيحي الذي يتمسك بعدم التنازل عن دعوة المسيح، ويرفض تحالفه مع أمير هذا العالم، يظهر أنه مرتبط بولادته الجديدة يوم اقتنائه لها أثناء معموديته المقدسة.

بالمعمودية ينال الإنسان المسيحي طاقةً روحية، عليه أن يجندها لتكون مرتبطة مع باقي القوى الروحية، لتصبح جهوده التي يدعمها الروح القدس هي طريق بذله لذاته بالصورة الصحيحة. إمكانيتي كإنسان لاستحقاق قول (لا) أو قول (نعم)، بالرغم من الصعوبات التي توافق الإقرار أو عدمه، هو ما يجعلني أتحلى بشجاعة الشهادة وأن يتمكن الإنسان, وبالصيام خاصة, أن يقول (لا) بالكلمة أو الاقتراع، في كلِّ جزئيةٍ من سلوكه، كأن نطفئ التلفاز أو نتجنب بعض السهرات، هو مثالٌ واضحٌ على هذه الشجاعة. وهكذا يبدو النسك كموقفٍ دائمٍ للراهب متحققاً في حياة العلماني بدرجةٍ كبيرةٍ في الصوم، مما يعطيه القدرة أن يستمر بطريق عدم الفساد خارج أوقات الصوم.

نخلص من ذلك إلى أن الاستهلاك الذي يميز حضارتنا بصورةٍ رئيسة اليوم, لا يجد له مكان في أساس الحياة الروحية المسيحية التي يعيشها المسيحي في ظاهرة الصوم. إن الإنسان الملتزم بالصوم هو إنسان قد تحرر من الإفراط في الاستهلاك حكماً, لأنه بمقدورنا أن نعيش في هذا العالم دون أن تستعبدنا شعارات الدعايات التي تطلقها الفئة المستفيدة منها. وفي سياق حياة الاستهلاك في حضارتنا، فإن النشاط الحاضر يعرض حياة اللهو أمام كل فرد باستمرار، لدرجة الوصول إلى حالة التشتت في مرتكزات شخصيته التي شرحناها، وهذا أمر ليس بروحي. بل في بعض ألوانه ناتجٌ شيطاني باستحقاق. إن ما يقابل هذا هو حال الدعوة التي توجهها الكنسية للتحلي بشجاعة الشهادة، التي تبلغها لكل فردٍ من رعيتها، حيث تمنح إنسان اليوم أن يتجمع من خلال تلبية دعوتها ليمتلك التركيز والاتحاد عن طريق الصلاة, مع التأمل المركز في كلام الله.

كما أن الكنيسة تدعو المؤمنين اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، لكي يرتبطوا بأسس النمو في حياتنا الروحية عن طريق الاعتراف بالخطايا، لتكون حياة التوبة, لا بل التوبة الدائمة، هي طريق مقاطعة رغبات الشيطان، الداعية لنا إلى هجر حياة الكنيسة. هذا الرفض لعالم الشيطان وفكره، يقابله قول (النعم) لاكتساب العيش بحياةٍ جديدة، التي فيها ينفتح القلب على المحبة الحقيقية. علاوةً على كلِّ هذا، فإننا عندما نعترف بخطايانا بقلبٍ متواضعٍ في توبةٍ صادقةٍ لاستئصال جذور الشر، نكون قد أصبحنا مستنكرين لطرقه. ونادمين على كل فكر أو عمل يؤذي سلامة أرواحنا سبق لنا أن ارتكبناه.

من أجل هذا ترتبط حياة النسك واقتناء الفضائل (بالافخارستيا). النسك بأسسه موجَّه نحو الشركة مع جسد المسيح ودمه. أما مجهودنا النسكي المستمر، فيحول عالمنا إلى أرضٍ مخصبةٍ نروي به عطشنا ونُشبع من خلاله جوعنا، بحضورٍ لله مخصبٍ في أرض نفوسنا القاحلة.

خامساً: التجارب مفيدة لحياتنا الروحية في هذا العصر

يحمل وجودنا البشري لوناً من ألوان الصراع، يتمثل بوجود تجارب مستمرة في حياتنا، نتغلب بتجاوزها على ضعفات أنفسنا. وهذا ما يمنحنا الصبر الذي هو أحد الأسس المهمة لحياتنا الروحية. فالتجربة المرتبطة بالحرية تشكل مادة تجربتنا التي نُصرُّ فيها على تعاليم المسيح والآباء القديسين، مما يجعل حياتنا هي طريق قداستنا. فعندما يقبل الإنسان واقع تجربته بملء حريته, يكون قد استخدم حقه في إمكانية قبوله للتجربة أو رفضه لها. فالقبول يعني أن أقبل كل ما هو آتٍ من الله والمعبر عنه بعبارة الإنجيل: "لتكن مشيئتك"، التي تجعل من تبني قلب الإنسان لها أن تصل إلى حدِّ التصاق القلب بها. وهو بهذا التطبيق لها، يكون قد رضي أن يسير من خلالها في درب الآلام، مع تذكره الدائم أن الألم في المسيحية مرتبط بالظفر, كما وأنه أيضاً مرتبطٌ بالفرح.

مما لا شك فيه، هو أن طريق التجارب بكونه آتٍ من لدن الله، ففيه يتمثل الطريق الضيق الذي ندخله باختيارنا. تاركين الطريق الرحب بدون تذمر. ولنعلم أيضاً أنه على أساس قرارنا في اختيار الطريق الذي سنسلكه في هذه الحياة, سنحصل في نهايته على الحساب المناسب له، والذي بموجبه سننقاد إلى الفردوس من قبل الملائكة, أو ننقاد من قبل الشياطين إلى الجحيم. عظيم بنا أن نُسلِّم أمرنا إلى يدي الله بثقة وشجاعة وفرح. غير متشامخين ولا متخاصمين مع أي إنسان, ولندع الآخرين يفعلون بنا ما يريدون. وبهذا ندخل في التجربة التي بواسطتها نتنقى من أهوائنا وضعفاتنا. يصعب علينا في عالم اليوم قبول مبدأ احتمال التجربة وتقبّلها، ولكننا عسى أننا نتمكن من احتمال التجارب عن طريق قبولنا لهذه النصائح الآبائية:

1- ننتظر التجربة, وعندما تأتي نقبلها كزائر مرحَّب به.

2- حين يحصل شيء يستدعي تمرمرنا وانزعاجنا, فلنقم في تجميع انتباهنا في قلوبنا، مجاهدين للظفر بكل قوانا بتعب وصلاة, بحيث لا يتولد بداخلنا أي شعور بِغَيْظ.

3- في حال اضطُهدنا, فما علينا إلا أن نقاضي مضطهدينا بمحبتنا, وبأقوالنا, وبسلوكنا, وحتى بنظراتنا. مُظهرين بذلك للآخرين صدق محبتنا لهم، بالرغم من كل ما فعلوه. ويجب ألا نُذكِّرهم بمقدار ظلمهم لنا.

سادساً: نصائح آبائية من أجل حياة روحية حقيقية

من أهم العقبات التي يواجهها المسيحي في مسيرة حياته الروحية اليوم هي: الضجر والسأم والملل المتولدة كلها من الفراغ. كم هو غريب هذا الشعور, بعد أن منح المسيح قلوبنا سلاماً وحياتنا معنى, ونشر محبته في أرجاء قلوبنا لتبث الدفء في نفوسنا. فلماذا إذاً هذا الضجر والسأم والملل! إن كنا نملأ وقتنا بالأعمال الصالحة؟ وإن كنا نجاهد من أجل خلاصنا. إذا كنا متقيدين بهذه النصائح الهامة خاصةً:

1- لتكن أعمالنا بمعرفة الرب, عندها لن نسقط في مكائد الشرير الذي يصنع الشر عن طريق الصلاح.

2- عظيم هو الإنسان الذي يقطع مشيئته الذاتية، ليحرز تقدماً عن طريق الاستعانة بالمشيئة الإلهية.

3- إن تهامُلَ الإنسان في حياته المنحرفة عن طريق الله، تجعله يقع في يد العدو، الذي يدفعه إلى الوقاحة حتى لا يتواضع. لذا عليه أن يقبل التوبيخ. وأن يعود إلى الطريق القويم ويصطلح.

4- التمسك بالرفقة الصالحة واجتناب الرديئة. غالبية الأشخاص مثل اللص والمضل والفاسد، لم يولدوا هكذا، بل اكتسبوا هذه السيئات من معاشرة مفسديهم، وعلى رأسهم الشيطان مفسد الأفكار.

5- عدم البحث أو التحدث في شرور الآخرين حتى لا يتلطخ الفكر الصافي بذلك.

6- فليكن جهادنا في سبيل الفرح بعيداً عن الأفكار السلبية التي تبعدنا عن الله لأنه قال: "كل من أضاع حياته من أجلي يجدها" (مت39:10).

7- ليكن التواضع رفيق حياتنا أينما ذهبنا ومهما فعلنا، لأنه كما يكتسي الجسد باللباس هكذا النفس تكتسي بالتواضع.

8- فلنهرب من المشورة الرديئة، ولنعمد ألا نصغي لمشورة القائلين: بما أنني سوف أموت فماذا أنتظر؟ ويلٌ للإنسان الذي يسمع مثل هذه المشورة، وللنفس التي تخضع لمثل هذه الأقوال.

 سابعاً: الحب كأساسٍ للحياة الروحية المعاصرة

بالحب وحده دون سواه، يستطيع إنسان هذا العصر أن يتغلب على الأزمات الصعبة، ويبقى كإنسانٍ يحيا للروح، منتصراً على كل هجمات المغريات، التي يجب أن يعتبرها كآفاتٍ يحرره الحب منها. الحب بين البشر يحقق المعجزات أحياناً. فكم بالحري بالإنسان إذا ارتقى بحبه نحو الله بثالوثه القدوس، وأقام علاقةً شخصيةً مع كل من الآب خالق الكون، ومع الابن أيضاً، ومع الروح القدس. فالله بحبه أعطى الروح للإنسان، فعرف بهذه الروح المقدسة خالقه، واكتشف بهذا الحب أن الروح القدس هو حبٌّ يمنح المؤمن عذوبة النفس والعقل والجسد.

لا بل إن الإنسان يكتشف أكثر من هذا، يكتشف أنه ليس لحب الله من حد. القديس سلوان الآثوسي يعطينا هذه المعلومة قائلاً: (أعرف إنساناً زاره السيد بنعمه - أي - بحبه ولو أراد أن يسأله: "أتريد أن أمنحك بعد نِعَمْ أغزر؟" لكان جوابه، بسبب ضعف البشر: "أنت ترى يارب، أنك إذا أعطيتني أكثر فسأموت". لأنه محدود ولا يستطيع تحمل ملء النعمة. أي ملء الحب). وعلى الآلية الإنسانية في هذا المثال، سقط الرسل بوجوههم على الأرض على جبل ثابور عندما عاينوا مجد السيد. ولهذا ليس هناك من يتمكن من فهم عطاءات النعم المنبعثة من هذا الحب الإلهي العظيم.

الله سبحانه عرّفني بحبه الكبير لي أنه يفتديني، وذلك بتقديم ابنه ذبيحة لأجل خلاصي، فقال لي: (أنا لا أريد تعويضاً منك لي على ذلك. ولكن إن كنت تريد أن تقدم من ذاتك ولابدّ. فأطلب منك أن تحب الآخرين كمثل حبي لك).

حب الله لنا أورثنا علاقة حبٍ جديد مع شخص ابنه يسوع المسيح، مصحوباً بوصيةٍ مناسبةٍ لتحويل عصرنا المادي ليكون متروحناً، من خلال إدخال حبنا لبعضنا البعض فيه. حبٌ بلا شروط وبدون عتب، حبٌ مجاني يتمثل بحب الأب والد الابن الشاطر، الذي ألبسه حلّة جديدة بدلاً من أن يعاتبه، ووضع في إصبعه خاتماً ثميناً، وحذاءً في قدميه أيضاً. هذا هو الحب الذي يفتقد إليه عصرنا، والذي مُثِّل لنا بصورة ذبح العجل المسمّن. من أجل فرحٍ وتهليلٍ يشترك فيه الجميع. بهذا الحب نتمكن من أن نقبل بعضنا بعضاً، ونحب بعضنا بعضاً. ونفرح بعودة الضالين. لنبقى متآلفين بعضنا مع بعض.

من أزمات عصرنا أن فيه حباً، ولكن ليس مبنياً على التضحية وبذل الذات دائماً. والأهم أنه غالباً يفتقد لحضور نعمة الروح القدس فيه. علينا ألا ننسى طلبنا الدائم من الله أن تحل نعمته على حبنا بعضنا لبعض. وألا ننسى أيضاً أن نرتقي بالنعمة ليعمل الروح القدس فينا، لكي نكتشف بالمثل حب الآخرين الحقيقي والصادق لنا. لأننا بالروح القدس الساكن فينا نمتلك أن نكون مميزيَّن بين الحب البشري والحب الإلهي. وهذا ما يمنحنا أن نعلم أيضاً أنه كلما كان الحب كاملاً كانت المعرفة كاملة أيضاً.

ولما كان عصرنا هو عصر الافتخار بذكائنا وعقلنا وقدراتنا التكنولوجية، فإننا ننسى في كثير من الأحيان أن نعرف أكثر من هو إلهنا؟ لنقول عنه إنه إله الحب.

نعم، إن بتواضعنا تحمل أنفسنا رقّةً وعذوبة أكبر، وحينها تهتف أنه لا أحد يملك قدرةً على الارتواء من معين حبك. وإذا ما حققت النفس هدفها، يأخذها السيد بيده ويدخلها في ملكوته، ويجعلها معاينة لمجده.

هذا الحب الذي نجده في هدفنا يدفن به السيد نفوسنا، وبحرارة الدفء المنبعث منه، نتوجه مغمورين بغنى هذا الحب لله ولكل آخر أيضاً.

عالمنا يميل إلى الجفاف، شأنه شأن طقسنا الذي تنقصه رطوبة المطر ونقاوة الثلج. ولكننا بالحب نستبدل الجفاف فيه بحالة ارتواء، فنمتلك مما صرنا عليه أنفساً متضعةً ومحبة، بعيدة عن الأفكار الشريرة، وقريبة من الأفكار الصالحة المقرونة بالفضائل الحميدة.

حينئذٍ نمتلك أن نقترب أكثر من الإنسان الآخر، لا بل ومن الطبيعة أيضاً، والتي نحن بلغة اليوم بحاجةٍ للتعاطف معها، ومعرفة معاملتها بشكلٍ أفضل لتكون البيئة المناسبة. وهذا الكلام هو مدلولٌ لذلك الحب الغائب من حياتنا، الذي نرجو أن يعود ويوجد فيها. حبنا للإنسان يمتد ليكون حباً للكون، للتراب الذي كوننا الله منه. وللأثير الذي يطل فيه الروح القدس ليدخل لذواتنا.

حياة اليوم يخالطها عكرٌ كبير لكثرة ما فيها من اضطراب. القلق يزيل السلام الذي يجب أن يسود العالم ليكون للتواصل بين الأشخاص والشعوب، وبين أبناء المعتقدات الدينية والفكرية هو ما يجب أن يكون. إن بإمكاننا إعادة ذلك عن طريق هذا الحب، الذي يمتلك قدرة صنع العالم للإنسان من جديد، فيكوِّن فيه الناس علاقاتٍ طيبة بعضهم مع بعض.

إن الله يغيّر وجه الكون عندما نتشبّه به حين ننظر للآخرين بطريقة نظره إلينا. والسؤال كيف علينا أن نتشبه به؟ لن نمتلك ذلك إلا إذا صرنا نحب الآخر، كما يحب هو الإنسان!! لقد أحب الله من خلال شخص ابنه أعداءه حين قال لهم: "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون" (لو34:23). هكذا تعلمنا من السيد الرب محبة الناس حتى الأعداء منهم، وهو لم ينتظر اختبار الصلب ليقول لنا ذلك، بل استبق تلك الحادثة وعلّمنا هذه المحبة قبلاً بقوله: "أحبوا أعداءكم، باركوا لا عينيكم، أحسنوا لمن أساء إليكم" (مت44:5). ولنعلم بأن الإنسان الذي يفكر بأعدائه سوءاً، فإن حب الله لا يكون ساكناً فيه، ولا يكون قد عرف الله بعد. إن الذي يصلّي من أجل أعدائه، يحل السلام فيه، وتسكن نعمة الله العظيمة في داخله.

يسوع المسيح، بالحب يُصلح سوء تدبيرنا. فإن قبلنا بملء حريتنا أن نعود إليه مستجيبين لحبه، فإن وجهاً آخر يصير لنا. تُرى ما هو هذا الوجه الجديد؟ إنه يقوم على زرع الحب لنمارسه بإرادتنا، إنه لا يرغمنا على شيء. بل يريدنا أن نأخذ موقفاً بكامل حريتنا. إن الذي أجراه مع بطرس الرسول، هو ذات الكلام الذي يجريه مع كل واحدٍ منا. فعلى الرغم من أن بطرس الرسول قد أنكر يسوع ثلاث مرات قبل الصلب، إلا أننا نجد أن يسوع يسأله بعد القيامة: "أتحبني؟" ويكررها له ثلاث مرات. وبعد أن ينال منه الإيجاب يقول له: "ارع خرافي" (راجع، يو15:21-17).

بالحب يريد يسوع لنا أن نسوس الآخرين. بهذا الحب العظيم عرّفنا يسوع عن نفسه، وترك هذا الكنز حراً يستطيع أن يمتلكه من يريد. الحب ليس وقفاً على أحد، لأن كل من عاش نكران الذات يتمكن من امتلاكه. وقد امتلك هذا الحب القديسون، الذين دُعينا لأن نتشبه بهم، لنحمل القدوة الصالحة والقيادة الحسنة مثلهم. فهذا القديس أنطونيوس يسأله أحدهم بقوله: (لماذا أنت تبذل جهداً أقل مني، لكنك معروفٌ وممجد أكثر مني؟). على هذا أجاب القديس أنطونيوس: (لأني أحب الله أكثر منك). والقائد في المجتمع ليس هو من تبوأ كرسيّ القيادة، بل هو من امتلك كرسيّ المحبة: محبة الله ومحبة الآخر. فمثل هذا الإنسان يسكن مع الله، وبلغته يتكلم، وبإرادته يتحرك، وبأحكامه يتصرف.

فما علينا لكي نكون كذلك إلا أن نسعى كي نتطلع إلى الرب بكل طاقاتنا وقوانا وذهننا وأفكارنا، وبسبب هذا المسعى ينظر هو إلينا بالرغم من خطايانا، يعاملنا بحبه الكبير ليقابل محبة رغبتنا الجامحة في السعي نحوه، فيحدثنا بما يسر العقل والقلب حين يقول لنا: "أنت يا من تسعى نحوي انزل واترك أهواءك معلّقة على شجيرة الجميز فأنا اليوم سأتعشى عندك" (راجع، لو5:19).

بالحب نرى يسوع، وهو بالحب يدخل إلى بيوت قلوبنا ليقيم فيها، فيتشكل في نفوسنا المأدبة التي طلبها منا بشخص زكا، ويكون هو المضيف على مائدةٍ يقدم لنا فيها طعاماً من ذاته. فلنُقِمْ موائد المحبة ونكثر منها، دون أن نفقدها معناها؛ بمعنى أن تبقى مائدة حبٍ حقيقيّةٍ يلتف حولها كل طالبي المحبة بلا استثناء.

 

ثامناً: الخاتمة

يُطلق الفيلسوف الفرنسي الأرثوذكسي أوليفيه كليمان صرخته المعاصرة بقوله: (لنحيا الله وفرحه). وهذا ما يوجب علينا أن نتساءل، كيف؟

إنسان اليوم يشعر، وبشكلٍ دائم، أنه يحيا في أزمةٍ يحس فيها وكأنه يسير في نفقٍ مظلم. ويشعر من خلال نفق الكارثة أنه محشورٌ بين احتمالين: احتمال الكارثة، أو احتمال التجلي الروحي. وإذا عدنا للكتاب المقدس لنكتسب خبرةً منه نحن بحاجةٍ إليها، نرى أنه في كلِّ مرةٍ كانت الأمور تبدو وكأنها تسير نحو الأسوأ، كانت هناك دائماً (بقيةً) مرتبطةً بالله، تعيش صادقةً معه. وهو ما يسمح لها بالسمو إلى حالة التجلي. فيعود من خلالها الأسوأ إلى وضعه الطبيعي، إن لم نقل نحو الأفضل.

واليوم نجد آثاراً لهذه البقية في النهضة المسيحية الروحية، سواء كان على صعيد الرعايا والشباب، أو إن كان على صعيد الكهنة والرهبان. ويؤكد ذلك لنا كرسينا الأنطاكي، كما ويؤكدها لنا العالم أجمع. لقد صار بإمكان الكنيسة الأرثوذكسية أن تلعب في حياة بلدنا دوراً كبيراً، من خلال صلواتها التي تحياها، وبشهادتها، ورؤيتها للثالوث القدوس، وللوحدة بين الإلهي والإنساني، وبعمق فهمها لحضور المسيح في كل شيء بالروح القدس. وهو الذي يمثل النفحة التي تحمل إلى العالم، انفتاح إنساننا الباطني نفسه على الآب، وربما الأفضل أن نقول على: (صمت الآب) بحسب قول القديس إغناطيوس الأنطاكي في القرن الثاني للميلاد. وهذه البقية تشكلت من الذين حملوا المعاناة التي يفرزها عالم اليوم، فتحولوا بذلك إلى بُناة نهضةٍ روحيةٍ تُمثِّل بلغة السيد المسيح: (الخميرة) و(حبة الحنطة) و(النور). وهو ما يجعل الإنسان الأرثوذكسي العامل بنعمة الله، تربةً تخرج منها شجرةٌ من حبة الحنطة هذه. وبذلك تصبح الكنيسة ببعدها الشركوي متشكلةً من هذه الشجرات. لتؤلف (كنيسة حضارة الشركة) ليومنا المعاصر.

وإذا كان عالم اليوم يحفر في باطن الأرض بعمقٍ شديد، فإن مغارتي المسيحية الكبيرتين الميلاد وقلب المسيحي المحب. هما من سيهدي هذا العالم في طريقه الذاهب إليه. وبالتصاقنا بالكنيسة نجهز الإنسان المعاصر ليسير مع الله، وهو ما يمنحه نضوجاً حضارياً يمتلكه من قوته الروحية، التي لا تبالي إن كان الإنسان ما يزال عرياناً ومسكيناً. إن بطل رواية (الأخوة كارامازوف) للكاتب دوستويفسكي. الذي حُكم عليه بالعمل في المناجم تحت الأرض بتهمة ظالمة لم يرتكبها، هكذا إنسان اليوم يحيا في وجه من أوجه حياته مغلقاً عليه داخل نفسه وكأنه (تحت الأرض).

من قلب المسيحي المؤمن الساكن دائماً في مغارة ميلاد المسيح تبدأ الحياة الروحية الصحيحة، التي يرعاها الله بعيداً عن معطيات مخططاتنا البشرية. فالحياة الروحية تظل ببعدها الروحي تجلياً من الله حسب ما يرى هو أن تكون.

ولكن النور ينبعث من هذه الأنفس أينما وجدت.  

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا